{ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير }
ثم أورثنا الكتاب : أعطيناه بلا تعب ولا مشقة كما يعطى الميراث .
اصطفيناه : اخترنا واشتقاقه من الصفو وهو الخلوص من شوائب الكدر .
ظالم لنفسه : الظلم تجاوز الحد أو من رجحت سيئاته على حسناته .
مقتصد : متوسط أو هو من تساوت حسناته مع سيئاته .
سابق بالخيرات : سبق غيره بعمل الخير أو هو من رجحت حسناته على سيئاته .
جمهور المفسرين على أن هذه الفئات الثلاث من المؤمنين من هذه الأمة وبعضهم فسر الظالم لنفسه بالكافر وقد سئل أبو يوسف رحمه الله عن هذه الآية فقال : كلهم مؤمنون وأما الكافرون فصفتهم بعد هذا وهو قوله تعالى : والذين كفروا لهم نار جهنم . . . ( فاطر : 36 ) .
ومعنى الآية مع ما قبلها : الذي أوحيناه إليك من القرآن الكريم هو الحق وقد أورثنا هذا الكتاب أصحابك من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن يسير سيرتهم إلى يوم القيامة .
اصطفينا أمة محمد صلى الله عليه وسلم وجعلناها أمة وسطا وزودناها بميراث عظيم هو هذا القرآن الكريم المشتمل على العبادات والمعاملات والآداب والأخبار عن الأمم السابقة والبيان الجميل والإعجاز في عرض أدلة القدرة وبيان جمال الكون وإبداع الخلق ومظاهر البعث والقيامة .
وقد ورث القرآن طوائف ثلاث : طائفة ظلمت نفسها بارتكاب المعاصي أو التقصير في حق هذا الكتاب وطائفة مقتصدة متوسطة ، تعمل بالقرآن حينا وتهمل حينا آخر وطائفة سباقة للخير بإذن الله وتوفيقه فهي حريصة على الكتاب والعمل بما فيه والمسابقة إلى تلاوته وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه بإذن ربها وعنايته وهدايته .
روى عن عمر رضي الله عنه قال – وهو على المنبر- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له " . xii
وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرة أفراده وأن المقتصدين قليل بالنظر إليهم والسابقين أقل من القليل وقيل : قدم الظالم لئلا ييأس من رحمة الله وآخر السابق لئلا يعجب بعمله فتعين توسيط المقتصد .
ونلاحظ أن القران الكريم في سورة الواقعة بدأ بالسابقين فقال تعالى : ثلة من الأولين وقليل من الآخرين . ( الواقعة : 13-14 ) .
وثنى بأصحاب اليمين وقال عنهم : ثلة من الأولين* وثلة من الآخرين . ( الواقعة : 39-40 ) .
ثم تكلم عن أصحاب الشمال وذكر أنهم في جهنم .
كما ذكر القرآن الكريم أن السابقين قلة ، حين قال : وقليل من عبادي الشكور . ( سبأ : 13 ) .
وقال عز شأنه : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله . ( الأنعام : 116 ) .
ولعل من المناسب أن نقول إن القرآن الكريم يبدأ في كل حالة بما يناسبها ففي سورة البقرة مثلا بدأ بالمؤمنين وثنى بالكافرين ثم تحدث طويلا عن المنافقين وعن شياطينهم وضرب أمثلة توضح حالهم فكل سياق حكمته وطريقته ومناسبته .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان أقسام الناس فى هذه الحياة . ووعده المؤمنين الصادقين بجنات النعيم ، فقال - تعالى - : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب . . . يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } .
" ثم " فى قوله - تعالى - : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا } للتراخى الرتبى . و { أَوْرَثْنَا } أى أعطينا ومنحنا ، إذ الميراث عطاء يصل للإِنسان عن طريق غيره .
والمراد بالكتاب : القرآن الكريم ، وما اشتمل عليه من عقائد وأحكام وآداب وتوجيهات سديدة . . وهو المفعول الثانى لأورثنا ، وقد على المفعول الأول ، وهو الموصول للتشريف .
و { اصطفينا } بمعنى اخترنا واستخلصنا ، واشتقاقه من الصفو ، بمعنى الخلوص من الكدر والشوائب .
