يد الله : اليد في كلام العرب تكون : للجارحة ، وللنعمة ، وللقوة ، وللقدرة ، وللصلة ، وللتأييد ، وللنصرة .
مغلولة : الغل : قيد من الجلد ، أو الحديد يوضع في اليد أو العنق . ومرادهم بذلك : أنها مقبوضة ، بخيلة بالعطاء .
مبسوطتان : البسط : المد بالعطاء . والمراد منه هنا : الجود والإعطاء .
أوقدوا نارا للحرب : أوقد النار : أشعلها . والمراد هنا : أثاروا الفتن ، ودبروا المكائد التي تؤدي إلى وقوع الحرب بين الناس .
64- وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ . . . الآية
سبب النزول : جاء في تفسير القرطبي ما يأتي :
قال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء وأصحابه ، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ قل ما لهم ، فقالوا : إن الله بخيل ، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء ، فالآية خاصة في بعضهم ، وقيل : لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون ، صاروا كأنهم بأجمعهم قالواهذا .
وقال الحسن : المعنى : يد الله مقبوضة عن عذابنا .
وقيل : إنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه ويلم في فقر وقلة مال وسمعوا : مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا . ( البقرة : 245 ) .
ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في الديات قالوا : إن إله محمد فقير وربما قالو : بخيل وهذا معنى قولهم : يد الله مغلولة . فهم على التمثيل كقوله : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ . ( الإسراء : 29 ) .
ويقال للبخيل : جعد الأنامل ، ومقبوض الكف ، وكز الأصابع ومغلول اليد {[286]} .
والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال ، لاسيما في دفع المال وإنفاقه فأطلقوا اسم السبب على المسبب وأسندوا الجود والخير إلى اليد والكف فقيل للجواد : فياض اليد ، مبسوط الكف ، وقيل للبخيل : مقبوض اليد ، كز الكف . . .
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ . أي : أن الله بخيل علينا بما عنده من المال والعطاء والرزق ، أو المراد : أنه فقير لا يجد ما يعطيه لنا ، حيث قالوا في الآية 181 من سورة آل عمران : إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء .
وهذا نوع من جرأة اليهود على الله وسوء أدبهم معه وتوبيخ لهم على جحودهم نعم الله التي لا تحصى .
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ . وهو دعاء عليهم بالشح المرير وبالبخل الشنيع بأن يخلق سبحانه فيهم الشح الذي يجعلهم منبوذين من الناس ، ومن ثم كان اليهود أبخل خلق الل ، ه وحكم عليهم بالطرد من رحمة الله تعالى .
قال الآلوسي : ويجوز أن يكون المراد بغل الأيدي : الحقيقة أن يغلوا في الدنيا أساري ، وفي الآخرة معذبين في أغلال جهنم ، ومناسبة هذا لما قبله حينئذ من حيث اللفظ فيكون تجنيسا ، وقيل من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقول : سبني سب الله دابره أي : قطعه ؛ لأن السب أصله القطع {[287]} وقد حقق الله قضاءه فيهم ، فكانوا أبخل الناس في الدنيا ، وأحرصهم على المال ، وباءوا في الآخرة بالخلود في النار .
بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء . أي : ليس الأمر كما زعمتم أيها اليهود ، بل هو سبحانه الواسع الفضل ، الجزيل العطاء ، وما من شيء إلا عنده خزائنه .
فبسط اليد هنا : كناية عن الجود والفضل والأنعام منه- سبحانه- على خلقه وقد أشير بثنية اليد إلى تقرير غاية جوده وغناه .
فإن أقصى ما تصل إليه همة الجواد السخي أن يعطي بكلتا يديه .
وقوله : يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء . جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده ، والدلالة على انه ينفق على مقتضى حكمته ومشيئته ، فهو يبسط الرزق لمن يشاء ويقبضه عمن يشاء ؛ لحكمة يعلمها ولا نعلمها .
قال تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ( الشورى : 27 ) .
وقال تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . ( آل عمران : 26 )
وروى البخاري ومسلم ، وأحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى قال : أنفق أنفق عليك " {[288]} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء {[289]} الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ، قال : وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض . {[290]}
يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء . يرزق كما يريد ويجوز أن يكون اليد في هذه الآية بمعنى : القدرة أي : قدرته شاملة إن شاء وسع وإن شاء قتر .
