{ وما كان لنبي أن يغل } أي يخون بكتمان شيء من الغنيمة عن أصحابه نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال الناس لعل النبى أخذها فنفى الله تعالى عنه الغلول وبين أته ما غل نبي والمعنى ما كان لنبي غلول { ومن يغلل يأت بما غل } حاملا له على ظهره { يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت } أي تجازى ثواب عملها { وهم لا يظلمون } لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا
ولما كان الغلول من أعظم موجبات الخذلان أو أعظمها . والنزاهة عنه من أعظم موجبات النصر ، كان أنسب الأشياء تعقيب هذه الآية بآية الغلول بياناً ، لأنه كان سبب هزيمتهم في هذه الغزوة ، فإنه لا يخذل إلا بالذنوب ، ومن أعظم الذنوب الموجبة للخذلان الغلول ، فيكون المراد بتنزيهه صلى الله عليه وسلم عنه - والله أعلم - أن إقبالهم عن نهب الغنائم قبل وقته إما أن يكون لقصد أن يغلو بإخفاء ما انتهبوه أو بعضه ، وإما أن يكون للخوف {[19623]}من أن يغل رئيسهم وحاشاه ! وإما أن يكون للخوف{[19624]} من مطلق الخيانة{[19625]} بأن لا يقسمه صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء ، وحاشاه من كل من ذلك ! وأما المبادرة إلى النهب لغير هذا القصد فخفة وطيش {[19626]}وعبث{[19627]} ، لا يصوب{[19628]} عاقل إليه ؛ إذا تقرر هذا فيمكن أن يكون التقدير : فليتوكلوا في كبت{[19629]} العدو وتحصيل ما معه من الغنائم ، فلا يقبلوا على ذلك إقبالاً يتطرق منه احتمال لظن السوء بهاديهم{[19630]} في أن يغل ، وهو الذي أخبرهم بتحريم الغلول وبأنه سبب للخذلان ، وما نهى صلى الله عليه وسلم قط عن شيء إلا كان أول تارك له وبعيد منه و{[19631]}ما كان ينبغي{[19632]} لهم أن يفتحوا طريقاً إلى هذا الاحتمال فعبر {[19633]}عن ذلك بقوله عطفاً{[19634]} على{[19635]} وكأين من نبي{[19636]} }[ آل عمران : 146 ] { وما كان } أي ما تأتى{[19637]} وما صح في وقت من الأوقات ولا على حالة من الحالات { لنبي } أي أي{[19638]} نبي كان فضلاً عن سيد الأنبياء وإمام الرسل { أن يغل } تبشيعاً لفعل{[19639]} ما يؤدي إلى هذا الاحتمال زجراً من معاودة مثل ذلك الفعل المؤدي إلى تجويز شيء مما ذكر ، وعلى قراءة الجماعة غير ابن كثير وأبي عمرو{[19640]} - بضم الياء وفتح العين مجهولاً من : أغل{[19641]} - المعنى : وما كان له وما صح أن يوجد غالاً ، أو ينسب إلى الغلول ، أو يظن به ما يؤدي إلأى ذلك ؛ ويجوز أن يكون التقدير بعد الأمر بالتوكل على الله سبحانه وتعالى وحده : فلا تأتوا إن كنتم مؤمنين بما يقدح في التوكل كالغلول وما يدانيه فتخذلوا ، فإنه ما كان لكم أن تغلوا{[19642]} ، وما كان أي ما حل لنبي أي من الأنبياء قط أن يغل ، أي لم أخصكم بهذه الشريعة بل ما كان في شرع نبي قط إباحة الغلول ، فلا تفعلوه ولا تقاربوه بنحو الاستباق إلى النهب ، فإن ذلك يسلب{[19643]} كمال التوكل ، فإنه من{[19644]} يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ، فيوجب له الخذلان ، روى الطبراني في الكبير- قال الهيثمي : ورجاله ثقات - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً فردت رايته{[19645]} . {[19646]}ثم بعث فردت{[19647]} ، ثم بعث فردت بغلول رأس غزال{[19648]} من ذهب ، فنزلت { وما كان لنبي أن يغل } " .
ولما كان فعلهم ذلك محتملاً لقصدهم الغلول ولخوفهم من غلول غيرهم عمم في التهديد بقوله : { ومن يغلل } أي يقع منه ذلك كائناً من كان { يأت بما غل يوم القيامة } ومن عرف كلام أهل اللغة في الغلول عرف صحة قولي : إنه لمطلق{[19649]} الخيانة ، وإنه يجوز أن يكون التقدير : وما كان لأحد{[19650]} أن يفعل ما يؤدي - ولو{[19651]} على بعد - إلى نسبة نبي إلى غلول ، قال صاحب القاموس : أغل فلاناً : نسبه إلى الغلول والخيانة ، وغل غلولاً : خان - كأغل{[19652]} ، أو خاص بالفيء ، وقال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي : أغل الرجل إغلالاً - إذا خان ، فهو مغل وغل في المغنم يغل غلولاً ، وقرىء : أن يَغُل ، وأن يُغَل ، فمن قرأ : يَغُل - أراد : يخون{[19653]} ، ومن قرأ : يُغَل - أراد : يخان ، ويجوز أن يريد{[19654]} : لا ينسب إلى الخيانة وكل من خان شيئاً في خفاء فقد غل يغل غلولاً ، ويسمى{[19655]} الخائن غالاً ، وفي الحديث
" لا إغلال ولا إسلال " الإغلال : الخيانة في كل شيء ، وغللت الشيء{[19656]} أغله غلاًّ - إذا سترته ، قالوا : ومنه الغلول في المغنم ، إنما أصله أن الرجل كان إذا أخذ منه شيئاً ستره في متاعه ، فقيل للخائن : غال ومغل ، ويقال : غللت الشيء{[19657]} في الشيء - إذا أدخلته{[19658]} فيه ، وقد انغل - إذا دخل في الشيء ، وقد انغل في الشجر{[19659]} . دخل - انتهى . فهذه الآية نهي للمؤمنين عن الاستباق إلى المغنم على طريق الإشارة ، فتم بها الوعظ الذي في أواخر القصة ، كما أن آية الربا نهي عنه على طريق الإشارة{[19660]} ، فتم بها الوعظ الذي{[19661]} في أوائل القصة ، فقد اكتنف التنفير من الغلول - الذي هو سبب الخذلان في هذه الغزوة بخصوصها لمباشرة ما هو مظنة له وفي الغزو مطلقاً - طرفي الوعظ فيها ، ليكون من أوائل ما يقرع السمع وأواخره .
