تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ} (48)

{ واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } .

المفردات :

الشفاعة : الشفع ضد الوتر ، لأن الشفيع ينضم إلى الطالب في تحصيل ما يطلب فيصير معه شفعا بعد أن كان وترا .

العدل : الفدية ، أصل العدل( بالفتح ) ما يساوي الشيء قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه ( وبالكسر )المساوي في الجنس والحجم .

التفسير :

لما ذكرهم بنعم الله أولا ، عطف على ذلك التحذير من حلول نقمته بهم يوم القيامة .

في ذلك اليوم لا يغنى أحد عن أحد شيئا ، فالمسؤولية فردية ولكل إنسان جزاء عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر .

ولا يقبل من إنسان قضاء حق من الحقوق عن إنسان آخر قال تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى . ( فاطر 18 ) . أي تحمل نفس ذنب نفس أخرى .

ولو استأذن الكافر في شفاعة شفيع فإنه لا يجاب إلى رغبته قال تعالى : فما تنفعهم شفاعة الشافعين . ( المدثر 48 ) وقال سبحانه في وصف يوم القيامة : لا بيع ولا خلة ولا شفاعة ( 129 ) .

ولا يؤخذ منها عدل : أي ولا يؤخذ منها فداء إن هي استطاعت أن تأتي بذلك .

ولا هم ينصرون : أي يمنعون من العذاب .

والخلاصة أن ذلك يوم تنقطع فيه الأسباب وتبطل منفعة الأنساب ، وتتحول فيه سنة الحياة الدنيا من دفع المكروه عن النفس بالفداء أو بشفاعة الشافعين ، عند الأمراء والسلاطين ، أو بأنصار ينصرونها بالحق والباطل على سواها ، وتضمحل فيه جميع الوسائل إلا ما كان من إخلاص في العمل قبل حلول الأجل ، ولا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الله .

( وقد كان اليهود كغيرهم من الأمم الوثنية يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا . فيتوهمون أنه يمكن تخليص المجرمين من العذاب بفداء يدفع ، أو بشفاعة بعض المقربين ، فيغير رأيه وينقض ما عزم عليه .

فجاء الإسلام ومحا هذه العقيدة ليعلم المؤمنون أنه لا ينفع في ذلك اليوم إلا مرضاة الله في العمل الصالح والإيمان الذي يبلغ قرارة النفس ، ويتجلى في أعمال الجوارح ) ( 130 ) .

قال ابن جرير : وتأويل قوله : و لا هم ينصرون يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر ، كما لا يشفع لهم شافع ، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية ، بطلت هنالك المحاباة ، واضمحلت الرشا والشفاعات ، وارتفع من القوم التعاون والتناصر ، وصار الحكم إلى عدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء .

فيجزى بالسيئة مثلها ، وبالحسنة أضعافها ( البقرة 254 ) ، وذلك نظير قوله تعالى : { وقفوهم إنهم مسئولون( 24 ) ما لكم لا تناصرون( 25 ) بل هم اليوم مستسلمون } ( الصافات24-26 ) .

الشفاعة :

جاءت في القرآن الكريم آيات تثبت الشفاعة ، وآيات تنفيها ( ولا شك أن في القيامة مواطن ويومها معدود بخمسين ألف سنة ، فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة ، وبعضها هو الوقت الموعود وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام ، وقد وردت آيات كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها منها قوله تعالى : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } ( المؤمنون 101 ) .

{ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ( الصافات 27 ، والطور25 ) فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين ووقتين متغايرين أحدهما محل للتساؤل والآخر ليس محلا له ( 131 ) .

قال الإمام محمد عبده في تفسير المنار «فما ورد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات فيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم وأنها مزية يختص الله بها من يشاء يوم القيامة عبر عنها بهذه العبارات ( الشفاعة ) ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه الله جل جلاله عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي » .

( وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه الله تعالى ( 132 ) والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا ، ففي رواية الصحيحين وغيرهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم يسجد يوم القيامة ويثنى على الله عز وجل بثناء يلهمه يومئذ فيقال له : «ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع » وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع ، وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه ، وليس فيها إظهار ما يقوى غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على شفاعة الشافعين ، بل فيه أن الأمر كله لله ، وأنه لا ينفع أحد في الآخرة إلا طاعته ورضاه ) ( 133 ) ، «فما تنفعهم شفاعة الشافعين ، فما لهم عن التذكرة معرضين ؟ » ( المدثر48-49 ) . ولا يشفعون إلا لمن ارتضى . ( الأنبياء28 ) .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ} (48)

لكنهم لم يشكروا هذه النعم ، فوبخهم الله تعالى بقوله : { واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ } ، فبيّن لهم سمات ذلك اليوم الشديد الهول حيث يقف الناس للحساب وتنقطع الأسباب . آنذاك تبطُل منفعة الإنسان ، وتتحول سنّة هذه الحياة من انطلاق الإنسان واختياره ليدفع عن نفسه بالعدل والفداء أو الشفاعة عند الحكام . إن ذلك اليوم يختلف عن أمر الدنيا ، وتضمحل فيه جميع الوسائل إلا ما كان من عمل صالح .

{ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ } أي : ليس لهم من يمنعهم من العذاب .

وقد كان اليهود يعتقدون ولا يزالون أنهم ، بدعوى انتسابهم للأنبياء- لا يدخلون النار أو لا تمسّهم النار إلا أياماً معدودة ، لأن لهم الجاه والتأثير يوم القيامة ، كما أن أحبارهم يشفعون لهم ، بل يمكنهم أن يخلّصوا مجرميهم بشتى الوسائل التي يستخدمونها في الدنيا . . فجاء الإسلام وسفّه هذه العقيدة ، وعلّمنا أنه لا ينفع في ذلك اليوم إلا مرضاة الله بالإيمان والعمل الصالح الذي يتجلى في أعمال الجوارح .

ونأتي إلى معنى الشفاعة ، إن شفاعة النبي عامةٌ لا يخص بها أشخاصاً معينين ، وهي كما قال ابن تيمية «دعاء يدعوه النبي صلى الله عليه وسلم ، فيستجيبه المولى جلّ وعلا » ، وهذا خلاف ما يعتقده اليهود كما مر آنفاً ، انطلاقا من دعوى أنهم شعب الله المختار استناداً إلى ما جاء في كتبهم من هراء وكذب .

القراءات :

قرأ ابن كثير وأبو عمرو { ولا تقبل منها شفاعة } بالتاء .