والمراد بقوله : { مِنْ عِبَادِنَا } الأمة الإِسلامية التى جعلها الله خير أمة أخرجت للناس .
والمعنى : ثم جعلنا هذا القرآن الذى اوحيناه إليك الرسول الكريم - ميراثاً منك لأمتك ، التى اصطفيناها على سائر الأمم ، وجعلناها أمة وسطا . وقد ورثناها هذا الكتاب لتنتفع بهداياته . . وتسترشد بتوجيهاته ، وتعمل بأوامره ونواهيه .
قال الآلوسى : قوله : { الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا } هم - كما قال ابن عباس وغيره - أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن الله - تعالى - اصطفاهم على سائر الأمم . .
وفى التعبير بالاصطفاء ، تنويه بفضل هؤلاء العباد ، وإشارة إلى فضلهم على غيرهم ، كما أن التعبير بالماضى يدل على تحقق هذا الاصطفاء .
ثم قسم - سبحانه - هؤلاء العباد إلى ثلاثة اقسام فقال : { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله . . } .
وجمهور العلماء على أن هذه الأقسام الثلاثة ، تعد إلى أفراد هذه الأمة الإِسلامية .
وأن المراد بالظالم لنفسه ، من زادت سيئاته على حسناته .
وأن المراد بالمقصد : من تساوت حسناته مع سيئاته .
وأن المراد بالسابقين بالخيرات : من زادت حسناتهم على سيئاتهم .
وعلى هذا يكون الضمير فى قوله - تعالى - بعد ذلك : { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا . . . } يعود إلى تلك الأقسام الثلاثة ، لأنهم جميعاً من أهل الجنة بفضل الله ورحمته .
ومن العلماء من يرى أن المراد بالظالم لنفسه : الكافر ، وعليه يكون الضمير فى قوله : { يَدْخُلُونَهَا } يعود إلى المقتصد والسابق بالخيرات ، وأن هذه الآية نظير قوله - تعالى - فى سورة الواقعة : { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة وَأَصْحَابُ المشأمة مَآ أَصْحَابُ المشأمة والسابقون السابقون . . } .
ومن المفسرين الذين رجحوا القول الأول ابن كثير فقد قال ما ملخصه : يقول - تعالى - ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم . . . وهم هذه الأمة على ثلاث أقسام : { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } وهو المفرط فى بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات . { وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } وهو المؤدى للواجبات التارك للمرحمات وقد يترك بعض المستحبات ، ويفعل بعض المكروهات .
{ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله } وهو الفاعل للواجبات والمستحبات .
وقال ابن عباس : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله - تعالى - كل كتاب أنزله . فظالمهم يغفر له ، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا ، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب .
وفى رواية عنه : السبق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب ، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله - تعالى - ، والظالم لنفسه يدخل الجنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
وفى الحديث الشريف : " شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى " .
وقال آخرون : الظالم لنفسه : هو الكافر .
والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة ، وهذا اختيار ابن جرير كما و ظاهر الآية ، وكا جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضاً .
ثم أورد الإِمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث منها : ما أخرجه الإِمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى هذه الآية : " هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة ، وكلهم فى الجنة " .
ومعنى قوله " بمنزلة واحدة " أى : فى أنهم من هذه الأمة ، وأنهم من أهل الجنة ، وإن كان بينهم فرق فى المنازل فى الجنة .
وقال الإِمام ابن جرير : فإن قال لنا قائل : إن قوله { يَدْخُلُونَهَا } إنما عنى به المقتصد والسابق بالخيرات ؟
قيل له : وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل ؟ فإن قلا : قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار ، ولم لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد ، وجب أن لا يكون لأهل الإِيمان وعيد .
قيل : إنه ليس فى الآية خبر أنهم لا يدخلون النار ، وإنما فيها إخبار من الله - تعالى - أنهم يدخلون جنات عدن : وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التى أصابها فى الدنيا . . ثم يدخلون الجنة بعد ذلك ، فيكون ممن عمه خبر الله - تعالى - بقوله : { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } .
