تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} (65)

المفردات :

فلا وربك : اللام لتأكيد القسم .

شجر بينهم : اختلط عليهم من الأمور .

حرجا : ضيقا .

65- فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ . . . الآية

روى البخاري بمسنده ، قال : خاصم الزبير رجلا في شرج {[12]} من الحرة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ''اسق يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى جارك'' فقال الأنصاري : يا رسول الله ، لأن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال : '' اسق يا زبير ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، ثم أرسل الماء إلى جارك {[13]} .

فاستوفى النبي صلى الله عليه وسلم ، للزبير حقه كاملا في الحكم ، حين أحفظه الأنصاري ، وكان أشار عليهما صلى الله عليه وسلم بأمر لهما فيه سعة . . . قال الزبير : فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك .

فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ . . . الآية

لقد أقسم الله- سبحانه- بذاته وهو الذي تولى تربيتك أيها الرسول ، وأنعم عليك بنعمة النبوة ، وأدبك بأدب القرآن ، أقسم : أن هؤلاء الذين أعرضوا عن التحاكم اليك فيما اختلط عليهم ، لا يدخلون في عداد المؤمنين الصادقين ؛ حتى تتحقق فيهم صفات ثلاث :

أولاها : أن يهرعوا إليك- أيها الرسول- لتحكم بينهم فيما اختلط عليهم .

ثانيها : أن ترضى نفوسهم- وتستمر راضية دون حرج أو ضيق- بحكمك وقضائك .

ثالثها : أن يسلموا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما كاملا ، ويذعنوا له إذعانا صادقا ، ويقوموا على تنفيذه بنفوس راضية .


[12]:الشرج: مسيل الماء.
[13]:اسق يا زبير: رواه البخاري في المساقاة أيضا (2362،2361) وفي الصلح (2708) وفي التفسير (4585) من حديث عروة قال خاصم الزبير رجل من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا زبيراسق ثم أرسل فقال الأنصاري: إنه ابن عمتك، فقال عليه السلام: اسق يا زبير ثم يبلغ الماء الجدر ثم أمسك فقال الزبير: فأحسب هذه الآية نزلت في ذلك {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}. رواه البخاري في المساقاة (2360) ومسلم في الفضائل (2375) وأبو داود في الأقضية (3637) والترمذي في الأحكام (1363) وفي التفسير (3027) والنسائي في آداب القضاة (5404) وابن ماجه في المقدمة(15) وفي الأحكام (2480) وأحمد في مسنده (15684) عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل... الحديث. ورواه أحمد في مسنده(1422) من حديث الزبير ابن العوام.
 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} (65)

{ فلا وربك لا يؤمنون . . . }( لا )الأولى نافية لكلام سبق ، تقديره : ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا بما أنزل إليك ، ثم استأنف القسم فقال : وربك لا يؤمنون{ حتى يحكموك }فيما اختلفوا فيه من الأمور ، والتبس عليهم منها . وقيل : إنها زائدة لتأكيد معنى القسم ، كما زيدت في قوله : { لئلا

يعلم أهل الكتاب }{[107]} لتأكيد وجوب العلم . ويقال : شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا ، إذا تنازعوا فيه . وأصله التداخل والاختلاط ، ومنه شجر الكلام ، إذا دخل بعضه في بعض واختلط .

{ حرجا }ضيقا . وأصل الحرج : مجتمع الشيء ، وتصور منه ضيق ما بينهما ، فقيل للضيق : حرج .

و للإثم أيضا : حرج ، ومنه : { ليس على الأعمى حرج }{[108]} ، أي ضيق بالإثم لترك الجهاد .

{ ويسلموا تسليما }ينقادوا لقضائك انقيادا لا شائبة فيه بظاهرهم وباطنهم . وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة ، وليس مخصوصا بمن كان في عهده صلى الله عليه وسلم .


[107]:: آية 29 الحديد
[108]:: آية 61 النور