تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يسٓ} (1)

مقدمة السورة:

أهداف سورة يس

سورة يس مكية ، نزل في الفترة المتوسطة من حياة المسلمين بمكة ، أي فيما بين الهجرة على الحبشة والإسراء وآياتها 83 آية نزلت بعد سورة الجن .

وللسورة اسمان : سورة يس لافتتاحها بها وسورة حبيب النجار لاشتمالها على قصته فقد جاء في تفسير قوله تعالى : وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين . ( يس : 20 ) .

أن هذا الرجل يسمى " حبيب النجار " .

مقصود السورة

قال الفيروزبادي معظم مقصود سورة يس : تأكيد أمر القرآن والرسالة وإلزام الحجة على أهل الضلالة وضرب المثل بأهل قرية أنطاكية في قوله تعالى : واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذا جاءها المرسلون . ( يس : 13 ) .

وذكر قصة حبيب النجار الذي جاء من أقصى المدينة يسعى وبيان البراهين المختلفة في إحياء الأرض الميتة وإبداء الليل والنهار وسير الكواكب ودوران الأفلاك وجرى الجواري المنشآت في البحار وذلة الكفار عند الموت وحيرتهم ساعة البعث وسعادة المؤمنين المطيعين وشغلهم في الجنة وتميز المؤمن من الكافر في القيامة ، وشهادة الجوارح على أهل المعاصي بمعاصيهم والمنة على الرسول صلى الله عليه وسلم بصيانته من الشعر ونظمه وإقامة البرهان على البعث ونفاذ أمر الحق في كن فيكون وكمال ملك ذي الجلال على كل حال1 في قوله سبحانه : فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون . ( يس : 83 ) .

ملا مح السورة

سورة يس لها وقع خاص في نفوس المسلمين يرددون قراءتها في الصباح والمساء وتقرأعلى المريض للشفاء وعلى المحتضر لتيسير خروج الروح وعلى المقابر لتنزل الرحمة على الموتى وقد أخرج ابن حبان في صحيحه مرفوعا " من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر الله له " . 2

وتتميز سورة يس بقصر الآيات وسهولة القراءة وتتابع المشاهد وتنوعها من بدء السورة إلى نهايتها .

والموضوعات الرئيسية في السورة هي موضوعات السور المكية وهدفها الأول هو بناء أسس العقيدة فهي تتعرض لطبيعة الوحي والصدق الرسالة ، وتسوق قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون لتحذر من عاقبة التكذيب بالوحي والرسالة ، وتعرض هذه العاقبة في القصة على طريقة القرآن في استخدام القصص لتدعيم قضاياه وقرب نهاية السورة تعود على الموضوع ذاته فتوضح أن ما يوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ليس شعرا ولكنه ذكر وقرآن مبين .

كذلك تتعرض السورة لقضية الألوهية والوحدانية فيجيء استنكار الشرك على لسان الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ليعلن إيمانه بالمرسلين وهو يقول : ومالي لا اعبد الذي فطرني وإليه ترجعون . ( يس : 22 ) .

والقضية التي تشتد عليها التركيز في السورة هي قضية البعث والنشور وهي تتردد في مواضع كثيرة من السورة تحكي السورة قصة أبي بن خلف حين جاء بعظم قد رم وبلى وصار ترابا ثم ضغط عليه بيديه ونفخ فيه فطار في الفضاء ثم قال : يا محمد تزعم أن ربك يبعث هذا بعدما رم وبلى وصار ترابا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " نعم ويبعثك ويدخلك النار " قال تعالى : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم* قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم . ( يس : 78-79 ) .

والقضايا المتعلقة ببناء العقيدة تتكرر في السور المكية ولكنها تعرض كل مرة من زاوية معينة ، تحت ضوء معين مصحوبة بمؤثرات تناسب جوها وتتناسق مع إيقاعها وصورها .

