111- { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا } .
وقل : الحمد والشكر لله الذي لم يتخذ ولدا ؛ لعدم حاجته إليه ، ولم يكن له شريك في الملك ؛ لأنه وحده منشئه ، ولم يكن له ناصر يعطيه عزة من ذل لحقه ، وعظم ربك تعظيما يليق به .
وقد وصف سبحانه نفسه بثلاث صفات :
1- أنه لم يتخذ لدا ، فإن من يتخذ الولد يمسك جميع النعم لولده ، ولأن الولد يقوم مقام الوالد بعد انقضاء أجله وفنائه- تنزل ربنا عن ذلك- ومن كان كذلك لم يستطع الإنعام في كل الحالات فلا يستحق الحمد على الإطلاق .
وفي هذا رد على اليهود الذين قالوا : عزير ابن الله ، والنصارى الذين قالوا : المسيح ابن الله ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .
2- أنه ليس له شريك في الملك ، إذ لو كان له ذلك لم يعرف أيهما المستحق للحمد والشكر ، ولكان عاجزا ذا حاجة إلى معونة غيره ، ولم يكن منفردا بالملك والسلطان .
3- أنه لم يكن له ولي من الذل أي : لم يوال أحدا من أجل مذلة به يدفعها بموالاته .
والخلاصة : أنه ليس له ولد يحبس نعمه عليه ، وليس له شريك يوقف أعماله في الملك ، ولا ناصر يدفع العدو المذل له ، وإذا تنزه ربنا عن ذلك ؛ فقد أمن الناس نضوب موارده ، وأصبحت أبوابه مفتحة لكل قاصد ، فلتغترف أيها العبد من مناهله ، ولتعلم أنه لا يحابيك لأجل أهلك ولا نسلك ولا دينك ، ولو كنت ابن نبي من الأنبياء أو عظيم من العظماء{[531]} .
{ وكبره تكبيرا } أي : وعظم ربك أيها الرسول بما أمرناك أن تعظمه به من قول وفعل ، وأطعه فيما أمرك به ونهاك عنه .
قال الإمام فخر الدين الرازي : تكبير الله تعالى وتنزيهه يكون :
1- بتكبيره في ذاته ؛ باعتقاد أنه واجب الوجود لذاته ، وأنه غني عن كل موجود .
2- بتكبيره في صفاته ؛ باعتقاد أنه مستحق لكل صفات الكمال متنزه عن صفات النقص .
3- بتكبيره في أفعاله ؛ فتعتقد أنه لا يجري شيء في ملكه إلا وفق حكمته وإرادته .
4- بتكبيره في أحكامه ؛ بأن تعتقد أنه ملك مطاع ، له الأمر والنهي ، والرفع والخفض ، وأنه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أحكامه ، يعز من يشاء ويذل من يشاء .
5- تكبيره في أسمائه ، فلا يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفات الجلال والإكرام .
أخرج عبد الرازق عن عبد الكريم بن أبي أمية قال : كان رسول لله صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب ؛ علمه هذه الآية{[532]} .
وروى الطبري بإسناده عن القرظي : أنه كان يقول في هذه الآية { الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا . . . } قال : إن اليهود والنصارى قالوا : اتخذ الله ولدا ، وقالت العرب : لبيك لبيك ، لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، وقال الصابئون المجوس : لولا أولياء الله ؛ لذل الله ، فأنزل الله : { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبّره-أنت يا محمد على ما يقولون- تكبيرا }{[533]} .
وروى الإمام أحمد في مسنده عن ماذ الجهني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( آية العز : { الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا } ) .
وقال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية :
قل يا محمد : الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا فيكون مربوبا لا ربا ؛ لأن رب الأرباب لا ينبغي أن يكون له ولد ، ولم يكن له شريك في الملك ؛ فيكون عاجزا ذا حاجة إلى معونة غيره ضعيفا ، ولا يكون إلها من يكون محتاجا إلى معين ، ولم يكن له ولي من الذل ، يقول : ولم يكن له حليف حالفه من الذل الذي به ؛ لأن من كان ذا حاجة إلى نصرة غيره فذليل مهين ، ولا يكون من كان ذليلا مهينا يحتاج إلى ناصر ؛ إلها يطاع ، وكبره تكبيرا وعظمه تعظيما يليق به سبحانه{[534]} .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والشكر لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
اللهم ، أنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه . اللهم ، اجعل عملا خالصا لوجهك وتقبله منا إنك أنت السميع البصير ، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } له الكمال والثناء والحمد والمجد من جميع الوجوه ، المنزه عن كل آفة ونقص .
{ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ } بل الملك كله لله الواحد القهار ، فالعالم العلوي والسفلي ، كلهم مملوكون لله ، ليس لأحد من الملك شيء .
{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ } أي : لا يتولى أحدًا من خلقه ليتعزز به ويعاونه ، فإنه الغني الحميد ، الذي لا يحتاج إلى أحد من المخلوقات ، في الأرض ولا في السماوات ، ولكنه يتخذ أولياء إحسانًا منه إليهم ورحمة بهم { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور }
{ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } أي : عظمه وأجله بالإخبار بأوصافه العظيمة ، وبالثناء عليه ، بأسمائه الحسنى ، وبتجميده بأفعاله المقدسة ، وبتعظيمه وإجلاله بعبادته وحده لا شريك له ، وإخلاص الدين كله له .
تم تفسير سورة الإسراء ولله الحمد والمنة والثناء الحسن على يد جامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أمين وصلى الله على محمد وسلم تسليمًا وذلك في 7 جمادى الأولى سنة 1344 .
المجلد الخامس من تيسير الكريم الرحمن من تفسير كلام المنان لجامعه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن ناصر السعدي{[480]} .
{ ولم يكن له ولي من الذل } أي : ليس له ناصر يمنعه من الذل لأنه تعالى عزيز لا يفتقر إلى ولي يحميه ، فنفى الولاية على هذا المعنى لأنه غني عنها ، ولم ينف الولاية على وجه المحبة والكرامة لمن شاء من عباده ، وحكى الطبري : أن قوله { لم يتخذ ولدا } رد على النصارى واليهود والذين نسبوا لله ولدا ، وقوله : { ولم يكن له شريك } : رد على المشركين ، وقوله : { ولم يكن به ولي من الذل } رد على الصابئين في قولهم لولا أولياء الله لذل الله تعالى الله عن قولهم : { علوا كبيرا } ] الإسراء : 4 ] .
{ وكبره } معطوف على { قل } ، ويحتمل هذا التكبير أن يكون بالقلب وهو التعظيم ، أو باللسان وهو قوله أن يقول الله أكبر مع قوله : { الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } .