ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى - فقال : { رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة . . }
و " من " فى قوله { مِنْ ذُرِّيَّتِي } للتبعيض .
والوادى : هو المكان المنخفض بين مرتفعات ، والمقصود به وادى مكة المكرمة .
والمعنى : يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له ، بواد غير ذى زرع قريبا من بيتك المحرم ، أى : الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما ، والذى جعلته مثابة للناس وأمنا ، وفضلته على غيره من الأماكن .
وقوله { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة } بيان للباعث الذى دفعه لإِسكان بعض ذريته فى هذا المكان الطيب .
أى : يا ربنا إنى أسكنتهم ، هذا المكان ليتفرغوا لإِقامة الصلاة فى جوار بيتك ، وليعمروه بذكرك وطاعتك . رضي الله عنه فاللام فى قوله { ليقيموا } للتعليل وهى متعلقة بأسكنت .
وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات ، لمزيد فضلها ، ولكمال العناية بشأنها .
قال القرطبى : " تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها ، لأن معنى { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة } أى : أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه .
وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟
فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة ، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، إلا المسجد الحرام ، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة " .
وقد روى عن ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير "
وقوله { فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ وارزقهم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا ، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله - تعالى - ، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور .
والأفئدة : جمع فؤاد ، والمراد بها القلوب والنفوس .
والمراد بالناس فى قوله { مِّنَ الناس } المؤمنون منهم ، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام ، ليشهدوا منافع لهم ، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته .
وتهوى إليهم : أى تسرع إليهم ، يقال : هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا أسرع فى السير ، ومنه قولهم : هوت الناقة تهوى هويا ، إذا عدت عدوا شديدا .
والأصل فيه أن يتعدى باللام ، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع .
أى : يا ربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بتيك ، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان ، وتطير فرحا إليه ، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك ، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك .
وقال - سبحانه - { فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ } ولم يقل فاجعل الناس تهوى إليهم ، للإِشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : " وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم - عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجيى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه ، ثم فضله ثم وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلادء وأكثرها ثمارا ، وفى أى بلد من الشرق والغرب ، ترى الأعجوبة التى يريكها الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير والفواكه المختلفة والأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد ، وليس ذلك من آياته عجيب ، معنا الله بسكنى حرمه ، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم ، وزرقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم " .
هذا ، وقد ساق الإِمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته فى هذا المكان فقال ما ملخصه : " وهذا الإِسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة ، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها - لإِبراهيم عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل . فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم - عليه السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة ، فوضعهما عند البيت ، عند دوحه فوق زمزم فى أعلى المسجد ، وليس يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر ، فقالت له : يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس .
قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها ، فقال له : آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت : إذا لا يضيعنا ، ثم رجعت .
وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا بهذه الدعوات ، ورفع يديه فقال : { رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ . . . } الآية .
ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ما فى السقاء ، عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه بتلبط - أى يتلوى ويتمرغ - من شدة العطش ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا .
فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا ، حتى إذا بلغت الوادى ، رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى ، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات ، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا .
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت : صه ! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا صوتا فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث ، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها وهو يفور ، فشربت وأرضعت ولدها ، وقال لها الملك : لا تخافى الضيعة ، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله - تعالى - لن يضيع أهله .
ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم ، فرأوا طائراً عائفا - أى يتردد على الماء ولا يمضى - فقالوا : لا طير إلا على الماء ، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء ، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده ، فقالوا : أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا ، ففعلت ، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة منهم " .
قوله تعالى : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك الحرام ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ( 37 ) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ( 38 ) } مفعول ( أسكنت ) محذوف وتقديره : أسكنت ناسا من ذريتي بواد{[2410]} . كرر إبراهيم النداء الخاشع المتذلل إلى ربه رغبة في الاستجابة وميلا للالتجاء إلى جناب الله العظيم فقال : ( إني أسكنت من ذريتي ) من السكنى ، ويعنى اتخاذ المأوى للإقامة فيه ( من ذريتي ) أي بعض ذريتي . والمراد بهم هنا إسماعيل وأمه هاجر ؛ فقد أسكنهم إبراهيم ( بواد غير ذي زرع ) وهو وادي مكة ؛ إذ لم يكن فيه عندئذ زرع ولا نبات لانعدام الماء ( عند بيتك المحرم ) أضاف البيت إلى نفسه سبحانه ؛ لأنه مالكه وليس من مالك له غيره . ووصفه بالمحرم ؛ لأنه مُنع منه الطوفان إذ حرم عليه ، وقيل : لأنه لم يزل عزيزا منيعا تهابه الجبابرة فلا يمسونه بسوء . وقيل : لأنه حُرم فيه ما لم يحرم في غيره من البيوت كالجماع والصيد والقتل . وسماه بيتا باعتبار ما كان ؛ فإنه كان مبنيا من قبل . وقيل : باعتبار ما سيكون ؛ لأنه كان من المعلوم أنه سوف يبنيه .
قوله : ( ربنا ليقيموا الصلاة ) أي أسكنتهم بهذا الوادي البلقع القفر الذي يخلوا من أسباب الرزق والمعاش ( ليقيموا الصلاة ) وذلك عند بيتك المحرم البيت المبارك الذي شرفه الله تشريفا وفضله على سائر البيوت في الأرض . وقد ذكر جنس الصلاة من بين العبادات والطاعات تعظيما لشأن الصلاة خاصة ، وإظهارا لأهميتها المميزة البالغة التي تعلو على كل الشعائر والطاعات ، وتفوق سائر العبادات جلالة وأهمية . وفي قوله : ( ليقيموا ) بضمير الجمع ، ما يدل على أن الله قد أعلم إبراهيم بأن ولده إسماعيل سيكون له هنالك عقب ونسل يقيمون الصلاة في هذا المكان المبارك المقدس .
قوله : ( فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ) الأفئدة القلوب ، جمع فؤاد . وهو من التفؤّد بوزن التفعل ؛ أي التوقد والتحرق . فأدتُ اللحم أي شويته . وافتأدوا أي أوقدوا نارا . ولحم مفتئد أي مشوي{[2411]} وقوله : ( من ) للتبعيض ؛ أي اجعل أفئدة من أفئدة الناس تحنّ وتهفو إليهم وتسرع شوقا وودادا إليهم .
كذلك كان تقدير الله ، وهو أن يدعو إبراهيم ربه أن يجعل فريقا من الناس- وليس كل الناس- تهفو قلوبهم وتميل شوقا لمكة . وقيل : لو قال عليه السلام : أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم والناس جميعا سواء فيهم اليهود والنصارى . قوله : ( وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) وهذه مسألة أخرى من إبراهيم يتضرع بها إلى ربه أن يرزق ذريته في مكة من خيرات البلاد ، وأرزاق يسوقها الناس والعباد ، كأن تستجلب إليهم هذه الثمرات من أقطار الأرض الواسعة المترامية . وقد تحقق ذلك بعون الله وتقديره ؛ إذ استجاب دعوة خليله إبراهيم عليه السلام فأسبغ على مكة ، البد البلقع القفر من صنوف الطعام والثمرات والخيرات ما لم يكن في الحسبان لولا فضل العاطي الموافق المنان .
قوله : ( لعلهم يشكرون ) أي لعلهم يشكرونك على ما أسبغت عليهم من جزيل النعم .