الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ} (32)

فقال لما فاتته الصلاة : { إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ } يعني الأفراس وكانت أربعة وعشرون ، وبقول : أربعة عشر ، فردوها عليه فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها ، وأن الله سلبه ملكه أربعة عشر يوماً ، لأنه ظلم الخيل بقتلها .

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : كذب كعب الأحبار ، لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس ذات يوم ، لأنه أراد جهاد عدو حتّى توارت الشمس بالحجاب ، فقال بأمر الله للملائكة الموطنين بالشمس : ردّوها عليَّ . يعني الشمس ، فردوها عليه حتّى صلى العصر في وقتها .

فإن أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظلم ولا يرضون بالظلم ، لأنهم معصومون مطهّرون ، فذلك قوله سبحانه : { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ } وهي الخيل القائمة على ثلاث قوائم ، وقد أقامت الأخرى على طرف الحافر من يد أو رجل . قال عمر بن كلثوم :

تركنا الخيل عاكفة عليه***مقلدة أعنتها صفونا .

وقال القتيبي : الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل وغيرها .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من سرّه أن يقوم له الرجال صفونا فليتبؤا مقعده من النار " أي وقوفاً { الْجِيَادُ } الخيار السراع واحدها جواد { فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ } يعني الخيل ، والعرب تعاقب بين الراء واللام فيقول : انهملت العين وانهمرت ، وختلت الرجل وخترته أي خدعته .

وقال مقاتل : { حُبَّ الْخَيْرِ } يعني المال وهي الخيل التي عرضت عليه { عَن ذِكْرِ رَبِّي } يعني الصلاة ، نظيرها

{ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ } [ النور : 37 ] ، { حَتَّى تَوَارَتْ } يعني الشمس ، كناية عن غير مذكور . كقول لبيد :حتّى إذا ألقت يداً في كافر

يعني الشمس { بِالْحِجَابِ } وهو جبل دون قاف بمسيرة سنة ، تغرب الشمس من ورائها .