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا . المراد بالكثير : علماء اليهود ورؤساؤهم ، أي : إذا نزل شيء من القرآن فكفروا به ؛ ازداد كفرهم .
والقرآن بطبيعته كتاب هداية وشفاء للنفوس من ضلالها لكن اليهود قوم أكل الحقد قلوبهم واستولى الحسد على نفوسهم فهم يضمون إلى حقدهم القديم وكفرهم السابق كفرا جديدا بكل ما نزل عليك يا محمد .
قال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا . ( الإسراء : 82 ) .
وقد أكد الله هذه الجملة بالقسم المطوى وباللام الموطئة له ، وبنون التوكيد الثقيلة ؛ لكي ينتفي الرجاء في إيمانهم وليعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم على أساس مكنون نفوسهم الخبيثة وقلوبهم المريضة بالحسد والخداع .
وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قال ابن عطية : وكأن العداوة . شيء يشهد يكون عنه عمل وحرب ، والبغضاء لا تتجاوز النفوس .
والمعنى : وألقينا بين طوائف اليهود المتعددة ، العداوة الدائمة والبغضاء المستمرة ، فلا تتوافق قلوبهم ، ولا تتطابق أقوالهم أبدا إلى يوم القيامة .
ولقد كانوا كذلك طوال تاريخهم ، منذ أن أرسل إليهم الرسل ودأبوا على قتل الأنبياء بغير حق ، ثم كذبوا محمد صلى الله عليه وسلم ، واستمروا على اقتراف حرائمهم ، وازدادوا فيها ، قال تعالى : بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى . . ( الحشر : 14 )
كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ . أي : كلما هموا بحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفسد الله عليهم خطتهم وأحبط مكرهم ، وألقى الرعب في قلوبهم ، او كلما حاربوا أحدا أو جماعة غلبوا وهزموا ، وقد كان أمرهم كذلك على مدى التاريخ .
وقيل : إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله- التوراة- أرسل الله عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فأرسل عليهم تيطس الرومي ، ثم أفسدوا فبعث عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فبعث عليهم المسلمين فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله كلما أوقدوا نارا أي : أهاجوا شرا ، وأجمعوا أمرهم على الحرب قهرهم الله ووهن أمرهم فذكر النار مستعار {[291]} .
والعرب كانوا إذا أرادوا حربا بالإغارة على غيرهم أوقدوا نارا يسمونها : نار الحرب .
وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . أي : أن حال هؤلاء اليهود أنهم يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله ، وأنهم يسعون سعيا حثيثا للإفساد في الأرض عن طريق إثارة الفتن وإيقاظ الأحقاد بين الناس .
وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . بل يبغضهم ويمقتهم ؛ لإيثارهم الضلالة على الهدى والشر على الخير .
وقد كانت أصابع اليهود وراء نيران الحروب والعداوة في تاريخهم الطويل .
ومنذ القدم واليهود كلما جمعوا جموعهم وأعدوا عدتهم لإيذاء الناس ، أو إشعال نار الفتنة على عباد الله ؛ شتت الله شملهم ، وخيب رجاءهم ودمر كيدهم .
ولما لم تزل الدلائل على{[26758]} إبطال دعوى أهل الكتاب في البنوة والمحبة تقوم{[26759]} ، وجبوش البراهين تنجد{[26760]} ، حتى انتشبت{[26761]} فيهم سهام الكلام أي انتشاب ، قال تعالى معجباً من عامتهم بعد تعيين خاصتهم ، معلماً بأنهم لم يقنعوا بالسكوت عن المنكر حتى تكلموا بأنكره ، مشيراً إلى سفول رتبتهم ودناءة منزلتهم{[26762]} بأداة التأنيث : { وقالت اليهود } معبرين عن{[26763]} البخل والعجز جرأة وجهلاً بأن قالوا ذاكرين اليد لأنها موضع القدرة وإفاضة الجود والنصرة : { يد الله } أي الذي يعلم كل عاقل أن له صفات الكمال { مغلولة } أي فهو لا يبسط الرزق غاية البسط{[26764]} ، وهذا كناية عن البخل والعجز من غير نظر إلى مدلول كل من ألفاظه{[26765]} على حياله{[26766]} أصلاً ، كما قال تعالى :
{ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط{[26767]} }[ الإسراء : 29 ] ولم يقصد من ذلك غير الجود وضده ، لا غل ولا عنق ولا بسط أصلاً ، بل صار هذا الكلام عبارة عما وقع مجازاً عنه ، كأنهما متعقبان{[26768]} على معنى واحد ، حتى لو جاد{[26769]} الأقطع إلى المنكب لقيل{[26770]} له{[26771]} ذلك ، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة ، منه الاستواء " وقالت : في السماء{[26772]} " المراد منه - كما قاله{[26773]} العلماء - أنه ليس مما يعبده المشركون من الأوثان ، قال في الكشاف : ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة{[26774]} الصواب في تأويل أمثال هذه الآية ، و{[26775]} لم يتخلص عن يد الطاعن إذا عبثت به .