" وهذه المؤثرات متنوعة في هذه السورة من مشاهد القيامة- بصفة خاصة ومن مشاهد القصة ومواقفها وحوارها ومن مصارع الغابرين على مدار القرون ثم من المشاهد الكونية الكثيرة ، المتفرعة الموحية : مشهد الأرض الميتة تدب فيها الحياة ، ومشهد الليل يسلخ منه النهار فإذا هو ظلام ومشهد الشمس تجري لمستقر لها : ومشهد القمر يتدرج في منازله حتى يعود كالعرجون القديم ، ومشهد الفلك المشحون يحمل ذرية البشر الأولين ومشهد الأنعام مسخرة للآدميين ومشهد النطفة وتحولها في النهاية إلى إنسان فإذا هو خصيم مبين ومشهد الشجر الأخضر تكمن فيه النار التي يوقدون " . 3

فصول السورة

يجري سياق السورة في عرض موضوعاتها في ثلاثة فصول :

1- رسالة ورسول

يستغرق الفصل الأول من السورة الآيات من ( 1-29 ) ويبدأ بالقسم بالحرفين " يا سين " وبالقرآن الحكيم على صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه على صراط مستقيم ثم يبين أن القرآن منزل من عند الله لإنذار العرب الذين لم ينذر آباؤهم من قبل ، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الغفلة ، وحق العذاب على أكثرهم بسببها وقد جرت سنة الله ألا يعذب قوما إلا بعد أن يرسل إليهم من ينذرهم ثم وصف حرمانهم من الهداية وإمعانهم في الغواية كأنما وضعت أغلال في أعناقهم بلغت على أذقانهم ووضعت سدود بين أيديهم ومن خلفهم فصاروا لا يبصرون وبين أن الإنذار إنما ينفع من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فاستعد قلبه لاستقبال دلائل الهدى ، وموحيات الإيمان ثم يوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يضرب لهم مثلا أصحاب القرية .

قصة أصحاب القرية :

ضرب الله لأهل مكة مثلا قصة أهل أنطاكية بالشام أرسل الله إليهم رسولين هما يوحنا وبولس من حواريي عيسى فكذبهما أهل القرية فأرسل الله ثالثا على درجة من الذكاء في توجيهه الدعوة ، واستمر التكذيب من الكافرين وبيان الحجة وأدلة الإيمان من المرسلين ثم جاء رجل مؤمن يسمى حبيب النجار فدعا قومه إلى الإيمان بالرسل فاتهموه بأنه مؤمن فأعلن إيمانه في ظروف حرجة ، وتعرض الرجل للإيذاء والقتل فحظي بالشهادة والجنة ، وتمنى لو أن قومه يعلمون منزلته الآن عند الله .

أما القرية الظالمة فقد صاح بها ملك صيحة أهلكتها أفلا يعتبر أهل مكة بهذه القرية وبالقرون التي هلكت جزاء كفرها وسيجتمع الجميع أمام الله يوم القيامة ويتميز المؤمنون بحسن الثواب ويحل بالكافرين سوء العقاب .

2- أدلة الإيمان :

بعد الحديث في الدرس الأول عن المشركين الذي واجهوا دعوة الإسلام بالتكذيب والمثل الذي ضربه الله لهم في قصة أصحاب القرية المكذبين وما انتهى إليه أمرهم من الهلاك بصيحة الملاك فإذا هم خامدون تحدثت الآيات ( 30-68 ) عن موقف المكذبين بكل ملة ودين وعرضت صور البشرية الضالة على مدار القرون ثم أخذت في استعراض الآيات الكونية التي يمرون عليها معرضين غافلين وهي مبثوثة في أنفسهم وفيما حولهم .

فالماء الذي يحيي الأرض بأنواع الجنان والنخيل والأعناب والليل والنهار والشمس والقمر والنبات والإنسان وكل ما في الكون قد أبدع بنظام دقيق فللشمس مدارها وللقمر مساره ولليل وقته ، وللنهار أوانه لا يتأخر كوكب عن موعده ولا يختل نظام ولا تضطرب حركات الكون : وكل في فلك يسبحون . ( يس : 40 ) .

ثم تحدثت الآيات عن عناد المشركين واستعجالهم بالعذاب غير مصدقين : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين . ( يس : 48 ) .

وبمناسبة ذلك يستعرض مشهدا من مشاهد القيامة ، يرون فيه مصيرهم الذي به يستعجلون كأنه حاضر تراه العيون .

3- وحي لا شعر :

يشتمل الدرس الثالث على الآيات من 69 على آخر السور ويكاد هذا الفصل يلخص موضوعات السورة كلها فينفى في أوله أن جاءه به محمد صلى الله عليه وسلم شعر وينفى عن الرسول كل علاقة بالشعر أصلا ، ثم يعرض بعض المشاهد واللمسات الدالة على الألوهية المنفردة ، وينعى عليهم اتخاذ آلهة من دون الله يبتغون عندهم النصر وهم الذين يقومون بحماية تلك الآلهة المدعاة ، ويتناول قضية البعث والنشور ، فيذكرهم بالنشأة الأولى من نطفة ، ليروا أن إحياء العظام وهي رميم كتلك النشأة ولا غرابة ويذكرهم بالشجر الأخضر الذي تكون فيه النار وهما في الظاهر بعيدان ، ويخلق السموات والأرض وهذا الخلق شاهد بالقدرة على خلق أمثالهم من البشر في الأولى والآخرة ، وفي ختام السورة نجد برهان القدرة الإلهية والإرادة الربانية فالله مالك كل شيء في الدنيا والآخرة وإليه المآب والمرجع قال تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحانه الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون . ( يس : 82-83 ) .

***

بسم الله الرحمن الرحيم

{ يس( 1 ) والقرءان الحكيم( 2 ) إنك لمن المرسلين( 3 ) على صراط مستقيم ( 4 )تنزيل العزيز الرحيم( 5 ) لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم فهم غافلون( 6 ) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون( 7 ) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون( 8 ) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون( 9 ) وسواء عليهم آنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون( 10 ) إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم( 11 ) إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وءاثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين( 12 ) }

المفردات :

يس : تقرا ( يا سين ) بعد السين وإظهار النون الساكنة أو بإدغام نون السين في الواو التي بعدها والمراد من هذه الحروف المقطعة : الاستفتاح والتنبيه مثل : ألا ويا والإشارة إلى أن القرآن مؤلف من حروف عربية تنطقون بها وقد عجزتم عن الإتيان بمثله فدل ذلك على أنه ليس من صنع بشر .

1

التفسير :

{ يس }

قال ابن عباس معناها يا إنسان والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم كما يشير إليه الخطاب بعده في قوله تعالى : إنك لمن المرسلين .

وقيل : إن يس اسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم فاسمه طه واسمه محمد وأحمد ومزمل ومدثر وبشير ونذير واسمه العاقب الذي لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم .

وقيل : إنها حروف للتنبيه يفتتح بها الكلام مثل : ألا ، ويا .

وقيل : إنها حروف للتحدي والإعجاز .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{يسٓ} (1)

مقدمة السورة:

المجلد الثاني عشر

تفسير سورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

1- سورة " يس " من السور التي يحفظها كثير من الناس ، لاشتهارها فيما بينهم ، وهي السورة السادسة والثلاثون في ترتيب المصحف ، وكان نزولها بعد سورة " الجن " .

قال القرطبي : وهي مكية بإجماع ، وهي ثلاث وثمانون آية . إلا أن فرقة قالت : إن قوله –تعالى- : [ ونكتب ما قدموا وآثارهم . . . ] نزلت في بني سلمة من الأنصار ، حين أرادوا أن يتركوا ديارهم ، وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم( {[1]} ) .

2- وقد ذكروا في فضلها كثيرا من الآثار ، إلا أن معظم هذه الآثار ضعفها المحققون من العلماء ، لذا نكتفي بذكر ما هو مقبول منها .

قال ابن كثير ما ملخصه : أخرج الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من قرأ " يس " في ليلة أصبح مغفورا له " . . .