وقال الشوكانى : والظالم لنفسه : هو الذى عمل الصغائر . وقد روى هذا القول عن عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، وأبى الدرداء ، وعائشة . وهذا هو الراجح ، لأن عمل الصغائر لا ينافى الاصطفاء ، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور . . وجه كونه ظالماً لنفسه ، أنها نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له ، فإنه لو عمل تلك الصغائر طاعات ، لكان لنفسه فيها من الثواب عظيماً . .
قالوا : وتقديم الظالم لنفسه على المقتصد وعلى السابق بالخيرات . لا يقتضى تشريفاً ، كما فى قوله - تعالى - { لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة . . } ولعل السر فى مجئ هذه الأقسام بهذا الترتيب ، أن الظالمين لأنفسهم الأقسام عددا ، ويليهم المقتصدون ، ويليهم السابقون بالخيرات ، كما قال - تعالى - { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور } وقوله : { بِإِذُنِ الله } أى : بتوفيقه وإرادته وفضله .
واسم الإِشارة فى قوله : { ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير } يعود إلى ما تقدم من توريث الكتاب ومن الاصطفاء .
أى : ذلك الذى أعطيناه - أيها الرسول الكريم - لأمتك من الاصطفاء ومن توريهم الكتاب ، هو الفضل الواسع الكبير ، الذى لا يقادر قدره ، ولا يعرف كنهه إلا الله - تعالى - .
قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 32 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ( 33 ) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ( 34 ) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } .
المراد بالكتاب في الآية ، كل كتاب أنزله إلى عباده . وقيل : المراد به القرآن الحكيم ؛ فقد اصطفى الله من عباده هذه الأمة المباركة الفضلى ؛ لتقوم بكتابه الحكيم فتبشر الناس بعلومه وأخباره وأحكامه ، وما تضمنه للعالمين من منهج قويم تهتدي به البشرية ، لتحيى به آمنة مطمئنة ، مبرأة من الأمراض والمفاسد والشرور ، ثم قسَّم الله هذه الأمة من حيث احتمالها لكتابه الحكيم ومدى التزامها بشريعته وأحكامه فجعلهم أصنافا ثلاثة .
أما الصنف الأول : { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } واختلفوا في تأويله . فقيل : ذلكم المفرِّط في دينه ، المخالف أمر ربه . وقيل : الكافر أو الفاسق . وقيل : هو المؤمن العاصي . وهو الأولى بالصواب ؛ لأن الكافرين المفرطين الفاسقين عن أمر الله لا يكونون في زمرة المسلمين الذين اصطفاهم الله لحمل كتابه وتبليغه للناس .
وأما الصنف الثاني : { وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ } عرّفه ابن كثير رحمه الله بقوله : هو المؤدي للواجبات ، التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات .
وأما الصنف الثالث : { وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ } وهو الذي يفعل الواجبات والمندوبات ولا يأتي المناهي والمكروهات قال ابن عباس في تأويل قوله : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ } الآية : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ورَّثهم الله كل كتاب أنزله ، فظالمهم يغفر له ، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا ، وسابقُهم يدخلُ الجنة بغير حساب .
وذكر عن عبد الله بن مسعود أنه قال في ذلك : هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة : ثلث يدخلون الجنة بغير حساب . وثلث يحاسَبون حسابا يسيرا ، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول ما هؤلاء – وهو أعلم تبارك وتعالى – فتقول الملائكة : هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يُشركوا بك فيقول الرب : أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي .
قوله : { ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } { ذَلِكَ } ، في موضع رفع مبتدأ . وخبره { الْفَضْلُ } و { هو } ضمير فصل بين المبتدأ وخبره . و { الْكَبِيرُ } صفة للخبر . ويجوز أن يقال : { ذَلِكَ } ، مبتدأ أول . و { هو } مبتدأ ثان . و { الفضل } خبر المبتدأ الثاني . والمبتدأ الثاني وخبره ، خبر عن المبتدأ الأول{[3871]} .
والمعنى : أن إيتاء الكتاب لهذه الأمة فضل كبير من الله لهم . ما وعدهم الله به جميعا من الجنة له فضل من الله كبير . وقيل : الإشارة عائدة إلى السابق بالخيرات . فسَبْقُهُ بالخيرات وما أعده الله له من عظيم الجزاء لهو فضل من الله كبير فٌضِّلَ به على من دونه في المنزلة .