تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ} (96)

94

المفردات :

يعمر : يطول عمره .

بمزحزحه : بمبعده من العذاب .

البصير : العالم بكنه الشيء الخبير به .

التفسير :

96- ولتجدنهم أحرص على الحياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة . أي أنهم يحبون الإخلاد إلى الأرض ، ويعملون كل ما يوصلهم إلى البقاء فيها فلا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون ، وتلك سيرتهم في كل زمان الكلام مع من كان في عصر التنزيل .

وهكذا نجد القرآن ، يرسل من الحجاج ، فيشاغبون ويعاندون ، اعتزازا بشعبهم ، واعتزازا بكتابهم .

ومن الذين أشركوا : أي وهم أشد حرصا على الحياة من الذين أشركوا ، ولم يؤمنوا بالله ولا باليوم الأخر ، وفي هذا توبيخ وإيلام عظيم لهم ، إذ المشركون لا يؤمون ببعث ، ولا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها ليس بالغريب ، أما من يؤمن بالكتاب ويقر بالجزاء فمن حقه ألا يكون شديد الحرص عليها .

وقوله : ومن الذين أشركوا : معطوف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل : أحرص من الناس ومن الذين أشركوا ، فقوله : أحرص الناس فيه كلمة ( من ) مقدرة بعد أحرص .

قال صاحب الكشاف : وفيه توبيخ عظيم ، لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ، ولا يعرفون إل الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم ، فإذا زاد عليها في الحرص من له من الكتاب وهو مقر بالجزاء ، كان حقيقا بأعظم التوبيخ ، فإن قلت : لم زاد حرصهم على حرص المشركين ؟

قلت : إنهم عملوا بأنهم صائرون إلى النار ولا محالة ، والمشركون لا يعلمون ذلك ، وقيل : أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم : عش ألف نيروز ، وألف مهرجان( 233 ) .

يود أحدهم لو يعمر ألف سنة : أي بلغ من شدة غلوهم في الحرص على الحياة ، أن الواحد منهم يتمنى أن يعيش السنين الكثيرة ، ولو تجاوزت الحد الذي يبلغه الإنسان في العادة ، فكلمة ( ألف سنة ) كناية عن المدة الطويلة التي يود أن يحياها ، وليس المراد خصوصا العدد ، لأن العرب تذكر الألف وتريد الكثرة .

وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ، وما ذلك التعمير لو تم ، بنافعه ولا مبعده من عذاب الله المحتوم ، لأنه لا بد من الموت والعرض على الله ، ليجازى على ما قدم في دنياه .

والله بصير بما يعملون : أي والله عالم بأعمالهم ، محيط بما يخفون وما يعلنون ، وسيجازيهم على كل ذك بما يستحقون .

ومن هذا العرض للآيات الكريمة نرى أنها قد ردت على اليهود زعمهم الباطل بأن الجنة خالصة لهم ، فأبطلت حجتهم وكشف مزاعمهم ، وأخرست ألسنتهم ، وبينت أن الجنة لمن أسلم وجهه لله وهو محسن ، وهم ليسوا من هذا النوع من الناس ، ولذلك حرصوا على الحياة وفزعوا من الموت ، بسبب ما ارتكبوا من سيئات وما اقترفوا من آثام ( 234 ) .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ} (96)

بل إنك يا محمد لتجدَنّهم أحرص الناس على الحياة ، بل إنه أكثر من حِِرص المشركين الذين لا يؤمنون ببعث ولا جنة . ولذلك يود أحدهم أن يبقى على قيد الحياة ألف سنة أو أكثر . والحق أن طول حياته لن يبعده عن عذاب الله .

والله بصير بما يعملون . فالمرجع إليه ، والأمر كله بيديه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ} (96)

قوله تعالى : { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصيرا بما يعملون } ولتجدنهم اللام للتوكيد ، والضمير متصل بالفعل المضارع في محل نصب مفعول به أول وهو يعود على اليهود الذين هم

{ أحرص الناس على حياة } والمفعول الثاني : { أحرص } وأما الواو بعد حياة فهي تحتمل العطف والاستئناف . وفي تقديرنا أن العطف هو الصواب . وعلى هذا يكون المعنى أن اليهود أحرص الناس جميعا على حياة ، وهم كذلك أحرص من الذين أشركوا على حياة . وذلك من باب عطف الخاص على العام . فالخاص المعطوف هم الذين أشركوا ، والعام المعطوف عليه هم الناس .

أما القول الثاني وهو أن الواو تفيد الاستئناف فذلك يعني تمام الكلام عند حياة . وتبعا لذلك فالذين يودّ أحدُهم لو يعمّرُ ألف سنة ، هم الذين أشركوا . والظاهر أن ذلك مخالف للسياق . فإن الصواب أن يكون المراد أي اليهود أشد خلق الله حرصا على حياة . وهم كذلك أشد حرصا حتى من الذين أشركوا ، وهذه حقيقة حال اليهود التي تكشف عنها التجارب والممارسات القولية والعملية التي تكشف عن مدى حرص يهود على حياة . قال الشوكاني في فتح القدير : وتنكير حياة للتحقير . أي أنهم أحرص الناس على أحقر حياة وأقل لبث في الدنيا . فكيف بحياة كثيرة ولبث متطاول ؟ ويرحم الله الأستاذ العلامة سيد قطب ، إذ استطاع ببراعته وقدرته على الاستفادة من المعاني القرآنية أن يوقفنا على لفتة عجيبة تتجلى في قوله : { حياة } وذلك اسم نكرة غير معرفة وتنكير هذا الاسم { حياة } يعطي مدلولا واضحا عن طبيعة يهود في رغبتهم في مجرد العيش والحياة ، كيفما كانت هذه الحياة . يستوي في ذلك أن تكون الحياة كظيظة بالشرور والمفاسد أو عامرة بالصلاح والخير . فلا قيمة لمثل هذه الاعتبارات في تصور يهود ما دامت الحياة جارية وهي مليئة بالرخاء والشهوات . والمهم أن تكون حياة . . . أي حياة !

قوله : { يود احدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر } إن حرص يهود يدفعهم للرغبة اللحاحة في طول الحياة والعيش . فإن أحدهم يتمنى { لو يعمر ألف سنة } لو مصدرية بمعنى أن . أي أن أحدهم يتمنى أن يمتد عمره ألف سنة ، لكن هذا التعمير لا يزحزحه من العذاب . فهو إن عمر ألف سنة أو دون ذلك فإن هذا التعمير لا يغنيه من العذاب شيئا . وقوله : { أن يعمر } بدل من التعمير الذي يشير إليه الضمير ( هو ) وقيل غير ذلك .

قوله : { والله بصير بما يعملون } يصف الله نفسه بأنه عالم بخفايا الأمور فهو سبحانه عالم بالأشياء كلها خبير بها جميعا فلا يندّ عن علمه منها شيء{[99]} .


[99]:- فتح القدير للشوكاني جـ 1 ص 115 وتفسير النسفي جـ 1 ص 63 وفي ظلال القرآن جـ 1 ص 122.