تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (22)

{ الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون( 22 ) }

المفردات :

جعل الأرض فراشا : مبسوطة ممهدة كالفراش .

السماء بناء : أي قبة مرفوعة محكمة البناء . والبناء في الأصل مصدر سمي به المبنى بيتا كان أو قبة أو خفاء ، ومنه قولهم : بنى الرجل على زوجته إذا ضرب فوقها قبة ، والمراد انه جعل السماء فوقهم سقفا مرفوعا كالقبة ، قال تعالى : وجعلنا السماء سقفا محفوظا( الأنبياء ( 23 ) .

أندادا : شركاء والند التشبيه والنظير .

التفسير :

{ الذي جعل لكم الأرض فراشا . . . } مبسوطة ممهدة لتيسير الإقامة والحياة منها ، وأمدها بكل مقومات الحياة وسخر فيها وسائل الراحة والمتاع ، ويسر فيها التوافق العجيب في الهواء والماء والنبات والمناخ والسطح والتربة .

والسماء بناء . لقد رفع الله السماء وزينها بالكواكب ، وهي بحرارتها وضوئها وجاذبية أجرامها وتناسقها وسائر النسب بين الأرض وبينها تمهد لقيام الحياة على الأرض وتعين عليها .

وأنزل من السماء ماء . فأخرج به شتى أنواع الثمار ، وأحيا به الأرض بعد موتها ، وأكمل به الحياة في جميع صورها ، وأشكالها . . . وجعلنا من الماء كل شيء حي .

وفي ذلك النداء تبرز كليتان من كليات التصور الإسلامي هما : وحدة الخالق لكل الخلائق ووحدة الكون وتناسق وحداته وصدقاته للحياة والإنسان .

فالأرض مفروشة والسماء مبنية بنظام ، والماء ينزل ويخرج به الثمرات ، رزقا للناس ، والفضل يعود في هذا إلى الخالق الواحد .

{ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } . إنكم تعلمون قدرة الخالق وبديع صنعه ودقة إحكام خلقه ، فينبغي أن تفردوه بالعبادة وألا تعبدوا معه أصناما ولا تقصدوا سواه ، ولا تتخذوا أندادا أو شركاء مع الله .

أن الوحدانية عقيدة وسلوك ، ويقين جازم بقدرة الله وصدق الاعتماد عليه ، والإيمان بأنه الخالق الرازق ، وأن تصرف الإنسان سبب مباشر والمسبب الحقيقي هو الله وفي الحديث الشريف :

" إن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ، ولا تشكروا به شيئا " ( 50 ) .

( وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لاشريك له ، وقد استدل بها كثير من المفسرين-كالرازي مثلا وغيره- على وجود الصانع تعالى ، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى فان من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية ، واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة ، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه )( 51 ) .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (22)

وبعد أن أرشدهم الرحمن إلى دلائل التوحيد ، وحثهم على عبادة الخالق العظيم ، أشار لهم إلى دلائل وحدانيته من آيات قدرته المحيطة بهم في أرضه وسمائه ، وبصّرهم بما أنعم عليهم فيها من وسائل الحياة ، وموارد الرزق ، فقال : { الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً } مهّده بقدرته وبسَط رقعته بحكمته ، كيما يسهُل عليكم العيش فيها والانتفاع بها . والبسط والتمهيد هنا لا يعني كروية في الشكل ولا عدمها ، وإنما يعني تذليل الأرض لنفع الإنسان . لكنّ الله بسط لنا في الأرض السهول ، وجعل لنا فيه الجبال الشاهقة ، والبحار العميقة ، والأنهار الجارية ، والأودية السحيقة ، كل ذلك جعله لنا ، نتمتع بكافة خيراتها العديدة الأصناف .

أما فوقنا ، فقد جعل السماء وأجرامها وكواكبها المتراصة في نظرنا كالبنيان المشيد . ومن هذه السماء أمدّنا جلّ وعلا بسبب الحياة والنعمة ، ألا وهو الماء . أنزله علينا يغيثنا به ، فجعله سبباً لإخراج النبات والشجر المثمر .

لذا فإن من عمى البصيرة والبصر أيها الناس أن تجعلوا لله أندادا . فلا تفعلوه . إذ من الغيّ وحده أن تتصوروا أن لله نظراء ، ثم تأخذون تعبدونهم كعبادته . إنه خالقكم ، ليس له مثيل ولا شريك ، وأنتم بفطرتكم الأصيلة تعلمون أنه لا مثيل له ولا شريك ، فلا تحرّفوا هذه الطبيعة . نعم إن كثيراً من مشركي العرب كانوا يعتقدون بالإلَه ، لكنهم يتذرعون بقولهم : إنما نعبد هذه الأصنام لتُقِّربنا إلى الله . . فهل الله في حاجة إلى وثن يتخذه واسطة بينه وبين عباده ! !

وفي هذه الآية جزء من دلائل الإعجاز في القرآن الكريم ، وهو قوله تعالى { السماء بِنَآءً } ، ففي ذلك معنى ، ما كان يمكن أن يعرفه النبي الأميّ ، إلا بوحي من الله . فالسماء في المعنى العلمي هي : كل ما يحيط بالأرض في أي اتجاه ،

وإلى أي مدى ، وعلى أية صورة . ويشمل ذلك الجوّ المحيط بالأرض إلى ارتفاعات تنتهي حيث يبدأ الفراغ الكوني الشاسع ، بما فيه من الأجرام السماوية المنتشرة في أعماقه السحيقة ، على اختلاف أشكالها وأحجامها . وهي تتحرك في نظام بديع عجيب ، على أساسه يتوالى ظهورها واختفاؤها لسكان الأرض . وهي جميعاً في دورانها وترابطها بقوى الجاذبية ، كالبنيان في تماسكه واتزانه ، وتدّرجه طبقة بعد طبقة .

وكل هذا لم يكن معروفاً للعلم في عصر محمد صلى الله عليه وسلم .

وفي الجزء الأدنى من السماء ، وهو الحد المحيط بالأرض ، القريبُ منها مباشرة- توجد الطبقات الجوية المختلفة الواقية من الإشعاعات الضارة عن أرجاء الكون ، والتي لا تسمح إلا للأشعة المنيرة منها بالنفاذ ، فهي كالمضلات الواقية . وفي هذه الطبقة يكون السحاب ومنه المطر .