غرتهم الحياة الدنيا : خدعتهم بزخارفها وزينتها .
ننساهم : نتركهم في العذاب كالمنسيين .
51- الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون .
عندما أجاب أهل الجنة أهل النار بأن الله حرم نعيم الجنة على الكافرين ؛ تكفل الحق سبحانه بتوضيح أسباب الحكم ، وبيان حيثياته ، فذكر في هذه الآية أنهم اتخذوا دينهم مادة للسخرية والتلهي ، وصرف الوقت فيما لا يفيد ، فأصبح الدين صورا ورسوما ، لا تزكى نفسا ، ولا تطهر قلبا ، ولا تذهب خلقا ، أو أنهم حرموا منا أحل الله من البحيرة والسائبة . . . وسخروا بدين محمد ، وانصرفوا عنه إلى اللهو واللعب قال تعالى : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية . ( الأنفال : 35 ) .
فقد انصرفوا عن العبادة الحقة إلى التصفيق والصفير .
وغرتهم الحياة الدنيا . شغلتهم لذائذها ومتعها وزينتها عن كل ما يقربهم إلى الله .
فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا . أي : يهملهم الله تعالى فلا يستجيب لهم دعاء ولا يسمع لهم قولا .
قال أبو السعود : فاليوم ننساهم . نفعل بهم ما يفعل الناس بالمنسي ، من عدم الاعتداد بهم ، وتركهم في النار تركا كليا .
أي : ننساهم نسيانا مثل نسيانهم لقاء يومهم هذا ، أو بسبب تركهم الاستعداد لهذا اليوم .
وهذه الجملة معطوفة على السابقة ، أي : ننساهم بسبب نسيانهم البعث والحشر والحساب ، وكما كانوا منكرين بأن القرآن من عند الله إنكارا مستمرا .
وتنتهي مع هذه الآية مشاهد الحوار المستمر ، بين أهل الجنة وأهل النار وأصحاب الأعراف ، ويسدل الستار على أهل الجنة خالدين منعمين في الجنة ، وأهل النار معذبين في الجحيم إلى ما شاء الله .
إنها طريقة القرآن الكريم التي تستحضر الغائب ، وتقدم مشاهد القيامة أمام الناس شاخصة حية ؛ ليعتبر ويتعظ من كان له قلب ولب .
قال تعالى : وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا . ( طه : 113 ) .
الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، أى الذين اتخذوا دينهم - الذي أمرهم الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه - مادة للسخرية والتلهى ، وصرف الوقت فيما لا يفد ، فأصبح الدين - في زعمهم - صورة ورسوما لا تزكى نفساً ، ولا تطهر قلباً ، ولا تهذب خلقا وهم فوق ذلك قد غرتهم الحياة الدنيا - أى شغلتهم بمتعها ولذائذها وزينتها عن كل ما يقربهم إلى الله ، ويهديهم إلى طريقه القويم .
وقوله - تعالى - : { فاليوم نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هذا } معناه فاليوم نفعل بهم فعل الناسى بالمنسى من عدم الاعتناء بهم وتركهم في النار تركا كليا بسبب تركهم الاستعداد لهذا اليوم ، وبسبب جحودهم لآياتنا التي جاءتهم بها أنبياؤهم .
فالنسيان في حق الله - تعالى - مستعمل في لازمه ، بمعنى أن الله لا يجيب دعاءهم ، ولا يرحم ضعفهم وذلهم ، بل يتركهم في النار كما تركوا الإيمان والعمل الصالح في الدنيا .
وهكذا تسوق لنا السورة الكريمة مشاهد متنوعة لأهوال يوم القيامة ، فتحكى لنا أحوال الكافرين ، كما تصور لنا ما أعده الله للمؤمنين . كما تسوق لنا ما يدور بين الفريقين من محاورات ومناقشات فيها العبر والعظات { لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيد }
{ الذين اتخذوا دينهم لهو ولعبا } ذلك جواب أهل الجنة لأهل النار في سبب منعهم من شراب الجنة وطعامها . وهو كفرهم بالله وبدينه الذي شرعه لهم وأوجبه عليهم فاتخذوه لهوا ولعبا . والأصل في اللهو أنه الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة{[1417]} وهؤلاء الكافرين كانوا لاهين عن دنيهم الذي أنزله الله إليهم ، وقد شغلت قلوبهم وعقولهم بزخارف الدنيا فما قابلوا هذا الدين إلا بالإعراض والسخرية والاستهزاء والتهكم العابث المفضوح .
قوله : { وغرتهم الحياة الدنيا } أي خدعتهم الدنيا بمتاعها وزخارفها وما حوته من عرض سريع زائل فاغتروا بها اغترارا ثناهم عن الاهتمام بالآخرة وما فيها من حساب وجزاء . وذلك هو شأن الدنيا ، تغر أكثر الناس فينشغلون بها انشغالا يطغي على قلوبهم وعقولهم ويلهيهم عن أوجب واجباتهم وهو الإيمان بالله ورسله والدار الآخرة والتزام دينه الذي ارتضاه وشرعه لهم . وأيما انشغال عن ذلك أو اغترار أو انثناء فإن مآله التعس والخسران .
قوله : { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا } الكاف في { كما } في محل نصب نعت لمصدر محذوف ؛ أي ننساهم نسيانا مثل نسيانهم لقاء هذا اليوم العظيم . وذكر النسيان في حق الرحمن يأتي على سبيل التمثيل . فالله تعالى لا ينس ، إذا قصد النسيان في أصل معناه وهو عدم الذكر . { وما كان ربك نسيا } وقال عز من قائل : { لا يضل ربي ولا ينسى } لكن المقصود بنسيان الله للكافرين هو تركهم في النار عطاشا جياعا معذبين على التأبيد لا يخرجون ، مثلما تركوا دينهم الذي أنزله الله إليهم فأعرضوا عنه إعراضا ولم يستعدوا بالإيمان والطاعة للقاء الله في هذا اليوم المخوف .
قوله : { وما كانوا بآياتنا يجحدون } معطوف على { كما نسوا } أي ننساهم بتركهم في النار كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله في هذا اليوم{[1418]} . وكذلك نتركهم لما كانوا يكذبون بآيات الله وهي حججه وكتبه ودلائله التي يحتج بها النبيون على صدق دعوتهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.