تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

{ هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب }

المفردات :

محكمات : واضحات .

متشابهات : محتملات لعدة معان لا يتضح مقصودها فاشتبه أمرها على الناس .

زيغ : ميل عن الحق إلى الباطل .

ابتغاء الفتنة : طلبا لها .

الراسخون في العلم : الثابتون فيه .

الألباب : العقول الخالصة .

المعنى العام للآية :

هو الذي انزل عليك القرآن وكان من حكمته أن جعل منه آيات محكمات محددة المعنى بينة المقاصد ، هي الأصل وإليها المرجع وأخر متشابهات يبق معناها على أذهان كثير من الناس وتشتبه على الراسخين في العلم وقد نزلت هذه المتشابهات لتبعث العلماء على العلم والنظر ودقة الفكر في الاجتهاد وفي البحث في الدين .

و شأن الزائغين عن الحق أن يتبعوا ما تشابه من القرآن رغبة في إثارة الفتنة وهم يؤولون الآيات حسب أهوائهم وهذه الآيات لا يعلم تأويلها الحق إلا الله والذين ثبتوا في العلم وتمكنوا منه وأولئك المتمكنون منه يقولون إننا نوقن بأن ذلك من عند الله لا نفرق في الإيمان بالقرآن بين محكمه ومتشابهه وما يعقل ذلك إلا أصحاب العقول السليمة التي لا تخضع للهوى والشهوة .

و يتعلق بتفسير الآية ما يأتي :

1- المحكم والمتشابه

المحكمات : من أحكم الشيء بمعنى وثقه وأتقنه والمعنى العام لهذه المادة المنع فإن كل محكم يمنع بإحكامه تطرق الخلل إلى نفسه او غيره ومنه الحكم وحكمة الفرس قيل وهي أصل المادة .

و المتشابه : يطلق في اللغة على ما له أفراد أو أجزاء يشبه بعضها بعضا وعلى ما يشتبه من الأمر أي يلتبس قال في الأساس ( وتشابه الشيئان واشتبها وشبهته به وشبهته إياه واشتبهت الأمور وتشابهت :

التبست لأشباه بعضها بعضا وفي القرآن المحكم والمتشابه ) .

2- آراء العلماء في المحكم .

( أ ) هو الحلال والحرام . . . روى عن ابن عباس ومجاهد .

( ب ) هو ما علم العلماء تأويله . . .

( ج ) هو ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى البيان .

( د ) هو ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا .

( ه ) هو الأمر والنهي والوعد والوعيد والحلال والحرام .

( و ) عن ابن مسعود قال أنزل القرآن على خمسة أوجه :

حرام وحلال ومحكم ومتشابه وأمثال فأحل الحلال وحرم الحرام وآمن بالمتشابه واعمل بالمحكم واعتبر بالأمثال .

( ز ) قال ابن عباس : { هن أم الكتاب } هن أصل الكتاب اللاتي يعمل عليهن في الأحكام ومجمع الحلال والحرام .

3- آراء العلماء في المتشابه

( أ ) هو ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل كقيام الساعة .

( ب ) هو الحروف المقطعة في فواتح السورة كقوله { آلم } ونحو ذلك وقد جاء في تفسير المنار أن المفسرين قد اختلفوا في المحكم والمتشابه على أقوال :

( أحدهما ) أن المحكمات هي قوله : { قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا . . } ( الأنعام 101 ) . إلى آخر الآية والآيتين اللتين بعدها ( 123 ) . والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود وهي أسماء حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور .

( ثانيها ) أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ .

( ثالثها ) أن المحكم ما كان دليله واضحا لائحا كدلائل الوحدانية والقدرة والحكمة والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل .

( ورابعها ) أن المحكم كل ما أمكن تحصيل العلم بدليل جلي أو خفي والمتشابه ما لا سبيل إلى العلم به كوقت قيام الساعة ومقادير الجزاء على الأعمال ( 124 ) .

4- الوقف والوصل

في قوله تعالى :

{ و ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } .

العلماء في تفسير هذه الآية رأيان :

1- رأى بعض السلف وهو الوقوف على لفظ الجلالة وجعل قوله والراسخون في العلم كلام مستأنف وعلى هذا المتشابه لا يعلم نأو يله إلا الله واستدلوا على ذلك بأمور منها :

( أ‌ ) أن الله ذم الذين يتبعون تأويله .

( ب‌ ) أن قوله : { يقولون آمنا به كل من عند ربنا } ظاهر في التسليم المحض لله تعالى ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض .

و هذا رأي كثير من الصحابة رضوان الله عليهم كأبي بن كعب وعائشة .

2- ويرى بعض آخرون الوقف على لفظ " العلم " ويجعل قوله : { يقولون آمنا } كلام مسأنف وعلى هذا فالمتشابه يعلمه الراسخون وإلى هذا ذهب ابن عباس وجمهرة من الصحابة وكان ابن عباس يقول أنا من الراسخين في العلم ، أنا أعلم تاويله .

وردوا على أدلة الأولين بأن الله تعالى إنما ذم الذين يتبعون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة والراسخون في العلم ليسوا كذلك فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا اضطراب فيه فالله يفيض عليهم فهو المتشابه بما يتفق مع فهم المحكم ( 165 ) ويشهد لصحة هذا الرأي أمران :

أحدهما : إن الله تعالى ما أنزل القرآن إلا ليعلم به فلا ينبغي أن يكون فيه ألغاز ومعميات لا يمكن فهمها وإدراكها فمتشابهه يجب أن يرد إلى محكمه كما قال تعالى : { هن أم الكتاب } أي مرجعه عند الاشتباه .

و ثانيهما : أن الله تعالى أثنى على الراسخين في العلم بقوله : { وما يذكر إلا أولوا الألباب } ففي وصفهم بأنهم أصحاب العقول الخالصة المتذكرة دليل على أنهم استعملوها في كشف المتشابهات والتذكر به .

5- الحكمة في وجود المتشابه

( أ ) امتحان قلوب المؤمنين في التصديق به .

( ب ) هو حافز للعقول على النظر فيه .

( ج ) البحث في المتشابه ومحاولة فهمه من حظ الخاصة كما ان التسليم والتفويض من حظ العامة

قال الزمخشري : فإن قلت فهلا كان القرآن كله محكما ؟

قلت : لو كان كله محكما لتعلق الناس به لسهولة مأخذه ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل والنظر والاستدلال ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به ( 162 ) .

و لما في المتشابه من الابتلاء بين الثابت على الحق والتزلزل فيه ولما في تقادح العلماء وإتعاب القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجلية والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام الله ولا اختلاف فيه إذا رأى فيه ما يناقض ظاهره وأهمه طلب ما للمحكم ازداد طمأنينة إلى معتقده و قوة إيمانه . .

6- زعم التناقض

زعم النصارى أن القرآن فيه تناقض حين نفي بنوة عيسى لله ثم أثبتها حين ذكر أنه روح منه وهذا زيغ منهم يبتغون به الفتنة فإن المراد من قوله : " وروح منه " أنه صادر من الله فكما أن كل شيء صادر من الله بالخلق والإبداع فكذلك روح عيسى وصدق الله إذ يقول : { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } ( الإخلاص 3-4 ) .

7- صفات الله

جاء في القرآن الكريم آيات تدل بظاهرها على ان لله وجها ويدين وجهة في السماء ومكانها هو العرش ونحو ذلك مما يوهم التشبيه والجسمية والانتقال وآيات أخرى تثبت له صفات مختلفة من العلم والقدرة والكلام ونحوها .

وطائفة ثالثة : منها ما يصرح بأنه لا تركه الأبصار ومنها ما يدل على جواز رؤيته تعالى .

فرأى رجال السلف الصالح متابعة الصحابة والتابعين في موقفهم منها .

" فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها وعلموا استحالة التشبيه وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل ( 127 ) وقد سئل الإمام مالك عن معنى قوله تعالى : " الرحمن على العرش استوى " فقال " الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة " ( 128 ) .

و يقول الدكتور عبد الحليم محمود في تفسير سورة آل عمران :

و نشأت المشكلة حينما بدأ الباحثون يتعرضون للآيات التي وردت في القرآن الكريم والتي توهم التشبيه كاليد والوجه والاستواء أو التي وردت في الأحاديث كالنزول والصورة والأصابع .

بدأت المشكلة حينما تعرض بعض الباحثين لهذه الألفاظ وأمثالها : تأويلا لها أو نفيا لمعناها أو تفسيرا او شرحا . . . ( . . . والموقف الذي يقفه من أراد متابعة السلف الصالح إذن تجاه كلمات الصورة واليد والنزول إنما هو الإيمان بها مع التنزيه لله تعالى عن الجسمية وتوابعها وليس كمعنى ذلك أن هذه الألفاظ معطلة عن المعنى بل لها معنى يليق بجلال الله وعظمته مما ليس بجسم ولا عرض في جسم وأن يؤمن بأن ما وصف الله تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذي أراده وعلى الوجه الذي قال وأن لا يحاول لها تفسيرا ولا تأويلا .

