{ واللاتي يأتين الفاحشة } يفعلن الزنا { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } أي من
16 17 المسلمين { فإن شهدوا } عليهن بالزنا { فأمسكوهن } فاحبسوهن { في البيوت } في السجون وهذا كان في أول الإسلام إذا كان الزانيان ثيبين حبسا ومنعا من مخالطة الناس ثم نسخ ذلك بالرجم وهو قوله { أو يجعل الله لهن سبيلا } وهو سبيلهن الذي جعله الله لهن
ولما تقدم سبحانه في الإيصاء بالنساء ، وكان الإحسان في الدنيا تارة يكون بالثواب ، وتارة يكون بالزجر{[20768]} والعتاب ، لأن مدار الشرائع على العدل والإنصاف ، والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط ، وختم سبحانه بإهانة العاصي إحساناً إليه بكفه عن الفساد ، لئلا يلقيه ذلك إلى الهلاك أبد الآباد ، وكان من أفحش العصيان الزنى ، وكان الفساد في النساء أكثر ، والفتنة بهن أكبر ، والضرر منهن أخطر ، وقد يدخلن على الرجال من يرث منهم من غير أولادهم ؛ قدمهن فيه اهتماماً بزجرهن فقال : { واللاتي } وهو جمع " التي " ولعله عبر فيهن بالجمع إشارة إلى كثرتهن - كما أشار إلى ذلك مثنى وثلاث ورباع }[ النساء : 3 ] وإلى كثرة الفساد منهن { يأتين } أي يفعلن - من {[20769]}إطلاق السبب على المسبب ، والتعبير به أبلغ { الفاحشة } أي الفعلة الشديدة الشناعة ، وفي الآية - لأن من أعظم المرادات بنظمها عقب{[20770]} آيات{[20771]} الإرث وما{[20772]} تقدمها الاحتياط للنسب - إشارة بذكر عقوبة الزانية من غير تعرض لإرث الولد الآتي منها إلى أن الولد للفراش ، وأنه لا ينفي{[20773]} بالمظنة ، بل بعد التحقق على ما في سورة النور ، لأنه لا يلزم من وجود الزنى نفيه ، وكونه من الزنى ، قال ابو حيان في النهر : والفاحشة هنا الزنى بإجماع المفسرين إلا ما ذهب إليه مجاهد وتبعه أبو مسلم الأصفهاني{[20774]} من أنها المساحقة{[20775]} ، ومن الرجال اللواط ، ثم بين الموصول بقوله : { من نسائكم } أي الحرائر { فاستشهدوا } أي فاطلبوا أن تشهدوا { عليهن أربعة } من الرجال .
ولما كان تعالى قد جعل هذه الأمة وسطاً يقبلون على غيرهم ولا يقبل {[20776]}غيرهم عليهم{[20777]} قال : { منكم } أي من عدول المسلمين بأنهن فعلنها { فإن شهدوا } أي بذلك { فأمسكوهن } أي فاحبسوهن { في البيوت } أي وامنعوهن من الخروج ، فإن ذلك أصون لهن ، وليستمر هذا المنع { حتى يتوفاهن الموت } أي يأتيهن وهن وافيات{[20778]} الأعراض{[20779]} { أو يجعل الله{[20780]} } المحيط علمه وحكمته { لهن سبيلاً * } اي للخروج قبل الموت بتبين الحد أو بالنكاح ، وإن لم يشهد{[20781]} الأربعة لم يفعل بهن ذلك وإن تحقق الفعل .
قوله تعالى : ( والتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) .
اللاتي مفردها التي واللاتي في محل رفع على الابتداء . والمقصود هنا . النساء اللواتي يقترفن الفاحشة وهي الزنا . وقد كان الحكم في بدء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة أو الإقرار حبست في بيتها فلا تخرج حتى تموت . وقوله : ( أو يجعل الله لهن سبيلا ) أي يظللن هكذا في الحكم بالحبس أو يبدل ذلك الحكم بالسبيل وهو الناسخ . وقد جاء الناسخ في سورة النور حيث يقول سبحانه وتعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدة منهما مائة جلدة ) . وقد روى أحمد عن عبادة بن الصامت عن النبي ( ص ) قال : " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد ذلك أن النبي ( ص ) قد رجم ماعزا والغامدية واليهوديين لمقارفتهم الزنا من غير أن يجلدهم قبل ذلك . وفي ذلك دلالة على أن الجلد غير حتم بل هو منسوخ .
وذهب آخرون إلى اجتماع الجلد مع الرجم وهو قول الحسن البصري وإسحاق وداود بن علي الظاهري . وهي إحدى الروايتين عن الحنابلة . فقد ذهب هؤلاء إلى أن الجلد ينبغي اجتماعه مع الرجم . واحتجوا بعموم قوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) فهذا يعم جميع الزناة . لكن السنة جاءت بالرجم في حق الثيب والتغريب في حق البكر فوجب الجمع بينهما . وقد ذكر عن علي رضي الله عنه أنه جلد شراحة الهمدانية مائة ورجمها بعد ذلك . وقال : " جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ( ص ) " {[711]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.