فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (21)

{ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون21 ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين22 ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون23 ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون24 ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون25 وله من في السماوات والأرض كل له قانتون26 }

ومن أنعم الكريم الوهاب ، وبرهان اقتدار الحكيم الذي خلقنا من تراب ، أن أنشأ لنا من جنسنا أزواجا نأنس إليهن ، وتسكن النفوس وتستمتع إذ تقترن بهن ، ويتراحم الأزواج بما أودع الله في قلوبهم وقلوبهن ، ولقد علمنا الإسلام عظم مكانة الزوج من زوجته ، والزوجة من زوجها {[3309]} ، إن في ذلك لعبرة يعتبر بها من يتفكر ، وحجة تزيد اليقين ، ودليلا على جلال ربنا البر الرحيم .

[ وقال السدي : المودة : المحبة ، والرحمة : الشفقة ، . . . وللرجال خلق البضع منهن ، قال الله تعالى : )وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم . . ( {[3310]} فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال ، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج ، فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم ، ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها " وفي لفظ آخر : " إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح " ]{[3311]} } أورد الألوسي ما حاصله : خلق أصل أزواجكم من حواء ، وهي من ضلع آدم عليه السلام ، ف{ من } على هذا تبعيضية ، ويجوز أن تكون ابتدائية ، والأنفس مجاز عن الجنس ، أي خلق لكم من جنسكم لا من جنس آخر . . . { وجعل بينكم . . . } أي بين الأزواج ، إما على تغليب الرجال على النساء في الخطاب ، أو على حذف ظرف معطوف على الظرف المذكور ، أي جعل بينكم وبينهن ، كما في قوله تعالى : ) . . لا نفرق بين أحد من رسله . . ( {[3312]} . . { مودة ورحمة } . . أي جعل بينكم بالزواج الذي شرعه لكم توادا وتراحما من غير أن يكون بينكم سابقة معرفة ، ولا مرابطة مصححة للتعاطف من قرابة أو رحم . . اه

ولقد وصى نبينا صلى الله عليه وسلم كثيرا بالنساء لأنهن عندنا بأمانة الله ، واستحللنا فروجهن بكلمة الله ، ولأنهن الحفيظات على أزواجهن ، كما أثنى على الخيرات منهن الكتاب العزيز : ) . . فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله . . ( {[3313]} وهن الحانيات على أولادنا{[3314]} ، في الصحيحين عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : " نساء قريش خير نساء ركبن الإبل أحناه على طفل وأرعاه على زوج في ذات يده "


[3309]:روى ابن ماجة عن أبي أمامة بإسناد حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله" وروى أحمد ومسلم وغيرهما عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" الدنيا كلها متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة".
[3310]:سورة الشعراء. من الآية 166.
[3311]:مما أورد القرطبي.
[3312]:سورة البقرة. من الآية 285، وكان المحذوف: لا نفرق بين أحد وآخر أو بين أحد وبين سائر رسله، والله أعلم.
[3313]:سورة النساء. من الآية 34.
[3314]:روى أحمد وابن ماجة وغيرهما عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" حاملات والدات مرضعات رحيمات بأولادهن لولا ما يأتين إلى أزواجهن دخل مصلياتهن الجنة" صححه السيوطي، ووافقه العزيزي، يقول الشراح: ذكرت النساء عنده صلى الله عليه وسلم فأشار إلى مدحهن بذلك بشرط أن لا يسئن إلى أزواجهن"دخل مصلياتهن الجنة" جواب لولا: لولا إساءة العشرة وعدم القيام بواجب الأزواج لدخلن الجنة مع السابقين، إذ الحمل والإرضاع من المكارة الشديدة والمشاق، ويحتمل أن المراد: يدخلن الجنة بدون عذاب- وعبر بالماضي لتحقيق الوقوع- وغير مصلياتهن لا يدخلنها حتى يطهرن بالنار إن لم يعف عنهن.