ولما نطقوا بهذه الكلمة{[26776]} الشنعاء ، وفاهوا بتلك الداهية الدهياء ، أخبر عما جازاهم به سبحانه على صورة ما كان العرب يقابلون به من يستحق الهلاك من الدعاء ، فقال معبراً بالمبني للمفعول إفادة لتحتم الوقوع وتعليماً لنا كيف ندعو عليهم ، ولم يسببه عما قبله بالفاء تقوية{[26777]} له على تقدير سؤال سائل : { غلت أيديهم } دعاء مقبولاً وخبراً صادقاً ، عن كل خير ، فلا تكاد{[26778]} تجد فيهم كريماً ولا شجاعاً ولا حاذقاً في فن ، وإن كان ذلك لم تظهر{[26779]} له ثمرة { ولعنوا } أي أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم { بما قالوا } والمعنى أنهم كما رأوا أحوال المنافقين المقضي في التوراة بأنها إثم وأقروا عليها ، فكذلك نطق بعضهم بكلمة الكفر التي لا أفظع منها ، وسكت عليه الباقون فشاركوه ، ولما كان الغل كناية عن البخل وعدم الإنفاق ، وكان الدعاء{[26780]} بغلهم ولعنهم{[26781]} متضمناً{[26782]} أن الأمر ليس كما قالوا ، ترجمة سبحانه بقوله{[26783]} : { بل يداه }{[26784]} وهو منزه عن الجارحة وعن كل ما يدخل تحت الوهم{[26785]} { مبسوطتان } مشيراً بالتثنية إلى غاية الجود ، ليكون رد قولهم وإنكاره{[26786]} بأبلغ ما يكون في قطع تعنتهم وتكذيب قولهم .
ولما كان معنى هذا إثبات ما نفوه على أبلغ الأحوال ، قال مصرحاً بالمقصود معرفاً أنه في إنفاقه مختار فلا غرو أن يبسط لبعض دون بعض : { ينفق } ولما كان إنفاقه سبحانه تحقيقاً للاختيار على أحوال متباينة بحيث إنها تفوت الحصر ، أشار إلى التعجيب{[26787]} من ذلك بالتعبير بأداة الاستفهام وإن قالوا : إنها في هذا الموطن شرط ، فقال : { كيف } أي كما { يشاء } أي على أي حالة أراد دائماً من تقتير وبسط وغير ذلك .
ولما كان قولهم هذا غاية في العجب لأن كتابهم كافٍ في تقبيحه بل تقبيح ما هو دونه في الفحش ، فكيف وقد انضم إلى ذلك ما أنزل في القرآن من واضح البيان ، قال سبحانه عاطفاً على
{ وترى كثيراً منهم }[ المائدة : 62 ] مؤكداً لمضمون ما سبق من قوله
{ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له{[26788]} من الله شيئاً }[ المائدة : 41 ] بأنه جعل سبب هذا القول منهم ما أتاهم من الهدى الأكمل في هذا الكتاب المعجز على لسان هذا النبي الذي{[26789]} هم{[26790]} به أعرف منهم بأبنائهم : { وليزيدن كثيراً منهم } أي{[26791]} ممن أراد الله فتنته ، ثم ذكر فاعل الزيادة فقال{[26792]} : { ما أنزل إليك } أي على ما له من النور وما يدعو إليه من الخير { من ربك } أي المحسن إليك بكل ما ينفعك دنيا وأخرى { طغياناً } أي تجاوزاً عظيماً عن{[26793]} الحد تمتلىء منه الأكوان في كل إثم وشنأ{[26794]} ، و{[26795]} ذلك بما جره إليهم داء الحسد ، لأنهم كلما رأوه سبحانه قد{[26796]} زاد إحسانه إليك طعنوا في ذلك الإحسان ، وهو - لما له من الكمال وعلو الشأن - يكون الطعن فيه من أعظم الدليل عليه والبرهان ، فيكون أعدى العدوان { وكفراً } أي ستراً لما ظهر لعقولهم من النور ، ودعت إليه كتبهم من الخير ، وهذا كما يؤذي الخفاش ضياء الصباح ، وكلما قوي{[26797]} الضياء زاد أذاه ، وفي هذا إياس من توبتهم وتأكيد{[26798]} لعداوتهم وزجر عن موالاتهم ومودتهم ، أي إنهم لا يزدادون بحسن وعظم وجميل تلاوتك عليهم الآيات إلا شقاقاً ما وجدوا قوة ، فإن ضعفوا فنفاقاً .
