الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ} (65)

ثم أخبر أته قادر على تعذيبهم فقال { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } كالصيحة والحجارة والماء { أو من تحت أرجلكم } كالخسف والزلزلة { أو يلبسكم شيعا } يخلطكم فرقا بأن يبث فيكم الأهواء المختلفة فتخالفون وتقاتلون وهو معنى قوله { ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف } نبين لهم { الآيات } في القرآن { لعلهم يفقهون } لكي يعلموا

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ} (65)

ولما كانوا بإشراكهم{[29917]} كأنهم{[29918]} يظنون أن الشدة زالت عنهم زوالاً لا يعود ، وكان اللائق بهم دوام التذلل إما وفاء وإما خوفاً ، أخبرهم ترهيباً لهم من سطوته وتحذيراً من بالغ قدرته أن{[29919]} شدتهم تلك التي{[29920]} أذلتهم لم تزل في الحقيقة ، فإن قدرة الملك عليها حالة الرخاء{[29921]} كقدرته عليها في وقتها سواء ، فإنه{[29922]} خالق الحالتين وأسبابهما وما فيهما ، ولكنهم عمي الأبصار{[29923]} أجلاف الطبائع فقال : { قل هو } أي وحده { القادر } ولم يصغه صيغة مبالغة لأنهم لم يكونوا ينكرون قدرته إنما كانوا يدعون المشاركة{[29924]} التي نفاها{[29925]} بالتخصيص ، على أن التعريف يفيد به المبالغة{[29926]} { على أن يبعث } أي في أيّ{[29927]} وقت يريده{[29928]} { عليكم } أي في كل حالة { عذاباً من فوقكم } بإسقاط السماء قطعاً أو شيء منها كالحجارة التي حصب{[29929]} بها قوم لوط وأصحاب الفيل أو{[29930]} بتسليط أكابركم { أو من تحت أرجلكم } أي بالخسف أو إثارة{[29931]} الحيات أو غيرها{[29932]} من الأرض كما وقع لبعض من سلف ، أو بتسليط سفلتكم وعبيدكم عليكم{[29933]} { أو يلبسكم } أي يخلط بينكم حال كونكم { شيعاً } أي متفرقين ، كل شيعة على هوى ، فيكون ذلك سبباً للسيف { ويذيق بعضكم } أي بعض تلك الشيع { بأس بعض } فيساوي في ذلك بين الحرم وغيره ، ويصير التخطف بالنهب والغارات عاماً ، وسوق هذا الكلام هكذا يفهم إيقاعه في وقت ما لناس ما ، لأن كلام الملوك يصان عن أن لا يكون له صورة توجد وإن كان على سبيل الشرط ونحوه ، فكيف بملك الملوك علام الغيوب ! وللتدريب على مثل هذا الفهم في كلام الله تعالى قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي في التفسير عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد .

وقال : حسن غريب ، وسيأتي لهذا مزيد بسط وتحقيق في قوله تعالى في الفرقان

{ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك{[29934]} }[ الفرقان : 10 ] .

ولما كان هذا بياناً عظيماً ، أشار إلى عظمه بقوله : { انظر } وعظمه تعظيماً آخر بالاستفهام فقال { كيف نصرف{[29935]} الآيات } أي أي نكررها{[29936]} موجهة في جميع الوجوه{[29937]} البديعة النافعة البليغة { لعلهم يفقهون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى فهمه وانتفاعه به ،


[29917]:في ظ: بإشرافهم.
[29918]:من ظ، وفي الأصل: كانوا.
[29919]:في ظ: إلى.
[29920]:في ظ: الذي.
[29921]:في ظ: حال.
[29922]:من ظ، وفي الأصل: فإن.
[29923]:في الأصل: الابصارر، وفي ظ: البصاير.
[29924]:في ظ، الذي نفاه.
[29925]:في ظ: الذي نفاه.
[29926]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[29927]:في ظ: كل.
[29928]:من ظ، وفي الأصل: يريد.
[29929]:في ظ: خصت.
[29930]:من ظ، وفي الأصل " و".
[29931]:في ظ: إشارة.
[29932]:من ظ، وفي الأصل: غيرهما.
[29933]:زيد من ظ.
[29934]:آية 10.
[29935]:في ظ: يصرف.
[29936]:في ظ: يكررها.
[29937]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ} (65)

قوله تعالى : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الأيت لعلهم يفقهون } بعد أن بين الله أنه هو الذي يكتب النجاة لعباده ويرفع الشدائد عن المكروبين ، فإنه يبين عقيب ذلك أنه هو القادر على إلقائهم في المهالك وإنزال البلاء بهم فيقول سبحانه : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } العذاب من فوقهم يراد به الطوفان والرجم بالحجارة والصيحة والريح ، مثلما فعل بقوم نوح وقوم لوط وعاد وثمود . وأما العذاب من تحت أرجلهم فهو الخسف والرجفة ، مثلما فعل بقارون وأصحاب مدين .

قوله : { أو يلبسكم شيعا } جمع شيعة وهم الأتباع والأنصار . وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ، والجمع شيع . مثل سدرة وسدر{[1190]} ويلبسكم ، من اللبس وهو الخلط . لبست عليه الأمر إذا خلطته فأنا ألبسه . ويلبسكم أي يخلط أمركم فيجعلكم أهواء مختلفة وأحزابا مفترقة .

قوله : { ويذيق بعضكم بأس بعض } البأس معناه العذاب ، والشدة في الحرب{[1191]} ويذيق ، من الذوق . وأصل ذلك من ذوق الطعام ، ثم استعمل في كل ما وصل إلى الإنسان من لذة وحلاوة ومرارة ومكروه وألم . والمراد أن تعمكم الفتنة فيقتل بعضكم بعضا .

ولقد حل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من أنواع الفتن ما يثير الحزن والمضاضة . وهذه حقيقة أليمة نذكرها في غاية الإحساس بالمرارة والأسى .

لقد دهمت المسلمين من القلاقل والفتن التي كثيرا ما عصفت بكلمتهم ووحدة صفهم بعد أن انقلبوا شيعا مختلفي الأهواء وبعد أن استحوذ عليهم الشيطان وطغى عليهم حظ النفس من الدنيا في كثير من الأحيان فدارت بينهم معارك وحروب طاحنة أزهقت فيها أنفس كثيرة . وذلك عقيب لحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى . مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر من فداحة الاختلاف في الأهواء أو الحرص المتكالب على حظ النفس من الدنيا ، بما يفضي في النهاية إلى اختلاف القلوب وتنافرها ثم الاقتتال والاحتكام إلى السيف فقال عليه السلام : " لا تنقلبوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف " فقالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ؟ قال : " نعم " .

وذلك الذي حل بالمسلمين وا أسفاه ! إذ انصاعوا لنداء الشيطان يحرض شيعهم وفرقهم على الحرب والاقتتال . مع أن جدير بالمسلمين أن يكونوا أكثر أمم العالمين طرا تماسكا وائتلافا وانسجاما ما دامت عقيدتهم الراسخة العظيمة قائمة على التوحيد . وهي تدعو بالضرورة إلى الوحدة والتئام الصفوف . لقد كان جديرا بالمسلمين أن يظلوا طوال الدهر أحرص الناس على الإخاء والوحدة وتمام التلاقي في إطار العقيدة والدين وأن لا يفتلهم عن ذلك أي سبب من أسباب الغواية أو الهوى أو حب الدنيا والحرص على الشهوات .

قوله : { انظر كيف نصرف الأيات لعلهم يفقهون } أي نبين لهم الدلائل والحجج ، أو من أنواع الكلام ما بين وعد ووعظ ووعيد لكي يعتبروا فيذكروا أو يزدجروا عما هم عليه من الشرك و التكذيب{[1192]} .


[1190]:- المصباح المنير ج 1 ص 353.
[1191]:- مختار الصحاح ص 38.
[1192]:- روح المعاني ج 7 ص 180- 181 وتفسير الطبري ج 7 ص 144- 146.