اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{قُمۡ فَأَنذِرۡ} (2)

قوله : «قُمْ » إما أن يكون من القيام المعهود ، فيكون المعنى : قم من مضجعك ، وإما من «قام » بمعنى الأخذ في القيام ، كقوله : [ الطويل ]

4944 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ *** . . . {[58441]}

وقوله : [ الوافر ]

4945 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ *** . . . {[58442]}

في أحد القولين ، فيكون المعنى : قيام عزم وتصميم ، والقول الآخر : أن «قام » مزيدة ، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر ؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات «عَسَى » فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً .

قوله : { فَأَنذِرْ } ، مفعوله محذوف ، أي : أنذر قومك عذاب الله ، والأحسن أن لا يقدر له ، أي : أوقع الإنذار .

فصل في معنى الآية

المعنى : يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه ، أي : تغشى بها ونام .

وقيل : ليس المراد التدثر بالثوب ، فإن قلنا التدثر ، ففيه وجوه :

أحدها : أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن .

روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ ، إنَّكَ لرَسُولٌ ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي ، ويسَارِي ، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ ، فقلتُ : دَثِّرُوني ، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً » ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى : { يا أيها المدثر }{[58443]} .

وثانيها : أن أبا جهل ، وأبا لهب ، وأبا سفيان ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وأميَّة بن خلف ، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي ، اجتمعوا وقالوا : إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج ، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم وقد اختلفتم في الإخبار عنه ، فمن قائل هو مجنون . وقائل : كاهن . وقائل : ساحر ، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد ، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة ، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه ، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال : إنه شاعر ، فقال الوليد : سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [ وكلام أمية بن أبي الصلت ، وكلامه ما يشبه كلامهما ، فقالوا : كاهن : فقال : ] الكاهن يصدق ويكذب ، وما كذب محمد صلى الله عليه وسلم قط ، فقال آخر : إنه مجنون ، فقال الوليد : الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط ، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته ، فقال الناس : صبأ الوليد بن المغيرة ، فدخل عليه أبو جهل فقال : ما لك يا أبا عبد شمس ، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه ، زعموا أنك قد احتجت وصبأت ، فقال الوليد : ما لي إليه حاجة ، ولكني فكرت في محمد ، فقلت : إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه ، وبين الأخ وأخيه ، وبين المرأة وزوجها ، فشاع ذلك في الناس ، فصاحوا يقولون : محمد ساحر والناس مجتمعون ، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً ، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى : { يا أيها المدثر } .

وثالثها : أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً ، متدثراً بثيابه ، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عليه الصلاة والسلام - ، وقال : { يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِرْ } كأنه قال : اترك التدثر بالثياب ، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له .

وإن قلنا : ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه :

الأول : قال عكرمة : يا أيها المدثر بالنبوة ، والرسالة{[58444]} انْقُلْها ، من قولهم : ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم .

قال ابن العربي : «وهذا مجاز بعيد ، لأنه لم يكن تنبأ بعد ، وإن قلنا : إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا : إنها ثاني ما نزل » .

الثاني : أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه ، فإنه صلى الله عليه وسلم كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس ، فكأنه قال : يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول ، واشتغل بإنذار الخلق ، والدعوة إلى معرفة الحقِّ .

الثالث : أنه تعالى جعله رحمة للعالمين ، فكأنه قيل له : يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم ، والخلق الكريم ، والرحمة الكاملة : «قُمْ فأنْذِرْ » عذاب ربّك .

فصل في لطف الخطاب في الآية

قوله تعالى : { يا أيها المدثر } ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته ، ولم يقل : يا محمدُ ، كما تقدم في المزمل .

فصل في معنى «فأنذر »

ومعنى قوله تعالى : { فَأَنذِرْ } ، أي : خوِّف أهل مكة ، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا .

وقيل : الإنذار هنا : إعلامهم بنوته - عليه الصلاة والسلام - لأنها مقدمة الرسالة .

وقيل : هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود .

وقال الفراء : قم فصلِّ ومر بالصلاة .


[58441]:تقدم.
[58442]:تقدم.
[58443]:أخرجه البخاري (1/25-26) كتاب: بدء الوحي رقم (2) ومسلم (4/1816-1817) كتاب الفضائل: باب عرق النبي صلى الله عليه وسلم في البرد (87-2333) والطبري في "تفسيره" (12/296) والترمذي (5/399) رقم (3325). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/450) وزاد نسبته إلى الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر وابن مردويه.
[58444]:ذكره الماوردي في "تفسيره" (6/135) والقرطبي (19/41).