تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّـٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ} (47)

المفردات :

خبالا : فسادا وشرا .

ولأوضعوا خلالكم : ولسعوا فيما بينكم بالنميمة والوشاية ، وهو مأخوذ من أوضعت البعير . . . أي : حملته على السرعة ، يقال : وضع البعير أي : أسرع ، وأوضعته أنا ، أي : جعلته يسرع .

يبغونكم الفتنة : يطلبون لكم الفتنة والشر بإيقاع الخلاف بينكم .

التفسير :

47 – { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا . . . } الآية .

طمأن الله المسلمين ، وبين أن عدم خروجهم مع المسلمين في غزوة تبوك مصلحة للجيش .

والمعنى :

لو خرج هؤلاء المنافقون فيكم ما زادوكم شيئا من القوة والمنعة ؛ بل زادوكم اضطرابا في الرأي ، وفسادا في العمل والنظام .

{ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم . . . }

ولأسرعوا بالسعي بينكم بالنميمة والبغضاء ، وتفريق الكلمة ، وبذر بذور التفرقة والاختلاف ، وإشاعة الخوف والأراجيف من الأعداء وتثبيط الهمة .

{ وفيكم سماعون لهم } .

أي : وفيكم ضعاف ، يتأثرون ويهتمون بسماعهم ونقل نمائهم .

قال محمد بن إسحاق : كان الذين استأذنوا فيما بلغني : من ذوي الشرف ، منهم : عبد الله بن أبي بن سلول ، والجد بن قيس ، وكانوا أشرافا في قومهم ، فثبطهم الله لعلمه بهم ، فإذا خرجوا أفسدوا على النبي جنده ، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم ، وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم ، فقال . { وفيكم سماعون لهم }85 .

{ والله عليم بالظالمين } .

أي : والله تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوال هؤلاء الظالمين ؛ فهو يعلم ما كان وما يكون لهم ، ومجازيهم على أعمالهم كلها .

من أحكام الآيات :

1 – يجب الاستعداد للجهاد قبل وقوعه ، والاستعداد للأمور قبل وقوعها ، كما قال تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة }( الأنفال : 60 ) . وقال سبحانه : { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة }( التوبة : 46 ) .

2 – وضحت الآيات أن خروج المنافقين في جيش المسلمين كانت ستترتب عليه ثلاث مفاسد :

1 – زيادة الاضطراب والفوضى وإفساد النظام .

2 – تفريق كلمة المسلمين بالنميمة والوشاية والإشاعات الكاذبة .

3 – استدراج فئة من ضعاف الإيمان والحزم إلى صفوفهم وسماع كلامهم .

ثم تأكد ذلك بآيات أخرى منها قوله تعالى :

{ فإن رجعك الله إلى طائفة فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين } . ( التوبة : 83 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّـٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ} (47)

قوله تعالى : " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا " هو تسلية للمؤمنين في تخلف المنافقين عنهم . والخبال : الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف . وهذا استثناء منقطع ، أي ما زادوكم قوة ولكن طلبوا الخبال . وقيل : المعنى لا يزيدونكم فيما يترددون فيه{[8034]} من الرأي إلا خبالا ، فلا يكون الاستثناء منقطعا .

قوله تعالى : " ولأوضعوا خلالكم " المعنى لأسرعوا فيما بينكم بالإفساد . والإيضاع ، سرعة السير . وقال الراجز{[8035]} :

يا ليتني فيها جذعْ *** أخبُّ فيها وأضَعْ

يقال : وضع البعير إذا عدا ، يضع وضعا ووضوعا{[8036]} إذا أسرع السير . وأوضعته حملته على العدو . وقيل : الإيضاع سير مثل الخبب . والخلل الفرجة بين الشيئين ، والجمع الخلال ، أي الفرج التي تكون بين الصفوف . أي لأوضعوا خلالكم بالنميمة وإفساد ذات البين . " يبغونكم الفتنة " مفعول ثان . والمعنى يطلبون لكم الفتنة ، أي الإفساد والتحريض . ويقال : أبغيته كذا أعنته على طلبه ، وبغيته كذا طلبته له . وقيل : الفتنة هنا الشرك . " وفيكم سماعون لهم " أي عيون لهم ينقلون إليهم الأخبار منكم . قتادة : وفيكم من يقبل منهم قولهم ويطيعهم . النحاس : القول الأول أولى ؛ لأنه الأغلب من معنييه أن معنى سماع يسمع الكلام : ومثله " سماعون للكذب{[8037]} " [ المائدة : 41 ] . والقول الثاني : لا يكاد يقال فيه إلا سامع ، مثل قائل .


[8034]:من ج و ز و ى
[8035]:هو دريد بن الصمة كما في اللسان.
[8036]:الذي في كتب اللغة أنه يقال: وضع البعير وضعا وموضوعا. أما الوضوع فهو من مصادر قولهم: وضع الرجل نفسه وضعا ووضوعا وضعة (بفتح الضاد وكسرها) إذا أذلها.
[8037]:راجع ج 6 ص 182