وأخرج ابن حبان في صحيحه ، عن جندب بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ " يس " في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له " .

وأخرج الإمام أحمد في مسنده ، عن معقل بن يسار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " البقرة سنام القرآن ، ويس قلب القرآن . لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له ، واقرءوها على موتاكم " أي : في ساعات الاحتضار وعند خروج الروح .

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان . قال : كان المشيخة يقولون : إذا قرئت –يعني يس- عند الميت ، خفف عنه بها( {[2]} ) .

وقال الآلوسي ما ملخصه : صح من حديث الإمام أحمد ، وأبي داود ، وابن ماجه ، والطبراني ، وغيرهم عن معقل بن يسار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يس قلب القرآن " .

وذُكِرَ أنها تسمى المُعِمَّةُ ، والمدافعة ، والقاضية ، ومعنى المعمة : التي تعم صاحبها بخير الدنيا والآخرة . ومعنى المدافعة التي تدفع عن صاحبها كل سوء ، ومعنى القاضية : التي تقضي له حاجة –بإذن الله وفضله( {[3]} ) .

3- وقد افتتحت سورة " يس " بتأكيد الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وبتكذيب أعدائه الذين أعرضوا عن دعوته ، وبتسليته عما أصابه منهم من أذى .

قال –تعالى- : [ يس والقرآن الحكيم . إنك لمن المرسلين . على صراط مستقيم . تنزيلي العزيز الرحيم . لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون . لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ] .

4- ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك قصة أصحاب القرية ، وما جرى بينهم وبين الرسل الذين جاءوا إليهم لهدايتهم ، وكيف أهلك الله –تعالى- المكذبين لرسله . . .

قال –سبحانه- : [ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون . قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ، وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون . قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون . وما علينا إلا البلاغ المبين ] .

5- ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ، ألوانا من مظاهر قدرة الله –تعالى- ، ومن نعمه على عباده ، تلك النعم التي نراها في الأرض التي نعيش عليها ، وفي الخيرات التي تخرج منها ، كما نراها في الليل والنهار . وفي الشمس وفي القمر ، وفي غير ذلك من مظاهر نعمه التي لا تحصى .

قال –تعالى- [ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ، وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون . وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ، وفجرنا فيها من العيون . ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون . سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض . ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ] .

6- وبعد هذا البيان الحكيم لمظاهر قدرة الله –تعالى- ، وفضله على عباده ، حكت السورة الكريمة جانبا من دعاوي المشركين الباطلة ، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم ، وصورت أحوالهم عندما يخرجون من قبورهم مسرعين ، ليقفوا بين يدي الله –تعالى- للحساب والجزاء . . .

قال –تعالى- : [ ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون . قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون . إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون . فاليوم لا تظلم نفس شيئا ، ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ] .

7- وبعد أن تحكي السورة الكريمة ما أعده الله تعالى بفضله وكرمه لعباده المؤمنين ، من جنات النعيم ، ومن خير عميم ، تعود فتحكي ما سيكون عليه الكافرون من هم وغم ، وكرب وبلاء ، بسبب كفرهم ، وتكذيبهم للحق الذي جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم .

قال –تعالى- : [ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ، إنه لكم عدو مبين . وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم . ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون . هذه جهنم التي كنتم توعدون . اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ] .

8- ثم تنزه السورة الكريمة النبي صلى الله عليه وسلم عما اتهمه به أعداؤه ، من أنه شاعر ، وتسليه عما أصابه منهم ، وتبين للناس أن وظيفته صلى الله عليه وسلم إنما هي الإنذار والبلاغ .

قال –تعالى- [ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين . لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ] .

إلى أن يقول –سبحانه- : [ فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ] .

9- ثم تختتم السورة الكريمة بحكاية ما قاله أحد الأشقياء منكرا للبعث والحساب ، وردت عليه وعلى أمثاله برد جامع حكيم ، برشد كل عاقل إلى إمكانية البعث ، وأنه حق لا شك فيه . .

