يضاهئون : المضاهأة والمضاهات : المشابهة .
أنى يؤفكون : كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل .
30 – { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله . . . } الآية .
في هذه الآية وما بعدها يكشف الله سبحانه عن الشبه التي وردت على أهل الكتاب ، فأفسدت عليهم دينهم ؛ وأدخلتهم في مداخل المشركين أو الكافرين ، فوصفوا بقوله تعالى في الآية السابقة : { ولا يدينون دين الحق } .
{ وقالت اليهود عزير ابن الله } .
ذلك أنه مر على قرية قديمة ، قبورها دارسة ، وقد عمها الصمت والسكون والموت ؛ فقال : { أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه . . . } فلما رآه اليهود ؛ قالوا : عزيرا ابن الله ؛ لأن الله بعثه بعد موته .
وقيل : إن التوراة قد ضاعت أيام الأسر البابلي ، فلما عاد اليهود من الأسر ، وأعادوا بناء الهيكل ؛ لم يجدوا التوراة ، وكان عزير أو عزرا قد ملأ الله صدره نورا ؛ فإذا التوراة محفوظة في قلبه ، تجري كلماتها على لسانه . ثم جمع أحبارهم وأملى عليهم التوراة من حفظه ؛ وحدت بعد هذا أن عثروا على التوراة الضائعة ، فقارنوا بها ما أملاه عزرا فإذا هي هي ، كان عندهم عزرا كائنا علويا سماويا فنسبوه إلى الله وجعلوه ابنا له .
والمحققون من المؤرخين يقولون : إن عزيرا( عزرا ) ، جمع محفوظات من صدور القوم ؛ ومن أوراق متناثرة وسماها : التوراة ، ولا يوجد دليل على أنها طبق الأصل ؛ فإن الأصل مفقود ، كما أن فيها وصف الله بما لا يليق به ، كالندم والضعف أمام إسرائيل ، وغير ذلك مما يقطع بوضعها54 .
وقال السيد رشيد رضا في تفسير المنار :
جاء في دائرة المعارف اليهودية الإنكليزية – طبعة 1903 – أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملي لليهودية ، الذي تفتحت فيها أزهاره ، وعبق شذا ورده ، وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة .
{ وقالت النصارى المسيح ابن الله } .
أي : أن النصارى قالوا في المسيح عيسى ابن مريم ما قالته اليهود في عزير ؛ فقد قالوا : إنه ابن الله ، وشبهتهم في ذلك أن المسيح قد ولد من رحم امرأة دون أن تتصل برجل .
وقد فصل القرآن القول في ذلك في سورة مريم ، وآل عمران وغير ذلك من السور ؛ فالمسيح قد خلق بقدرة الله ، وأراد الله أن يجعل منه آية على هذه القدرة .
فقد خلق الله آدم من غير أب ولا أم ، وخلق حواء من أب دون أم ، وخلق المسيح من أم دون أب ؛ قال تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } . ( آل عمران : 59 ) .
وقد رد الله على النصارى وناقشهم ، ودحض حجتهم في آيات كثيرة . أحيانا حاكمهم إلى العقل فبين أن المسيح بشر جعله الله رسولا ، وما ينبغي لبشر أن يرسله الله ثم يدعي هذا البشر الألوهية ويطلب من الناس أن يعبدوه هو ؛ بل ينبغي للرسول الأمين ؛ أن يدعو الناس إلى عبادة الله رب الجميع .
قال تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } . ( آل عمران : 79 ) .
وأحيانا خاطب العقل مع العاطفة والوجدان مثل قوله تعالى :
{ وقالوا اتخذ الرحمان ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمان ولدا * وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا * إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمان عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } . ( مريم : 88 - 95 ) .
كذلك فإن المسيح أعطاه الله معجزات تؤيد رسالته مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ، فقالوا : إن المسيح ما كان يستطيع أن يفعل ذلك إلا لأنه ابن الله .
وفي القرآن : { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء . . . }( الأنعام : 101 ) .
أي : كيف يكون لله ولد مع أنه لا زوجة له ؟ ! وجهلوا أن ميلاد عيسى كان بأمر الله : { قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا } . ( مريم : 21 ) .
كما أن معجزات عيسى لتأييد نبوته ؛ كان شأنها كشأن معجزات الأنبياء السابقين ، كناقة صالح ، وعصا موسى ؛ هي بمثابة تصديق الله له في دعواه الرسالة .
{ ذلك قولهم بأفواههم } . أي : هو قول يلقى على عواهنه ؛ مجرد كلام ، لم يحتكم فيه إلى عقل أو منطق . . . إنه كلام . . . لا أكثر ليس بينه وبين الحق نسب .
أي : إن هذا القول لما كان ساذجا ليس فيه بيان ، ولا عضده برهان ، كان مجرد دعوى ليس فيها إلا كونها خارجة من الأفواه ؛ غير مفيدة لفائدة يعتد بها .
{ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } .
يشابهون بهذه المقالة عبدة الأوثان في قولهم : اللات والعزى ومناة بنات الله ، والملائكة بنات الله .
قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن :
ويمكن أن يكون الذين كفروا من قبل ، كل من سبق اليهود والنصارى ؛ من الذين كانوا يعتقدون بهذا المعتقد الذي يجعل لله ابنا يعبد من دون الله ، أو يعبد مع الله ، مثل تلك المعتقدات التي كان يعتقدها اليونان في توليد الآلهة ، بعضهم من بعض ، وكما كان يعتقد الفراعنة في آلهتهم ، وإضافة ملوكهم إلى آلهة سماوية علوية ، وكما يعتقد المعتقدون في بوذا وأنه مولود إلهي ا ه .
وقد علمنا من تاريخ قدماء الوثنيين في الشرق والغرب : أن عقيدة الابن لله والحلول والتثليث ، كانت معروفة عند البراهمة في الهند وفي الصين واليابان وقدماء المصريين وقدماء الفرس .
وهذه الحقيقة التاريخية – والتي بينها القرآن في هذه الآية – من معجزاته ؛ لأنه لم يكن يعرفها أحد من العرب ولا ممن حولهم ، بل لم تظهر إلا في هذا الزمان55 .
والمعنى : إن هؤلاء الضالين الذين قال بعضهم : { عزير ابن الله } . وقال البعض الآخر : { المسيح ابن الله } .
ليس لهم على قولهم الباطل هذا دليل ولا برهان ؛ ولكنهم يشابهون ويتابعون فيه قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم56 .
{ قاتلهم الله } . أي : لعنهم الله ، أو طردهم من رحمته ورضوانه ، أو أهلكهم الله ؛ لأن من قاتله الله ؛ هلك روى ابن جرير عن ابن عباس أن معنى قاتلهم الله لعنهم الله ؛ وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن .
والمقصود من هذا التعبير : التعجب من شفاعة قولهم حكى النقاش أن أصل قاتله الله : الدعاء ، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه في التعجب في الخير والشر . وهم لا يريدون الدعاء ، وأنشد الأصمعي :
يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني *** وأخبر الناس أنى لا أباليها
كيف يصرفون عن الحق مع قيام الدليل عليه ؟ !
{ ويؤفكون } . من الإفك بمعنى : الانصراف عن الشيء ؛ والابتعاد عنه ، يقال : أفكه عن الشيء يأفه إفكا ؛ أي : صرفه عنه وقلبه ، ويقال : أفكت الأرض إفكا ، أي : صرف عنها المطر .
والغرض من الاستفهام هنا : التعجب والتوبيخ .
أي : إن ما قالوه ظاهر البطلان وهو محل عجب العقلاء واستنكارهم وغضبهم ، فالمسيح بشر يأكل الطعام ، وتجري عليه أحكام البشر ، فكيف يكون إلها ؟ !
قال تعالى : { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام } . ( المائدة : 75 ) .
وقال سبحانه : { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله } . ( النساء : 172 ) .
{ عُزير } : هو الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه ، واليهود يسمونه : عِزْرا .
{ المسيح } : هو عيسى بن مريم عليهما السلام .
{ قول الذين كفروا } : أي من آبائهم وأجدادهم الماضين .
{ قاتلهم الله } : أي لعنهم الله لأجل كفرهم .
{ أنى يؤفكون } : أي كيف يصرفون عن الحق .
لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب لكفرهم وعدم إيمانهم الإِيمان الحق المنجي من النار ذكر في هذه الآية الثلاث ما هو مقرر لكفرهم ومؤكد له فقال { وقالت اليهود عزير ابن الله } ونسبة الولد إلى الله تعالى كفر بجلاله وكماله { وقالت النصارى المسيح ابن الله } ونسبه الولد إليه تعالى كفر به عز وجل وبماله من جلال وكمال وقوله تعالى : { ذلك قولهم بأفواهم } أي ليس له من الواقع شيء إذ ليس لله تعالى ولد ، وكيف يكون له ولد ولم تكن له زوجة ، وإنما ذلك قولهم بأفواههم فقط { يضاهئون به } أي يشابهون به { قول الذين كفروا من قبل } وهم اليهود الأولون وغيرهم وقوله تعالى { قاتلهم الله أنى يؤفكون } دعاء عليهم باللعن والطرد من رحمة الله تعالى وقوله { أنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الحق ويبعدون عنه بهذه الصورة العجيبة .
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون
[ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ] عيسى [ ابن الله ذلك قولهم بأفواههم ] لا مستند لهم عليه بل [ يضاهئون ] يشابهون به [ قول الذين كفروا من قبل ] من آبائهم تقليداً لهم [ قاتلهم ] لعنهم [ الله أنى ] كيف [ يؤفكون ] يُصرفون عن الحق مع قيام الدليل