تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} (71)

70

{ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون } .

شاءت حكمة الله تعالى ، أن يجعل بعض الناس واسع الأرزاق ، وبعضهم قليل الرزق ، وبعضهم بين بين ؛ لحكمة يعلمها ؛ حتى يستفيد الغني من عمل الفقير ، ويستفيد الفقير من مكافأة الغني .

قال تعالى : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير }( الشورى : 27 ) .

ومن الأمثال المشهورة : إذا كنت أمير ، وأنا أمير ، من يسوق الحمير .

إن هذا التفاوت بين الناس في المواهب والأرزاق ، سنة إلهية ، حيث قال تعالى : { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس . . . } ( الحج : 75 ) .

وقال سبحانه : { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم }( البقرة : 247 ) .

ويذكر بعض المفسرون : أن نعم الله متعددة ، فالعلم ملك ، والخلق ملك ، والحكمة ملك ، والمال ملك ، وسائر العطايا والمواهب ، يعطي منها الوهاب بغير حساب .

قال تعالى : { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء }( آل عمران : 26 ) .

{ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق . . . } . أي : من الناس الأغنياء ومنهم الفقراء ، ومنهم العلماء ومنهم الجهلاء ، ومنهم المملوك ومنهم المالك ، ولم يجعل ذلك بحسن الحيلة وفضل العقل فحسب ، فكثيرا ما ترى العبقري النابه ، لا يحصل إلا على الكفاف من الرزق بعد الجهد الجهيد ، بينما ترى الأحمق يتقلب في النعيم ، كأنما يغترف الرزق من خليج البحر .

قال سفيان بن عيينة :

كم من قويٍ قويٌ من تقلبه *** مهذب الرأي عنه الرزق منحرف

ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط *** كأنه من خليج البحر يغترف

ويقول آخر :

كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذي ترك الأوهام حائرة *** وصيّر العالم النحرير زنديقا

لكن لله حكمة خفية في كل أعماله ، فقد يكون كثرة الرزق ابتلاء واختبارا ، وقد يكون الفقر اختبارا وابتلاء ، وقد تكون للإنسان مواهب قوية ، لكن موهبته في تثمير المال محدودة ، وقد يكون الإنسان ضعيف الحيلة في أمور كثيرة ، لكن موهبته في استثمار المال عالية .

وفي الحديث القدسي : ( إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى ولو أفقرته ؛ لساء حاله ، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر ولو أغنيته ؛ لساء حاله ) .

{ فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء . . . } . أي : إن الأغنياء والأثرياء ، والمالكين للخدم والعبيد ، لا يوزعون ثروتهم على العبيد والخدم ، حتى يتساووا جميعا فيما يملكون ، بل يحافظون على أموالهم وأملاكهم ، ولا يعطون أتباعهم وخدمهم منها ، وإن أعطوهم أعطوهم النذر اليسير من المال ، وأمسكوا المال في أيديهم ، إذا كان هذا شأن العباد مع بعضهم ، فكيف يشركون مع الله معبودات أخرى من مخلوقاته ، ويجعلونهم شركاء لله في الألوهية .

قال العوفي : عن ابن عباس في هذه الآية يقول :

لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم ، فكيف يشركون معي عبيدي في سلطاني . .

جاء في تفسير ابن كثير :

يقول تعالى منكرا عليهم : أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم ، فكيف يرضى هو تعالى ، بمساواة عبيد له في الألوهية والتعظيم ؟ ! .

كما قال تعالى في آية أخرى : { ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم . . . }( الروم : 28 ) .

ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله :

{ أفبنعمة الله يجحدون } . أي : أينعم الله عليهم بالمال والجاه والخلق والرزق ، ثم ينسبون هذه العطايا إلى غيره ، فيجحدون نعمة الخالق الرازق الذي بيده الخلق والأمر ، والهمزة هنا للاستفهام الإنكاري ، والفاء معطوفة على مقدر ، أي : أيشركون به سبحانه فيجحدون نعمه وينكرونها ويغمطونها حقها ، مع أنه تعالى هو الذي منحهم هذه النعم ، وتفضل عليهم بالأرزاق .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} (71)

ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن خلق الإِنسان ، وتقلبه فى أطوار عمره ، إلى الحديث عن التفاوت بين الناس في أرزاقهم ، فقال - تعالى - : { والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق . . . } فجعل منكم الغني والفقير ، والمالك والمملوك ، والقوي والضعيف ، وغير ذلك من ألوان التفاوت بين الناس ، لحكمة هو يعلمها - سبحانه - .

ثم بين - سبحانه - موقف المفضلين في الرزق من غيرهم فقال : { فَمَا الذين فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ على مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ . . } ، أي : فليس الذين فضلهم الله - تعالى - في الرزق على غيرهم { برادي } ، أي : بمانحي وباذلي { رزقهم } ، الذي رزقهم الله إياه على مماليكهم ، أو خدمهم الذين هم إخوة لهم في الإنسانية . { فهم } ، أي : الأغنياء الذين فضلوا في الرزق ومماليكهم وخدمهم ، { فيه } ، أي : في هذا الرزق { سواء } ، من حيث إني أنا الرازق للجميع .

فالجملة الكريمة يجوز أن تكون دعوة من الله - تعالى - للذين فضلوا على غيرهم في الرزق ، بأن ينفقوا على مماليكهم وخدمهم ؛ لأن ما ينفقونه عليهم هو رزق أجراه الله للفقراء على أيدي الأغنياء . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية : أي : جعلكم متفاوتين في الرزق ، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم ، وإخوانكم ، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم ، حتى تتساووا في الملبس والمطعم ، " كما يحكى عن أبي ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إنما هم إخوانكم ، فاكسوهم مما تلبسون ، وأطعموهم مما تطعمون " . فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه ، وإزاره إزاره ، من غير تفاوت " .

ويجوز أن تكون الآية الكريمة توبيخا للذين يشركون مع الله - تعالى - آلهة أخرى في العبادة . فيكون المعنى : لقد فضل الله - تعالى - بعضكم على بعض في الرزق - أيها الناس - ، ومع ذلك فالمشاهد الغالب بينهم ، أن الأغنياء لا يردون أموالهم على خدمهم وعبيدهم ، بحيث يتساوون معهم في الرزق ، وإذا ردوا عليهم شيئا ، فإنما هو شيء قليل يسير ، يدل على بخلهم وحرصهم . . مع أني أنا الرازق للجميع .

وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله عند تفسيره للآية : " يبين - تعالى - للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من شركاء ، وهم يعترفون بأنهم عبيد له ، كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ، فقال - تعالى - منكرا عليهم : أنتم لاترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم ، فكيف يرضى هو تعالى - بمساواة عبيد له في الإلهية والتعظيم ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ . . } . وقال العوفي : عن ابن عباس في هذه الآية يقول : لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم ، فكيف يشركون معي عبيدي في سلطاني . . " .

وهذا المعنى الثاني هو الأقرب إلى سياق آيات السورة الكريمة ؛ لأن السورة الكريمة مكية ، ومن أهدافها الأساسية دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله - عز وجل - ، ونبذ الإِشراك والمشركين ، وإقامة الأدلة المتنوعة على بطلان كل عبادة لغير الله - تعالى - .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : { أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ } . والاستفهام هنا ؛ للتوبيخ والتقريع ، والفاء معطوفة على مقدر ، أي : أيشركون به - سبحانه - فيجحدون نعمه ، وينكرونها ، ويغمطونها حقها ، مع أنه - تعالى - هو الذي وهبهم هذه النعم ، وهو الذي منحهم ما منحهم من أرزاق ؟ ! ! .