ويكأن الله ، ألم تر أن الله ، أو : عجبا ألم تر أن الله ، أو : بل إن الله .
ويقدر : يضيق ويقتر بمقتضى مشيئته ، لا لكرامة تقتضي البسط ، ولا لهوان يوجب القبض .
82-{ وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن منّ الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون } .
صار الذين كانوا معجبين بقارون ، وكثرة أمواله ومظاهر زينته ، يتعجبون مما أصابه ، ويتذكرون أن الله تعالى يعطي من يشاء ، ويمنع من يشاء ، ويُعز من يشاء ويذل من يشاء ، وليس عطاء المال بدليل على محبة الله للعبد ، ولا سلب الدنيا منه بدليل على بغض الله له ، فلله تعالى حكمة سامية ، قال تعالى : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير } [ الشورى : 27 ] .
وقد روى عن ابن مسعود مرفوعا : ( إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب )xxxiii .
لقد طرق الإيمان قلوب المؤمنين الذين غرّتهم مظاهر العظمة والأبهة في قارون ، وتمنوا أن لهم مثل ما لقارون غبطة لا حسدا ، وحين شاهدوا نهايته تعجبوا كثيرا لما أصابه ، وعجبوا من نهايته ، وحمدوا الله على أنه لم يخسف الأرض بهم كما خسف بقارون ، لأنهم تمنوا أن لهم مثل ما لقارون وقالوا : { لولا أن من الله علينا لخسف بنا . . }
أي : لولا أن لطف الله بنا وأحسن إلينا ، لخسف بنا الأرض كما خسف بقارون ، لأنا وددنا أن نكون مثله .
عجبا ألم تر أن الله لا يحقق الفوز والنجاح للكافرين به ، المكذبين رسله ، المنكرين ثواب الله وعقابه في الآخرة ، مثل قارون .
{ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ } أي : الذين يريدون الحياة الدنيا ، الذين قالوا : { يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ } { يَقُولُونَ } متوجعين ومعتبرين ، وخائفين من وقوع العذاب بهم : { وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } أي : يضيق الرزق على من يشاء ، فعلمنا حينئذ أن بسطه لقارون ، ليس دليلا على خير فيه ، وأننا غالطون في قولنا : { إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } و { لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } فلم يعاقبنا على ما قلنا ، فلولا فضله ومنته { لَخَسَفَ بِنَا } فصار هلاك قارون عقوبة له ، وعبرة وموعظة لغيره ، حتى إن الذين غبطوه ، سمعت كيف ندموا ، وتغير فكرهم الأول .
{ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } أي : لا في الدنيا ولا في الآخرة .
قوله تعالى : { وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس } صار أولئك الذين تمنوا ما رزقه الله من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني ، والعرب تعبر عن الصيرورة بأضحى وأمسى وأصبح ، تقول : أصبح فلان عالماً ، وأضحى معدماً ، وأمسى حزيناً ، { يقولون ويكأن الله } اختلفوا في معنى هذه اللفظة ، قال مجاهد : ألم تعلم ، وقال قتادة : ألم تر . قال الفراء : هي كلمة تقرير كقول الرجل : أما ترى إلى ما صنع الله وإحسانه . وذكر أنه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها : أين ابنك ؟ فقال : ويكأنه وراء البيت ، يعني : أما ترينه وراء البيت . وعن الحسن : أنه كلمة ابتداء ، تقديره : أن الله يبسط الرزق . وقيل : هو تنبيه بمنزلة إلا ، وقال قطرب : ويك بمعنى ويلك ، حذفت اللام منه كما قال عنترة :
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها *** قول الفوارس ويك عنتر أقدم
أي : ويلك ، وأن منصوب بإضمار اعلم أن الله ، وقال الخليل : وي مفصولة من كأن ومعناها التعجب ، كما تقول : وي لم فعلت ذلك ! وذلك أن القوم تندموا فقالوا : وي ! متندمين على ما سلف منهم وكأن معناها أظن ذلك وأقدره ، كما تقول كأن : الفرح قد أتاك أي أظن ذلك وأقدره ، { يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر } أي : يوسع ويضيق ، { لولا أن من الله علينا لخسف بنا } قرأ حفص ، ويعقوب : بفتح الخاء والسين ، وقرأ العامة بضم الخاء وكسر السين ، { ويكأنه لا يفلح الكافرون } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.