و شعار السلف معروف في هذه الكلمات وهو :

" أمروها كما جاءت " - يقول الإمام الرازي في كتابه ( أساس التقديس ) : " إن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى فيها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها . " .

إن الأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة قاطعة الدلائل مدركة المقاصد وهي أصل هذا الكتاب .

و الذين في قلوبهم زيغ يتركوا الأصول الواضحة ويجرون وراء المتشابه لأنهم يجدون فيه مجالا لإيقاع الفتنة بالتأويلات المزلزلة للعقيدة والاختلافات التي تنشأ عن بلبلة الفكر نتيجة إقحامه فيما لا مجال للفكر في تأويله وأما الراسخون في العلم فيقولون في طمأنينة وثقة آمنا به كل من عند ربنا أي الجميع في المحكم والمتشابه حق وصدق وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد .

و روى الإمام أحمد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع قوما يتدارسون فقال ( إنما هلك من كان من قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما أنزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوا به وما جهلتم فكلوه إلى عالمه ) ( 129 ) .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

{ آيات محكمات }آيات بينات واضحات الدلالة ، لا التباس فيها ولا اشتباه . من الإحكام بمعنى الإتقان . يقال : أحكمه أي أتقنه ، فاستحكم ومنعه من الفساد ، كحكمه حكما . وذلك لإحكام عبارتها عن احتمال التأويل والاشتباه ، ولمنع الخلق من التصرف فيها ، لظهورها ووضوح معانيها ، وإقامتها حجة من الله على عباده ، وعصمة لهم من الزيغ . وإلى هذا المعنى يرجع تفسير بعضهم المحكمات : بما عرف تأويلها وفهم معناها المراد منها ، أو مالا التباس فيها ، ولا تحتمل من التأويل إلا وجها واحدا . ( المسألة الرابعة من المقدمة ص8 ) .

{ هن أم الكتاب }أي أصله الذي يعول عليه في الأحكام ، ويرجع إليه في الحلال والحرام ، ويرد إليه ما تشابه من آياته وأشكل من معانيها . وأم كل شيء : أصله وعماده ، قال الخليل : كل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى في لغة العرب أما .

{ وأخر متشابهات }ومنه آيات أخر متشابهات وهي غير المحكمات . والمتشابه : ما استأثر الله بعلمه ، كوقت الساعة والروح والحروف المقطعة في أوائل السور ، وإليه ذهب الحنفية . أو مالا يتضح معناه إلا بالنظر الدقيق وهو يشمل المجمل ونحوه ، وإليه ذهب الشافعية . أو ما دل الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد ، ولم يقم دليل على تعيين المراد منه ، كآيات الصفات مثل : الاستواء واليد والقدم ، والتعجب والضحك والفوقية ، والنزول والرحمة والغضب ، ونحو ذلك . يقال : اشتبه الأمران ، إذا أشتبه كل واحد منهما الآخر حتى التبسا . وأمور مشتبهة ومشبهة – كمعظمة – مشكلة . وشبه عليه الأمر تشبيها : لبس عليه .

{ في قلوبهم زيغ }ميل عن الاستقامة وانحراف عن الحق ، وطرح للقصد السوي . يقال : زاغ يزيغ ، مال . ومنه : زاغت الشمس إذا مالت .

{ ابتغاء الفتنة } الابتغاء : الاجتهاد في الطلب . يقال : بغيت الشيء وابتغيته ، إذا طلبت أكثر ما يجب . والفتنة : ما يدفع إليه الإنسان من شدة . وابتغاء الفتنة : طلب فتنة المؤمنين عن دينهم ، بالتشكيك والتلبيس ، وإثارة الشبه ومناقضة المحكم بالمتشابه . أو فتن أتباعهم الجهال بذلك .

{ وابتغاء تأويله }وطلب تأويل الكتاب وتحريفه ، التأويل الباطل الذي يشتهونه ، والتحريف السقيم الذي يقصدونه ، زاعمين أنه الغاية المرادة منه ، وذلك شأن أهل البدع والأهواء والملاحدة في كل عصر .

و تبعهم في ذلك الذين سموا أنفسهم مبشرين في هذا العصر . والتأويل : يطلق بمعنى التفسير والبيان ، ومنه : ( نبئنا بتأويله ) {[77]} ، وقول المفسرين : تأويل هذه الآية كذا وكذا . وبمعنى حقيقة الشيء وما يئول إليه ، من الأول وهو الرجوع إلى الأصل ، ورد الشيء إلى الغاية المرادة منه . يقال : آل الأمر إلى كذا يئول أولا ، رجع . وأولته إليه رجعته ، ومنه : ( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ){[78]} أي ما ينتظرون إلا حقيقة ومآل ما اخبروا به من أمر المعاد . والمراد هنا المعنى الثاني ، على ما اختاره الراغب . وذهب آخرون إلى اختيار المعنى الأول .

