يسارعون في الكفر : يجدون فيه .
ومن الذين هادوا : أي : من اليهود .
يحرفون الكلم من بعد مواضعه : يسيئون تأويله .
41- يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ . . .
وردت عدة أسباب لنزول هذه الآية نجدها في تفسير ابن كثير والقرطبي وغيرهما .
قيل : إنها نزلت في المنافقين .
وقيل : إنها نزلت في ابن صوريا ؛ آمن ثم كفر .
وأرجح الأقوال أنها نزلت في اليهود عندما حرفوا حكم التوراة ، وكانت التوراة تنص على أن عقوبة الزاني المحصن هو الرجم بالحجارة حتى يموت ، فلما كثر الزنى في أشراف اليهود ؛ بدلوا حكم الرجم إلى الجلد وتسويد الوجه .
ثم تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن رجل وامرأة قد زنيا من اليهود ، ورغبوا أن يحكم بغير الرجم . فسألهم عن حكم الله في التوراة فقالوا : الجلد فناشدهم الله أن ينطقوا بالحق ، فقالوا : إنه الرجم ؛ فقال صلى الله عليه وسلم " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه " .
ثم أمر أن يرجم الزانيان فرجما .
وقد ورد هذا المعنى في صحيح البخاري ومسلم {[238]}
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ . . . أراد الله سبحانه وتعالى أن يسلي رسوله الكريم ويواسيه ؛ حتى لا يحزن بما يفعله المنافقون واليهود وغيرهم .
فناداه الله تعالى بوصف الرسالة ؛ تشريفا له وتكريما ، وحثه على السلوى والصبر وعدم الحزن من هؤلاء المعاندين . .
" والنهي عن الحزن وهو أمر نفسي لا اختيار للإنسان فيه ، والمراد به هنا : النهي عن لوازمه كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب ، وتعظيم أمرها ، وبذلك تتجدد الآلام وتعز السلوى " {[239]} .
يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر . ِ أي : يذهبون إليه بسرعة من غير مواناة ولا تدبر ولا تفك ، ر فهم ينتقلون بحركات سريعة في ثنايا الكفر ومداخله ، دون أن يزعهم وازع من خلق أو دين .
قال أبو سعود : والمسارعة في الشيء : الوقوع فيه بسرعة ورغبة . وإيثار كلمة في . على كلمة ( إلى ) للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه ، وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها ، كإظهار موالاة المشركين ، وإبراز آثار الكثير للإسلام ونحو ذلك .
مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ . وهم المنافقون ، وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ . يعني : اليهود أي : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ . هذا الوصف يعود إلى الفريقين ، أو إلى اليهود خاصة ، أي : الذين يسارعون في الكفر هم سماعون للكذب أي : كثيرو السماع للكذب من أحبارهم ورؤسائهم ، واللام في قوله : للكذب للتقوية أي : أنهم يسمعون الكذب كثيرا سماع قبول وتلذذ ، ويأخذونه ممن يقوله- من أعداء الإسلام- على انه حقائق ثابتة لا مجال للريب فيها .
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ . أي : لم يحضروا مجلسك ، وهم طائفة من اليهود ، كانوا لا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ تكبرا وتمردا ، ولكن يوجهون إليه بعض أتباعهم ؛ ليحضروا مجلسه وينقلوا إليهم كلامه .
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ . من جملة صفات القوم المذكورين ، أي : أنهم يميلون بالتوراة ويحرفون الكلام الوارد فيها ويؤولونه على غير تأويله من حيث لفظه أو من حيث معناه ، ولعل المراد : أنهم حرفوا التوراة ومما حرفوه : الرجم على الزاني والزانية ، جعلوا بدله تسويد الوجه .
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ . . . أي : يقولون لأتباعهم السماعين لهم : إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ . أي : إن أفتاكم محمد بما تريدون- وهو الجلد- فخذوه واعلموا بموجبه .
جاء في زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي :
" وذلك أن رجلا وامرأة من أشراف اليهود زنيا ، فكرهت اليهود رجمهما ، فبعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، يسألونه عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا ، وقالوا : إن أفتاكم بالجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فلا تعلموا به " {[240]} .
إِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ . أي : وإن أفتاكم محمد بغير ما أفتيناكم به فاحذروه قبول حكمه ، وإياكم أن تستجيبوا له أو تميلوا إلى ما قاله لكم .
وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا . ومن يقض الله بكفره وضلالته ؛ فلن تستطيع- أيها الرسول الكريم- دفعه عن الضلالة ؛ لأنك لا تملك له من الله شيئا في دفع الفتنة عنه .
فقد اقتضت حكمته أنه يمنح هدايته وتوفيقه وعونه ، لمن سار في طريق الهدى وآثر الحق ورغب في السير على الطريق القويم ؛ أما من أعرض عن الهدى وتنكب الجادة ، فإن الله تعالى هداه وتوفيقه عنه ويتركه مفتونا متنكبا طريق الجادة .
قال تعالى : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى . ( طه : 124-126 ) .
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ . أي : هؤلاء المذكورين- من المنافقين واليهود- هم الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من دنس الكفر والضلالة ، بطهارة الإيمان والإسلام ؛ لأنهم منهكون في الضلالة مصرون عليها ، معرضون عن طريق الهداية والرشاد .
لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ . أما خزي المنافقين : فبهتك سترهم ، وإطلاع النبي على كفرهم ، وخزي اليهود : بفضيحتهم في إظهار كذبهم ؛ إذ كتموا الرجم ، وبأخذ الجزية منهم .
قال مقاتل : وخزي قريظة بقتلهم وسبيهم ، وخزي النضير بإجلائهم ، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ؛ بدخولهم النار ، والخلود فيها .
الحزن : ألمٌ يجده الإنسان عند فَوت ما يحب .
سارعَ في كذا : أسرع فيه وهو داخل فيه ، وهنا الكفّار داخلين في الكفر . الفتنة : الاختبار ، كما يُفتن الذهب بالنار .
يا أيها الرسول : خطاب للنبي ، وقد ورد الخطاب في جميع القرآن الكريم بعبارة «يا أيّها النبي » إلا هنا في هذه الآية ، والآية 67 من هذه السورة { يا أيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } . هذا الخطاب للتشريف والتعظيم ، وتعليمٌ للمؤمنين أن يخاطبوه بهذا الوصف العظيم .
أيها الرسول ، لا تهتم بهؤلاء المنافقين الذين يتنقلون في مراتب الكفر من أدناها إلى أَعلاها ، ويسارعون في التحيز إلى أعداء المؤمنين عندما يرون الفرصة سانحة ، فالله يكفيك شرّهم ، وينصرك عليهم وعلى من ناصرهم .
{ مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ . . . } . . أي الذين ادَّعوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم .
{ وَمِنَ الذين هِادُواْ . . } . ومن اليهود الذي يُكثرون الاستماعَ إلى ما يقوله رؤساؤهم وأحبارهم في النبي صلى الله عليه وسلم والاستجابة لطائفة منهم ، لم يحضروا مجلسَك تكبُّراً وبغضاً . فهم جواسيس بين المسلمين يبلّغون رؤساءَهم أعداءَ الإسلام كل ما يقفون عليه من أخبار ، ويحرّفون ما يحرفون ، ثم ينقلون تلك الأكاذيب إلى الأحبار المتخلّفين عن الحضور .
{ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ . . } . أي يحرّفون كلام التوراة بعد أن ثبّته الله في مواضعه المعّينة إما تحريفاً لفظياً بإبدال كلماته ، أو بإخفائه وكتمانه تسهيلاً لزيادةٍ فيه أو النقص منه ، وإما تحريفاً معنوياً بالالتواء في التفسير .
روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه قال : «أن اليهود أتوا النبي صلى لله عليه وسلم برجلٍ منهم وامرأةٍ قد زنيا فقال : ما تجدون في كتابكم ؟ قالوا : نُسَخِّم وجوههما ويخزيان ، قال : كذبتم إن فيها الرجم ، فأْتُوا بالتّوراة فاتلوها إن كنتُم صادقين . فجاؤوا بالتوراة مع قارئ لهم أعور يقال له ابن صوريا . فقرأ ، حتى إذا أتى إلى موضع منها وضع يده عليه ، فقيل له : ارفع يدك . فرفع يده ، فإذا هي تلوح يعني «آية الرجم » ، فقالوا : يا محمد ، إن فيها الرجم ، ولكنّا كنّا نتكاتمه بيننا . فأمر بهما رسول الله فرُجما » .
ومن قبيل ذلك ما قاله مارتن لوثر في كتابه : اليهود وأكاذيبهم . «هؤلاء هم الكاذبون الحقيقيون مصّاصو الدماء ، الذين لم يكتفوا بتحريف الكتاب المقدّس وإفساده ، من الدفة إلى الدفة ، بل ما فتئوا يفسّرون محتوياته حسب أهوائهم وشهواتهم . . . الخ » وهي كلمة طويلة .
{ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ . . . } يقول أولئك الرؤساء لأتباعهم الذين أرسلوهم ليسألوا النبيّ عن حكم الرجل والمرأة الزانين إن أعطاكم محمد رخصة بالجَلد عوضاً عن الرجّم فخُذوها ، وارضوا بها ، وإن حكَمَ بالرَّجم فارفضوا ذلك .
{ وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ . . . } ومن يُرد الله اختباره في دينه فيُظهر الاختبارُ ضلالَه وكفره ، فلن تملِك له يا محمد شيئاً من الهداية . هؤلاء المنافقون والجاحدون من اليهود . . قد أظهرت فتنةُ الله لهم مقدارَ فسادهم ، فهم يقبلون الكذب ويحرفون كلام الله ، اتباعاً لأهوائهم ومرضاة رؤسائهم . لا تحزن البتةَ على مسارعتهم في الكفر ، ولا تطمع في جذبهم إلى الإيمان ، ولا تخفْ عاقبة نفاقهم فإنما العاقبة للمتقين .
{ أولئك الذين لَمْ يُرِدِ الله . . . } إنّ الذين بلغت منهم الفتنة ذلك المبلغ هم الذين لم يرد الله تطهير قلوبهم من الكفر والنفاق ، فلن تستطيع أن تهديهم ، لهم في الدنيا خِزي وذلّ ولهم في الآخرة عذاب شديد .