ولما كان ثمرة الإتيان به الجزاء عليه عمم الحكم تنبيهاً على أن ذلك اليوم يوم الدين ، فلا بد من الجزاء فيه وتصويراً له تبشيعاً{[19662]} {[19663]}للفضيحة فيه بحضرة الخلق{[19664]} أجمعين ، وزاد في تعظيمه وتعظيم الجزاء فيه بأداة التراخي وتضعيف الفعل فقال معمماً الحكم{[19665]} ليدخل الغلول من باب الأولى : { ثم توفى } أي في ذلك اليوم العظيم ، وبناه للمجهول إظهاراًَ لعظمته على طريق كلام القادرين { كل نفس } أي {[19666]}غالة وغير غالة{[19667]} { ما كسبت } أي ما لها فيه فعل ما من خير أو شر وافياً مبالغاً في تحريز وفائه { وهم لا يظلمون * } أي لا يقع عليهم ظلم في{[19668]} شيء منه بزيادة ولا نقص .
قوله تعالى : ( وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) .
ذكر عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال : فقدت قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين . فقال أناس : لعل النبي صلى الله عليه و سلم أخذها . فأنزل الله تعالى ( وما كان لنبي أن يغل ) {[627]} وقوله ( يغل ) أي يخون ، من الغلول بمعنى الخيانة ، والمراد بها هنا من لغنيمة . وأصل الغلول أخذ الشيء خفية{[628]} .
وتأويل الآية أنه ما صح لنبي أن يخون شيئا من المغنم فيأخذه لنفسه من غير إطلاع أصحابه . وفي ذلك تنزيه للأنبياء عن الغلول . فإن النبوة والغلول لا يجتمعان لا جرم أن النبوة أعلى مراتب الشرف والجلال ، بل إنها أعلى المراتب الإنسانية في الدنيا والآخرة . فما يليق بنفس كريمة عالية فضلى أن تغل . وما يليق بأحد ولا طائفة من البشر أن تقدح في مقام النبوة المقدس الميمون فتتهمها بالغلول .
ولقد توعد الله الخائنين أهل الغلول بالعذاب الشديد يوم القيامة مما يدل على أن ذلك كبيرة من الكبائر . فقال سبحانه : ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) أي يأتي الغال حاملا ما غله على ظهره وعنقه معذبا بحمله وثقله ، مرعوبا بصوت ما يحمله ، وهو تحيط به الفضيحة والعار على رؤوس الأشهاد . وفي فداحة الغلول وهول ما يجده الغال يوم القيامة روى الإمام أحمد عن أبي مالك الأشجعي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض تجدون الرجلين جارين في الأرض- أو في الدار- فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعا ، فإذا قطعه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة " .
وروى أحمد عن المستور بن شداد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا ، أو ليست له زوجة فليتزوج ، أو ليس له خادم فليتخذ خادما ، أو ليس له دابة فليتخذ دابة ، ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال " .
وروى أحمد أيضا عن أبي حميد الساعدي قل : استعمل رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فجاء قال : هذا لكم وهذا أهدي لي فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم على المنبر فقال : " ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول : هذا لكم وهذا أهدي لي : أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا ؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته ، وإن بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر " ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة{[629]} إبطيه ، ثم قال : " اللهم هل بلغت " ثلاثا .
وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ردوا الخياط والمخيط ، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة " {[630]} .
ويستفاد من هذه الآية جملة أحكام ، منها : أن أخذ الطعام وأخذ علف الدابة أو ما تيسر به الحوافل في حال القتال جائز ، على أن يكون ذلك بقدر الحاجة .
ومنها : إذا غل الرجل في المغنم ووجد ما غل أخذ منه وعوقب تعزيرا .
ومنها : أن الغال له أن يرد جميع ما غل قبل أن يفترق الناس إن وجد السبيل إلى ذلك ، فإذا فعل ذلك كانت هذه توبة له وخروجا عن ذنبه .
ومنها : أن هدايا الولاة والقضاة والحكام غلول ، أي خيانة . وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم الغال{[631]} .
قوله : ( ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) أي تعطى كل نفس جزاء ما كسبت من خير أو شر عطاء وافيا غير منقوص . وهذه الآية تعم كل الكاسبين من خير أو شر . وهي تتضمن بمفهومها الغال على الأولى ؛ لأن سياق الكلام هنا في الغلول . فما من غلول في المغنم وسائر وجوه الكسب الباطل والحرام إلا سيجزى مقارفة الغال ما يستحقه من الجزاء يوم القيامة . وحينئذ يجازي الله كل نفس بما كسبت من غير أن يحيق بأحد في ذلك ظلم .