{ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون61 ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون62 تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم63 وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون64 } .
دابة : الدابة : كل ما يدب على الأرض ، ويدخل فيه الإنسان .
إلى أجل مسمى : أي : إلى موعد مقدر .
{ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } .
تفيد هذه الآية : حكمة الله ورحمته بعباده ؛ فقد خلق الله الخلق ومنحهم العقل والإرادة والاختيار ، وأعطاهم فرصة سانحة في هذه الدنيا طوال حياتهم فيها ، ولو عاجل الله الناس بالعقوبة ؛ لأهلك الظالمين والكافرين جميعا ، وصارت الأرض يَبَابا ؛ لكثرة من هلك من الظالمين والكافرين ، لكن الله جلت حكمته يؤجل هلاك الإنسان ، ويمنحه فرصة كاملة ؛ لعله أن يتوب أو يسترجع ، فإذا جاء أجل الإنسان وحان موته ، فإن روحه تخرج في لحظة محددة ، لا تتقدم عنها أي وقت مهما كان صغيرا ، ولا تتأخر عن أجلها لحظة أو برهة .
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء مرفوعا : " إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله ، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها الله العبد ؛ فيدعون له من بعده ؛ فيلحقه دعاؤهم في قبره ؛ فذلك زيادة العمر " 41 .
قوله تعالى : " ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم " أي بكفرهم وافترائهم ، وعاجلهم . " ما ترك عليها " أي على الأرض ، فهو كناية عن غير مذكور ، لكن دل عليه قوله : " من دابة " فإن الدابة لا تدب إلا على الأرض . والمعنى المراد من دابة كافرة ، فهو خاص . وقيل : المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء . وقيل : المراد بالآية العموم ، أي لو أخذ الله الخلق بما كسبوا ما ترك على ظهر هذه الأرض من دابة ، من نبي ولا غيره ، وهذا قول الحسن . وقال ابن مسعود ، وقرأ هذه الآية : لو أخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين ، لأصاب العذاب جميع الخلق ، حتى الجُعْلان{[9912]} في جحرها ، ولأمسك الأمطار من السماء ، والنبات من الأرض ، فمات الدواب ، ولكن الله يأخذ بالعفو والفضل ، كما قال : " ويعفو عن كثير{[9913]} " [ الشورى : 30 ] . " فإذا جاء أجلهم " أي : أجل موتهم ومنتهى أعمارهم . أو الوقت المعلوم عند الله عز وجل . وقرأ ابن سيرين " جاء آجالهم " بالجمع ، وقيل : " فإذا جاء أجلهم " ، أي : فإذا جاء يوم القيامة . والله أعلم . " لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " وقد تقدم{[9914]} . فإن قيل : فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم ؟ قيل : يجعل هلاك الظالم انتقاما وجزاء ، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا أراد الله بقوم عذابا ، أصاب العذاب من كان فيهم ، ثم بعثوا على نياتهم{[9915]} ) . وعن أم سلمة ، وسئلت عن الجيش الذي يخسف به ، وكان ذلك في أيام ابن الزبير ، فقالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يعوذ بالبيت عائذ ، فيبعث إليه بعث ، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم ) فقلت : يا رسول الله ، فكيف بمن كان كارها ؟ قال : ( يخسف به معهم ، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته ) . وقد أتينا على هذا المعنى مجودا في " كتاب التذكرة " ، وتقدم في " المائدة " وآخر " الأنعام{[9916]} " ما فيه كفاية ، والحمد لله . وقيل " فإذا جاء أجلهم " أي فإذا جاء يوم القيامة . والله أعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.