تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (30)

خليفة الله في الأرًض

{ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لاتعلمون( 30 ) } .

تمهيد :

خلق الله الإنسان ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له الملائكة ومنحه الإرادة والاختيار وكرمه بالعقل ، وسخر له الكون كله ، وأخضع له الحيوانات وأسرار الوجود وأمده بالذكاء والمعرفة والقدرة على النظر والملاحظة والتجربة ، والترقي والاستزادة من المعارف ؛ وبهذا كان صالحا للخلافة في الأرض والتصرف فيها خليفة عن الله محققا هدف الخالق من عمارة الأرض وإثارة التنافس والتسابق بين أفرادها وتزويدهم بالقدرة على اختيار طريق الهدى أو الضلال ، لتظهر حكمته من الخلق وليتبين المطيع من العاصي ( 71 ) .

{ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة . . . }

المفردات :

الملائكة : جمع ملك وهم ذوات نورانية خلقوا لطاعة الله فيما أمرهم به ، ولهم القدرة على التشكل بالأشكال الحسنة المختلفة ، ولهذا كان الرسل يرونهم .

خليفة : أي خليفة مني لأن آدم كان خليفة الله في أرضه ، وكذلك كل نبي ، قال تعالى : { يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } ( ص26 ) .

التفسير :

لقد أراد الله أن يسلم هذا الكائن الجديد في الوجود زمام هذه الأرض ، وأن يطلق يده فيها ( وأن يكل إليه إبراز مشيئة الخلق في الإبداع والتكوين والتحليل والتركيب والتحوير والتبديل وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات وكنوز و خامات ، وتسخير هذا كله بإذن الله في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه ، ( وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من قوى وطاقات وكنوز وخامات ، ووهب من القوى الخفية المشيئة الإلهية ) ( 72 )

أو تعظيما لشأن آدم وتنويها بفضله بأن بشر بذكره في الملء الأعلى قبل إيجاده ولقبه بالخليفة ( 73 ) .

الحكمة من إخبار الملائكة :

والغرض من إخبار الملائكة بخلافة آدم في الأرض ، هو أن يسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به حتى يعرفوا حكمته ، صيانة لهم من اعتراض الشبهة ، أو الحكمة على تعليم العباد المشاورة في أمورهم ، قبل أن يقدموا عليها ، وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم وإن كان المستشير بعمله وحكمته غنيا عن المشاورة ) ( 74 ) .

قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون .

لقد تشوقت الملائكة لمعرفة الحكمة في استخلاف ذلك المخلوق الذي سيمنح الإرادة والاختيار والقدرة على القتل وسفك الدماء ، مع أنهم أولى منه بالخلافة في الأرض ، حيث إنهم يسبحون بحمد الله وينصرفون لعبادته وتقديس أسمائه وتحقيق القصد من خلقهم بعبادته فهم أولى بالخلافة في الأرض لأنهم معصومون من الخطأ .

وما علموا أن الأرض لو ملئت بالملائكة لانصرفوا للعبادة وبقيت الأرض خرابا بيانا ، لعدم حاجة الملائكة إلى زراعتها وعمارتها ، ( ويوحي قول الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها بأنه كان لديهم من شواهد الحال ، أو من تجارب سابقة في الأرض ، أو إلهام البصيرة ما يكشف لهم عن فطرة هذا المخلوق ، أو من مقتضيات حياته على الأرض ، ما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الأرض وأنه سيسفك الدماء ، ثم هم بفطرة الملائكة البريئة ، التي لا تتصور إلا أن الخير المطلق هو وحده الغاية المطلقة للوجود ، وهو وحده العلة الأولى للخلق وهو متحقق بوجودهم هم ، يسبحون بحمد الله ويقدسونه ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته . . . ) .

( لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا ، في بناء هذه الأرض وعمارتها ، وفي تنمية الحياة وتنويعها ، وفي تحقيق إرادة الخالق وناموس الوجود في تطويرها وترقيتها على يد خليفة الله في أرضه ، هذا الذي قد يفسد أحيانا وقد يسفك الدماء أحيانا ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر ، خير أكبر وأشمل ، خير النمو والرقي الدائم ، خير الحركة الهادمة البانية ، خير المحاولة التي لا تكف ، والتطلع الذي لا يقف والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير ) ( 75 ) .

عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء والخبير بمصائر الأمور : { قال إني أعلم ما لا تعلمون } ، إني أعلم أن الأرض لا يعمرها إلا إنسان يملك الإرادة والاختيار والطاعة والمعصية ، ويكون جزاءه التواب ، والعقاب على المعصية . { ونبلوكم بالشر وخير الفتنة } . ( الأنبياء 35 ) .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (30)

إن أمر الخليقة وكيفية تكوين هذا الكون على هذه الصورة ، وخلق الحياة فيه ، لهي من الشئون الإلَهية التي حيّرت العقول . والتي يعزّ الوقوف عليها كما هي . وقد قص الله علينا في هذه الآيات خبر النشأة الإنسانية بطريقة لطيفة ، ومثّل لنا المعاني في صور محسوسة ، وأبرز لنا الحِكم والأسرار بأسلوب المناظرة والحوار .

ويعتبر بعض العلماء هذا النوع من القصص في القرآن من المتشابه الذي لا يمكن حمله على ظاهره ، ذلك أن هذه الآيات بحسب قانون التخاطب ، إما أن تكون استشارة ، وذلك محال على الله تعالى ، وإما أن تكون إخباراً منه سبحانه وتعالى للملائكة واعتراضاً منهم ومحاجّة وجدالا ، وذلك لا يليق بجلال الله ولا بملائكته الذين { لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم : 6 ] .

وللعلماء في هذا النوع من المتشابه طريقتان :

الأولى : طريقة السلَف ، وهي : التنزيه كقوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى : 11 ] وقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ } [ الصافات : 180 ] ، وتفويض الأمر إلى الله تعالى في فهم حقيقة ذلك ، مع العلم بأن الله يعلّمنا بمضمون كلامه ما نستفيد به من أعمالنا وأحوالنا ، ويأتينا في ذلك بما يقرّب المعاني من عقولنا ويصورها لمخيّلاتنا .

والثانية : طريقة الخلَف ، وهي : التأويل ، يقولون : إن قواعد الدين الإسلامي وُضعت على أساس العقل . فمن ثمَ لا يخرج شيء منها عن المعقول ، فإذا ورد في القرآن أو الحديث شيء يخالف العقل حسُن تأويله ، حتى يقرب إلى الأذهان .

وعلى هذا قالوا : إن قصة الخلق إنما وردت مورد التمثيل ، لتقريبها من أذهان الناس ، ولفْهم حالة خَلق الإنسان وحال النشأة الأولى . لذا بيّن الله سبحانه أنه هو الذي أحيا الإنسان ومكّن له في الأرض ، ثم بين بعد ذلك أصل تكوين الإنسان وما أودع فيه من عِلم الأشياء وذكّره به . . . فاذكر يا محمد نعمةً أخرى من ربك على الإنسان ، وهي أنه قال للملائكة : إني جاعل في الأرض من أمكّنه فيها وأجعله صاحب سلطان ، وهو آدم وذريته . وإنها لمنزلة عظيمة وتكريم كبير لهذا الإنسان !

فاستفهم الملائكة عن سر ذلك قائلين : أتجعل في الأرض من يُفسد فيها بالمعاصي وسفك الدماء بالعدوان ، لما في طبيعته من شهوات ، بينما نحن ننزهك عما لا يليق بعظمتك ونطهّر ذكرك ونمجّدك ؟ فأجابهم الله بقوله : إني أعلم ما لا تعلمون من المصلحة في ذلك ، لقد أودعتُ فيه من السر ما لم أودعه فيكم .

وفي هذا إرشاد للملائكة وللناس أن يعلموا أنّ أفعاله تعالى كلّها بالغةٌ غايةَ الحكمة والكمال ، وإن لم يفهموا ذلك من أول وهلة .

وقال فريق من المفسرين : إن قول الملائكة : «أتجعل فيها من يُفسد في الأرض ويسفك الدماء » يُشعر بأنه كان في الأرض صنفٌ أو أكثر من نوع الحيوان الناطق ، وأنه كان قد انقرض يوم خلْق الإنسان ، وقدّر الملائكةُ أن الصنف المستخلَف الجديد ، أي آدم وذريته ، لن يسلك إلا مثل ما سلك سابقوه ، وقاسوا فعله اللاحق على فعل السلف السابق ، من إفساد وسفك دماء . .

من ثم استنبطوا سؤالهم وكأنه اعتراض ، مع أنه تقرير مبني على قياس . وإذا صحّ هذا ، فليس آدم أول الصنف العاقل من الحيوان على هذه الأرض ، وإنما كان أول طائفة جديدة من الحيوان الناطق تماثل الطائفة البائدة منه في الذات والمادة ، كيما يصح القياس .

وهذه الآية تجلّي حجة الرسول ودعوته من حيث أنه : إذا كان الملائكة محتاجين إلى العلم ، ويستفيدونه بالتعلم من الله تعالى بالطريقة التي تناسب حالهم ، فإن البشر أولى منهم في إنكار مال لم يعرفوه حتى يعلموا ، وأن الإفساد في الأرض وجحود الحق ومناصبة الداعي إليه العداءَ- ليس بدعاً من قريش ، وإنما هو طبيعة البشر .

والملائكة والملائك جمع : مَلك ، نؤمن بوجودهم ، ولا نعرف عنهم إلا ما ورد في الكتاب ، إنهم أرواح علوية مطهّرة ، يعبدون الله ، لا يعصون الله ما أمَرَهُم ويفعلون ما يُؤمرون .

ولفظة ملَك في اللغة مَعناها : الرسالة . ويقول الطبري : سُميت الملائكة ملائكةً بالرسالة ، لأنها رُسل الله إلى أنبيائه .

نسبّح بحمدك : نصلّي لك ، وننزهك ، ونبرّئك مما يضيفه إليك أهل الشرك . ونقدس لك : نعظّمك ونمجّدك . وكل ذلك إقرارا بالفضل وشكرانا لله على خلقهم .