ولما كان الإخبار باجتماع كلمتهم على شقاوة الكفر ربما أحدث خوفاً من كيدهم ، نفى ذلك بقوله { وألقينا } أي بما لنا من العظمة الباهرة { بينهم } أي اليهود { العداوة } ولما كانت العداوة{[26799]} - وهي أي يعدون بعضهم إلى أذى بعض - ربما زالت بزوال السبب ، أفاد أنها لازمة لا تنفك بقوله : { والبغضاء } أي لأمور{[26800]} باطنية وقعت في قلوبهم وقوع الحجر الملقى من علو { إلى يوم القيامة } .
ولما كان ذلك مفيداً لوهنهم ترجمه بقوله : { كلما أوقدوا } على سبيل التكرار لأحد من الناس { ناراً للحرب } أي باحكام أسبابها وتفتيح جميع أبوابها { اطفأها } أي خيّب قصدهم في ذلك { الله } أي الذي له جميع صفات الكمال ، فلا تجدهم في بلد من البلاد إلا في الذل وتحت القهر ، وأصل{[26801]} استعارة النار لها ما في كل منهما من التسلط والغلبة والحرارة في الظاهر والباطن ، مع أن المحارب يوقد{[26802]} النار في موضع عال ليجتمع إليه{[26803]} أنصاره ، ولقد قام لعمري دليل المشاهدة على صدق ذلك بغزوة قينقاع تم النضير ثم قريضة ، والقبائل الثلاث بالمدينة لم يتناصروا{[26804]} ولم ينصروا{[26805]} ، ثم غزوة{[26806]} خيبر وأهل فدك و{[26807]} وادي القرى وهم متقاربون ولم يتناصروا ولم ينصروا{[26808]} ، هذا فيما في خاصتهم ، وأما في غير ذلك فقد ألبّوا الأحزاب وجمعوا القبائل وأتقنوا{[26809]} في أمرهم على زعمهم المكايد ، ثم أطفأ الله نارهم حساً ومعنى بالريح والملائكة ، وألزمهم{[26810]} خزيهم وعارهم وجعل الدائرة عليهم - وساق جيش المنون على أيدي المؤمنين إليهم ، وإلى ذلك وأمثاله من أذاهم الإشارة بقوله : { ويسعون } أي يوجدون مجتهدين اجتهاد الساعي على سبيل الاستمرار بما يوجدون من المعاصي من كتمان ما عندهم من الدليل على صحة الإسلام وغير ذلك من أنواع الأجرام { في الأرض } أي كل{[26811]} ما قدروا عليه بالفعل والباقي بالقوة{[26812]} .
ولما كان الإنسان لكونه{[26813]} محل نقصان لا ينبغي أن يتحرك فضلاً عن أن يمشي فضلاً عن أن يسعى إلا بما يرضي الله ، وحينئذ لا ينسب الفعل إلا إلى الله لكونه آمراً به خالقاً له ، فكانت نسبة السعي إلى الإنسان دالة{[26814]} على الفساد ، صرح به في قوله : { فساداً } أي للفساد أو ذوي فساد { والله } أي والحال أن الذي له الكمال كله { لا يحب المفسدين * } أي لا يفعل معهم فعل المحب ، فلا ينصر لهم جيشاً ، ولا يعلي لهم كعباً{[26815]} ، ولا يصلح لهم شأناً ، وبذلك توعدهم سبحانه في التوراة أنهم إذا خالفوا أمره سلط عليهم من عذابه بواسطة عباده وبغير واسطتهم ما يفوت الحصر - كما مضى ذلك قريباً{[26816]} عما بين أيديهم من التوراة بنصه .