{ والراسخون في العلم } أي الثابتون المتمكنون فيه ، وهم الذين أتقنوا علمهم ، فلم يداخلهم فيه شك

ولم تعرض لهم فيه شبهة . وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض ، واستعمل في المعاني ، ومنه : رسخ الإيمان في قلبه ، أي ثبت واستقر .

فإذا فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه فالوقف على لفظ الجلالة ، وما بعده استئناف ، أي والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، ويفوضون علمه إليه سبحانه ، ولا يقتحمون أسواره ، كأهل الزيغ والضلال الذين خلطوا فيه بغير علم ، واتبعوا أهواءهم بغير هدى .

وإذا فسر بما لا يتضح معناه إلا بنظر دقيق ، فالحق الوقف على لفظ " العلم " ، أي أنه لا يعلم تأويله الحق المطابق للواقع إلا الله والراسخون في العلم ، دون أولئك الزائغين . ويجوز الوقف على لفظ الجلالة ، لأنه لا يعلمه بالكنه سواه .

وإذا فسر بما قام الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد ، مع عدم قيام الدليل على تعيينه ، جاز الوقف والعطف عند من يجوز الخوض فيه ، وتأويله بما يرجع إلى الجادة في مثله ، وهم جمهور الخلف . ووجب الوقف على لفظ الجلالة عند من يمنع الخوض فيه ويمنع تأويله ، وهم جمهور السلف .

ونقل ابن كثير : أنه إذا أريد من التأويل المعنى الأول الذي أسلفناه فالوقف على لفظ( العلم ) ، لأن الراسخين يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به ، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على ما هي عليه . وإذا أريد منه المعنى الثاني فالوقف على لفظ الجلالة ، لأن الحقائق لا يعلمها على الجلية إلا الله عز وجل .

والحكمة في إنزال المتشابه على التفسير الأول : الابتلاء به ، ليخضع العبد لسلطان الربوبية ويقر بالعجز والقصور . وفي ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة ، كما ابتلى سبحانه عباده بسائر التكاليف والعبادات . وعلى التفسير الثاني وكذا الثالث : أن يشتغل أهل النظر والفقه في الدين برد المتشابه إلى المحكم ، فيطول بذلك نظرهم ، ويتصل بالبحث عن معانيه فكرهم ، فيثابون على اجتهادهم كما أثيبوا على عباداتهم . ولو أنزل القرآن كله محكما لاستوى في معرفته العالم والجاهل ، ولم يفضل العالم على غيره ، ولماتت الخواطر وخمدت القرائح ، ومع الغموض والخفاء تقع الحاجة إلى الفكرة ، والحيلة إلى استخراج المعاني .

هذا ، إلى أن القرآن في أعلى طبقات البلاغة والإعجاز ، وفي ألفاظه وآياته وأسلوبه من المجازات والكنايات ، والتشبيهات ، ما يوجب كد الأذهان وشحذ القرائح ، لاستخراج معانيه واستقصاء مراميه ، وذلك مما لا يقدر عليه إلا من أوتي أوفر حظ من العلم والفقه ، وكانت له قدم راسخة في البحث والفهم .

هذا ، ومن المتشابه آيات الصفات أحاديث الصفات كما قدمنا . ومذهب السلف فيها : أنها صفات ثابتة لله تعالى وراء العقل ، جاء بها السمع ، فيجب الإيمان بها كما وردت ، مع وجوب اعتقاد تنزيهه تعالى عن التجسيم والتشبيه ، لئلا يضاد النقل العقل ، وأن ظاهرها غير مراد قطعا لاستحالته عليه تعالى : فإن ذاته وصفاته مخالفة لذوات المحدثات وصفاتهم . قال الشعراني وغيره : إن مذهب السلف أسلم وأحكم ، وقد درج عليه صدر الأمة وسادتها ، واختاره أئمة الفقه والحديث ، حتى قال الإمام محمد ابن الحسن : اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه . اه . أي من غير تأويل على سبيل التفصيل ، ولا تمثيل له بالحوادث ، تعالى الله عن الشبيه والمثال . ( راجع المسألة الرابعة من المقدمة ص8 )


[77]:: آية 32 يوسف
[78]:آية 53 الأعراف