قال –تعالى- : [ أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين . وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ، قال من يحيي العظام وهي رميم . قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم . الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون . أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ، بلى وهو الخلاق العليم . إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ] .

10- وبعد . فهذا عرض مجمل لسورة " يس " ومنه نرى أن هذه السورة الكريمة قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله –تعالى- وعلى كمال قدرته كما اهتمت بإبراز الأدلة المتعددة على أن البعث حق ، وعلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه . . .

كما اهتمت بضرب الأمثال لبيان حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار .

كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر ، يغلب عليه قصر الآيات ، وإيراد الشواهد المتنوعة على قدرة الله –تعالى- ، عن طريق مخلوقاته المبثوثة في هذا الكون ، والتي من شأن المتأمل فيها بعقل سليم ، أن يهتدي إلى الحق ، وإلى الصراط المستقيم .

وصدق الله –تعالى- في قوله : [ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ] .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، ،

القاهرة – مدينة نصر

صباح الخميس : 23 من شوال سنة 1405ه

11/7/1985م

د . محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - يس من الألفاظ التى اختلف المفسرون فى معناها ، فمنهم من يرى أن هذه الكلمة اسم للسورة ، أو للقرآن ، أو للرسول صلى الله عليه وسلم .

ومنهم من يرى أن معناها : يا رجل ، أو يا إنسان .

ولعل أرجح الأقوال أن هذه الكلمة من الألفاظ المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، للإِشارة إلى إعجاز القرآن الكريم ، وللتنبيه إلى أن هذا القرآن المؤلف من جنس الألفاظ التى ينطقون بها ، هو من عند الله - تعالى - ، وأنهم ليس فى إمكانهم أو إمكان غيرهم أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة من مثله . . .

قال الآلوسى : قوله - تعالى { يس } الكلام فيه كالكلام فى " ألم " ونحوه من الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور ، إعرابا ومعنى عند الكثيرين .

وظاهر كلام بعضهم أن " يس " بمجموعة ، اسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم .

وقرأ جمع بسكون النون مدغمة فى الواو ، وقرأ آخرون بسكونها مظهرة ، والقراءتان سبعيتان . .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.
[3]:- سورة المائدة: الآيتان 15، 16.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يسٓ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية كلها ، وفيها من جليل المعاني والأمثال وألوان التذكير والتحذير والعبر ما فيه للناس من بالغ المزدجر وما به ينبهر أولو النُُّهى ويزداد به النابهون الذاكرون يقينا بأن هذا القرآن معجز وأنه منزّل من لدن حكيم خبير مقتدر .

وتعْرضُ هذه السورة لفيض من الحقائق والمشاهد والعبر المختلفة التي تلتئم فيما بينها وتنسجم لتتكون من مجموعها هذه السورة المباركة الفضلى وهي سورة تفيض بالبركة والعظة والنور ، وفيها من بالغ المواعظ ما يمسُّ الحس والوجدان أوقع حس .

وفي بركة هذه السورة وعظيم شأنها أخرج أبو يعلى عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ يس في ليلة ، أصبح مغفورا له " وروى الإمام أحمد عن معقل بن يسار ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرؤوها على موتاكم " يعني يس . والمراد قراءتها عند الاحتضار تسهيلا لخروج الروح ؛ ولهذا قال بعض العلماء : إن من خصائص سورة يس أن لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسَّره الله تعالى ؛ وذلك لأن قراءتها عند الميت تتنزل بها الرحمة والبركة ، فيسهل عليه خروج الروح .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{ يس ( 1 ) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 3 ) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 4 ) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 5 ) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ( 6 ) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } .

اختلفوا في المراد بقوله : { يس } على عدة أقوال منها : أن هذا قسم أقسمه الله ، وهو من أسماء الله تعالى . ومنها : أن { يس } يعني : يا إنسان بلسان الحبشة ، أو يا رجل . ومنها : أنه كنّى به النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له : يا ياسين . أي يا سيد . ومنها : أنه اسم من أسماء القرآن . ومنها : أنه مفتاح كلام افتتح الله به كلامه . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .