قوله تعالى : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إم هذا لساحر مبين }
المسألة الأولى : أن كفار قريش تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا بالرسالة والوحي ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك التعجب . أما بيان كون الكفار تعجبوا من هذا التخصيص فمن وجوه : الأول : قوله تعالى : { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد } وإذا بلغوا في الجهالة إلى أن تعجبوا من كون الإله تعالى واحدا ، لم يبعد أيضا أن يتعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا بالوحي والرسالة ! والثاني : أن أهل مكة كانوا يقولون : إن الله تعالى ما وجد رسولا إلى خلقه إلا يتيم أبي طالب ! والثالث : أنهم قالوا : { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } وبالجملة فهذا التعجب يحتمل وجهين : أحدهما : أن يتعجبوا من أن يجعل الله بشرا رسولا ، كما حكى عن الكفار إنهم قالوا : { أبعث الله بشرا رسولا } والثاني : أن لا يتعجبوا من ذلك بل يتعجبوا من تخصيص محمد عليه الصلاة والسلام بالوحي والنبوة مع كونه فقيرا يتيما ، فهذا بيان أن الكفار تعجبوا من ذلك . وأما بيان أن الله تعالى أنكر عليهم هذا التعجب فهو قوله في هذه الآية : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } فإن قوله : { أكان للناس عجبا } لفظه لفظ الاستفهام ، ومعناه الإنكار ، لأن يكون ذلك عجبا . وإنما وجب إنكار هذا التعجب لوجوه : الأول : أنه تعالى مالك الخلق وملك لهم والمالك والملك هو الذي له الأمر والنهي والإذن والمنع . ولا بد من إيصال تلك التكاليف إلى أولئك المكلفين بواسطة بعض العباد . وإذا كان الأمر كذلك كان إرسال الرسول أمرا غير ممتنع ، بل كان مجوزا في العقول . الثاني : أنه تعالى خلق الخلق للاشتغال بالعبودية كما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } وقال : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه } وقال : { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } ثم إنه تعالى أكمل عقولهم ومكنهم من الخير والشر ، ثم علم تعالى أن عباده لا يشتغلون بما كلفوا به ، إلا إذا أرسل إليهم رسولا ومنبها . فعند هذا يجب وجوب الفضل والكرم والرحمة أن يرسل إليهم ذلك الرسول ، وإذا كان ذلك واجبا فكيف يتعجب منه . الثالث : أن إرسال الرسل أمر ما أخلى الله تعالى شيئا من أزمنة وجود المكلفين منه ، كما قال : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } فكيف يتعجب منه مع أنه قد سبقه النظير ، ويؤكده قوله تعالى : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } وسائر قصص الأنبياء عليهم السلام . الرابع : أنه تعالى إنما أرسل إليهم رجلا عرفوا نسبه وعرفوا كونه أمينا بعيدا عن أنواع التهم والأكاذيب ملازما للصدق والعفاف . ثم إنه كان أميا لم يخالط أهل الأديان ، وما قرأ كتابا أصلا البتة ، ثم إنه مع ذلك يتلو عليهم أقاصيصهم ويخبرهم عن وقائعهم ، وذلك يدل على كونه صادقا مصدقا من عند الله ، ويزيل التعجب ، وهو من قوله : { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } وقال : { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } الخامس : أن مثل هذا التعجب كان موجودا عند بعثة كل رسول ، كما في قوله : { وإلى عاد أخاهم هودا } . { وإلى ثمود أخاهم صالحا } إلى قوله : { أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم } السادس : أن هذا التعجب إما أن يكون من إرسال الله تعالى رسولا من البشر ، أو سلموا أنه لا تعجب في ذلك ، وإنما تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام بالوحي والرسالة .
أما الأول : فبعيد لأن العقل شاهد بأن مع حصول التكليف لا بد من منبه ورسول يعرفهم تمام ما يحتاجون إليه في أديانهم كالعبادات وغيرها .
وإذا ثبت هذا فنقول : الأولى أن يبعث إليهم من كان من جنسهم ليكون سكونهم إليه أكمل والفهم به أقوى ، كما قال تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } وقال : { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } .
وأما الثاني : فبعيد لأن محمدا عليه الصلاة والسلام كان موصوفا بصفات الخير والتقوى والأمانة ، وما كانوا يعيبونه إلا بكونه يتيما فقيرا ، وهذا في غاية البعد ، لأنه تعالى غني عن العالمين فلا ينبغي أن يكون الفقر سببا لنقصان الحال عنده ، ولا أن يكون الغنى سببا لكمال الحال عنده . كما قال تعالى : { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى } فثبت أن تعجب الكفار من تخصيص الله تعالى محمدا بالوحي والرسالة كلام فاسد .
المسألة الثانية : الهمزة في قوله : { أكان } لإنكار التعجب ولأجل التعجيب من هذا التعجب و { أن أوحينا } اسم كان وعجبا خبره ، وقرأ ابن عباس { عجب } فجعله اسما وهو نكرة و{ أن أوحينا } خبره وهو معرفة كقوله : يكون مزاجها عسل وماء . والأجود أن تكون «كان » تامة ، وأن أوحينا ، بدلا من عجب .
المسألة الثالثة : أنه تعالى قال : { أكان للناس عجبا } ولم يقل أكان عند الناس عجبا ، والفرق أن قوله : { أكان للناس عجبا } معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها ونصبوه وعينوه لتوجيه الطيرة والاستهزاء والتعجب إليه ! وليس في قوله : «أكان عند الناس عجبا » هذا المعنى .
المسألة الرابعة : { أن } مع الفعل في قولنا : { أن أوحينا } في تقدير المصدر وهو اسم كان وخبره ، هو قوله : { عجبا } وإنما تقدم الخبر على المبتدأ ههنا لأنهم يقدمون الأهم ، والمقصود بالإنكار في هذه الآية إنما هو تعجبهم ، وأما { أن } في قوله : { أن أنذر الناس } فمفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول ، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ، وأصله أنه أنذر الناس على معنى أن الشأن قولنا أنذر الناس .
المسألة الخامسة : أنه تعالى لما بين أنه أوحى إلى رسوله ، بين بعده تفصيل ما أوحى إليه وهو الإنذار والتبشير . أما الإنذار فللكفار والفساق ليرتدعوا بسبب ذلك الإنذار عن فعل ما لا ينبغي ، وأما التبشير فلأهل الطاعة لتقوى رغبتهم فيها . وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على التحلية ، وإزالة ما لا ينبغي مقدم في الرتبة على فعل ما ينبغي .
المسألة السادسة : قوله : { قدم صدق } فيه أقوال لأهل اللغة وأقوال المفسرين . أما أقوال أهل اللغة فقد نقل الواحدي في «البسيط » منها وجوها . قال الليث وأبو الهيثم : القدم السابقة ، والمعنى : أنهم قد سبق لهم عند الله خير . قال ذو الرمة :
وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة*** لهم قدم معروفة ومفاخر
وقال أحمد بن يحيى : القدم كل ما قدمت من خير ، وقال ابن الأنباري : القدم كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ، ولا يقع فيه تأخير ولا إبطاء .
واعلم أن السبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني ، أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم ، فسمى المسبب باسم السبب ، كما سميت النعمة يدا ، لأنها تعطى باليد .
فإن قيل : فما الفائدة في إضافة القدم إلى الصدق في قوله سبحانه : { قدم صدق } .
قلنا : الفائدة التنبيه على زيادة الفضل وأنه من السوابق العظيمة ، وقال بعضهم : المراد مقام صدق . وأما المفسرون فلهم أقوال فبعضهم حمل { قدم صدق } على الأعمال الصالحة ؛ وبعضهم حمله على الثواب ، ومنهم من حمله على شفاعة محمد عليه الصلاة والسلام ، واختار ابن الأنباري هذا الثاني وأنشد :
صل لذي العرش واتخذ قدما*** بنجيك يوم العثار والزلل
المسألة السابعة : أن الكافرين لما جاءهم رسول منهم فأنذرهم وبشرهم وأتاهم من عند الله تعالى بما هو اللائق بحكمته وفضله قالوا متعجبين { إن هذا لساحر مبين } أي إن هذا الذي يدعي أنه رسول هو ساحر . والابتداء بقوله : { قال الكافرون } على تقدير فلما أنذرهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ، قال القفال : وإضمار هذا ، غير قليل في القرآن .
المسألة الثامنة : قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي { إن هذا لساحر } والمراد منه محمد صلى الله عليه وسلم ، والباقون { لسحر } والمراد به القرآن .
واعلم أن وصف الكفار القرآن بكونه سحرا يدل على عظم محل القرآن عندهم ، وكونه معجزا . وأنه تعذر عليهم فيه المعارضة ، فاحتاجوا إلى هذا الكلام .
واعلم أن إقدامهم على وصف القرآن بكونه سحرا ، يحتمل أن يكونوا ذكروه في معرض الذم ، ويحتمل أنهم ذكروه في معرض المدح ، فلهذا السبب اختلف المفسرون فيه . فقال بعضهم : أرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر ، ولكنه باطل في الحقيقة ، ولا حاصل له ، وقال أخرون : أرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله ، جار مجرى السحر .
واعلم أن هذا الكلام لما كان في غاية الفساد لم يذكر جوابه ، وإنما قلنا إنه في غاية الفساد ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان منهم ، ونشأ بينهم وما غاب عنهم ، وما خالط أحدا سواهم ، وما كانت مكة بلدة العلماء والأذكياء ، حتى يقال : إنه تعلم السحر أو تعلم العلوم الكثيرة منهم فقدر على الإتيان بمثل هذا القرآن . وإذا كان الأمر كذلك ، كان حمل القرآن على السحر كلاما في غاية الفساد ، فلهذا السبب ترك جوابه .
{ أكَانَ للنَّاسِ عَجَباً } الهمزة لإنكار تعجبهم ولتعجيب السامعين منه لوقوعه في غير محله ، والمراد بالناس كفار العرب ، والتعبير عنهم باسم /الجنس من غير تعرض لكفرهم الذي هو المدار لتعجبهم كما تعرض له فيما بعد لتحقيق ما فيه من الشركة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم وتعيين مدار التعجيب في زعمهم ثم تبيين خطئهم وإظهار بطلان زعمهم بإيراد الإنكار ، واللام متعلقة بمحذوف وقع حالاً من { عجباً } كما هو القاعدة في نعت النكرة إذا تقدم عليها ، وقيل : متعلقة بعجباً بناء على التوسع المشهور في الظروف ، وبعضهم جعلها متعلقة به لا على طريق المفعولية كما قي قوله :
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها . . . بل على طريق التبيين كما في { هيت لك } [ يوسف : 23 ] وسقياً لك ومثل ذلك يجوز تقديمه على المصدر ، وأنت تعلم أن هذا قول بالتعلق بمقدر في التحقيق ، وقيل : إنها متعلقة به لأنه بمعنى المعجب والمصدر إذا كان بمعنى مفعول أو فاعل يجوز تقديم معمولة عليه ، وجوز أيضاً تعلقه بكان وإن كانت ناقصة بناء على جوازه ، و { عجباً } خبر { كان } قدم على اسمها وهو قوله سبحانه : أَنْ أَوْحَيْنَا } لكونه مصب الإنكار والتعجيب وتشويقاً إلى المؤخر ولأن في الاسم ضرب تفصيل ففي تقديمه رعاية للأصل نوع إخلال بتجاوب أطراف النظم الكريم . وقرأ ابن مسعود { عجب } بالرفع على أنه اسم كان وهو نكرة والخبر { عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا } وهو معرفة لأن أن مع الفعل في تأويل المصدر المضاف إلى المعرفة فهو كقول حسان :
كأن سبيئة من بيت رأس . . . يكون مزاجها عسل وماء
وحمله بعضهم على القلب ، وفي قبوله مطلقاً أو إذا تضمن لطيفة خلاف والمعول عليه اشتراط التضمن وهو غير ظاهر هنا ، وحكى عن ابن جني أنه قال : إنما جاز ذلك في البيت من حيث كان عسل وماء جنسين فكأنه قال : يكون مزاجها العسل والماء ، ونكرة الجنس تفيد مفاد معرفته ، ألا ترى أنك تقول : خرجت فإذا أسد بالباب أي فإذا الأسد بالباب لا فرق بينهما لأنك في الموضعين لا تريد أسداً معيناً ، ولهذا لم يجز هذا في قولك : كان قائم أخاك وكان جالس أباك لأنه ليس في جالس وقائم معنى الجنسية التي تتلاقى معنى نكرتها ومعرفتها .
ومعنى الآية على هذا كان الوحي للناس هذا الجنس من الفعل وهو التعجب ، ولا يخفى أن المصدر المتحصل هو المصدر المضاف إلى المعرفة كما سمعت فاعتباره محلى بأل الجنسية خلاف الظاهر . وأجاز بعضهم الإخبار عن المعرفة بالنكرة في باب النواسخ خاصة سواء كان هناك نفي أو ما في حكمه أم لا .
وابن جني يجوز ذلك إذا كان نفي أو ما في حكمه ولا يجوز إذا لم يكن ، وفي الآية قد تقدم الاستفهام الإنكاري على الناسخ وهو في حكم النفي . واختار غير واحد كون كان تامة . و { *عجب } فاعل لها و { عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا } بتقدير حرف جر متعلق بعجب أي لأن أوحينا أو من أن أوحينا أو هو بدل منه بدل كل من كل أو بدل اشتمال ، والإنكار متوجه إلى كونه عجباً لا إلى حدوثه وكون الإبدال في حكم تنحية المبدل منه ليس معناه إهداره بالمرة كما تقرر في موضعه ، واقتصر في اللوامح على أن { لِلنَّاسِ } خبر كان ، وتعقب بأنه ركيك معنى لأنه يفيد إنكار صدوره من الناس لا مطلقاً وفيه ركاكة ظاهرة فافهم ، وإنما قيل : للناس لا عند الناس للدلالة على أنهم اتخذوه أعجوبة لهم وفيه من زيادة تقبيح حالهم ما لا يخفى { إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ } أي إلى بشر من جنسهم كقوله تعالى حكاية : { أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً } [ الإسراء : 94 ] وقوله سبحانه : { لَوْ شَاء رَبُّنَا لاَنزَلَ ملائكة } [ فصلت : 14 ] أو إلى رجل من أفناء رجالهم من حيث المال لا من حيث النسب لأنه صلى الله عليه وسلم كان من مشاهيرهم فيه وكان منه بمكان لا يدفع فهو كقولهم : { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] وفي بعض الآثار أنهم كانوا يقولون : العجب أن الله تعالى لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب والعجب من فرط جهلهم أما في قولهم الأول فحيث لم يعلموا أن بعث الملك إنما يكون عند كون المبعوث إليهم ملائكة كما قال تعالى : { قُل لَوْ كَانَ فِى الارض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً } [ الإسراء : 95 ] وأما عامة البشر فبمعزل عن استحقاق مفاوضة الملائكة لأنها منوطة بالتناسب فبعث الملك إليهم مزاحم للحكمة التي عليها يدور فلك التكوين والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمة بعث الملك من بينهم إلى الخواص المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتعلقين بكلا العالمين الروحاني والجسماني ليتأتى لهم الاستفاضة والإفاضة وهذا تابع للاستعداد الأزلي كما لا يخفى ، وأما في قولهم الثاني فلان مناط الاصطفاء للإيحاء إلى شخص هو التقدم في الاتصاف بما علمت والسبق في إحراز الفضائل وحيازة الملكات السنية جبلة واكتساباً ، ولا ريب لأحد في أن للنبي صلى الله عليه وسلم القدح المعلى من ذلك بل له عليه الصلاة والسلام فيه غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية يقول رائيه :
وأحسن منك لم تر قط عيني . . . ومثلك قط لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عيب . . . كأنك قد خلقت كما تشاء
ولو صورت نفسك لم تزدها . . . على ما فيك من كرم الطباع
وأما التقدم في الرياسة الدنيوية والسبق في نيل الحظوظ الدنية فلا دخل له في ذلك قطعاً بل له إخلال به غالباً ، وما أحسن قول الشافعي رضي الله تعالى عنه من أبيات :
لكن من رزق الحجا حرم الغنى . . . ضدان مفترقان أي تفرق
وما ذكروه من اليتم أن رجع إلى ما في الآية على التوجيه الثاني فبطلانه بطلانه وإن أرادوا أن أصل اليتم مانع من الإيحاء إليه صلى الله عليه وسلم فهو أظهر بطلاناً وأوضح هذياناً وما ألطف ما قيل إن أنفس الدر يتيمه ، وقيل للحسن : لم جعل الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم يتيماً ؟ فقال : لئلا يكون لمخلوق عليه منة فإن الله سبحانه هو الذي آواه وأدبه ورباه صلى الله عليه وسلم هذا والوجه الثاني من الوجهين السابقين في قوله سبحانه : { إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ } على الوجه الذي ذكرناه هو الذي أراده صاحب الكشاف ولم يرتضه الجلال السيوطي وزعم أن التحامي عنه أولى ، ثم قال : والذي عندي في تفسير ذلك أن المراد إلى مشهور بينهم يعرفون نسبه وجلالته وأمانته وعفته كما قال سبحانه : في آخر السورة التي قبل { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } [ التوبة : 128 ] فإن هذا هو محل إنكار العجب ويكون هذا وجه مناسبة وضع هذه السورة بعد تلك واعتلاق أول هذه بآخر تلك ، ونظيره { وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ } [ النحل : 113 ] { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } [ البقرة : 129 ] إلى آخر ما قال ، وتعقب بأنه غير ظاهر لأنه وإن كان أعظم مما ذكر لكن السياق يقتضي بيان كفرهم وتذليلهم وتحقير من أعزه الله تعالى وعظمه والذي يقتضيه سبب النزول تعين الوجه الأول هنا . فقد أخرج ابن جرير . وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا : الله تعالى أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد عليه الصلاة والسلام فأنزل سبحانه { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ } الآية ، وقوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } [ النحل : 43 ] الآية .
/ فلما كرر الله سبحانه عليهم الحجج قالوا : وإذا كان بشراً فغير محمد صلى الله عليه وسلم كان أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فأنزل الله تعالى رداً عليهم { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } [ الزخرف : 32 ] الآية ومنه يعلم أن ما حكى في الوجه الثاني سبب لنزول آية أخرى { أَنْ أَنذِرِ الناس } أي أخبرهم بما فيه تخويف لهم مما يترتب على فعل ما لا ينبغي ، والمراد به جميع الناس الذين يمكنه عليه الصلاة والسلام تبليغهم ذلك لا ما أريد بالناس أولاً وهو النكتة في إيثار الإظهار على الإضمار ، وكون الثاني عين الأول عند إعادة المعرفة ليس على الإطلاق ، و { ءانٍ } هي المفسرة لمفعول الإيحاء المقدر وقد تقدم عليها ما فيه معنى القول دون حروفه وهو الإيحاء أو هي المخففة من المثقلة على أن اسمها ضمير الشأن ، والجملة الأمرية خبرها وفي وقوعها خبر ضمير الشأن دون تأويل وتقدير قول اختلاف ، فذهب صاحب الكشف إلى أنه لا يحتاج إلى ذلك لأن المقصود منها التفسير وخالفه غير واحد في ذلك وذهبوا إلى أنه لا فرق بين خبره وخبر غيره .
وقال بعضهم : هي المصدرية الخفيفة في الوضع بناءً على أنها توصل بالأمر والنهي والكثير على المنع ، وذكر أبو حيان هذا الاحتمال هنا مع أنه نقل عنه في «المغني » أن مذهبه المنع لما أنه يفوت معنى الأمر إذا سبك بالمصدر .
واعترض بأنه يفوت معنى المضي والحالية والاستقبال المقصود أيضاً مع الاتفاق على جواز وصلها بما يدل على ذلك ، وأجيب بأنه قد يقال : بأن بينهما فرقاً فإن المصدر يدل على الزمان التزاماً فقد تنصب عليه قرينة فلا يفوت معناه بالكلية بخلاف الأمر والنهي فإنه لا دلالة للمصدر عليهما أصلاً . وقال بعض المدققين : إن المصدر كما يجوز أخذه من جوهر الكلمة يجوز أخذه من الهيئة وما يتبعها فيقدر في هذا ونحوه أوحينا إليه الأمر بالإنذار كما قدر في أن لا تزني خير عدم الزنا خير ، ولا يخفى أن هذا البحث يجري في أن المخففة من الثقيلة لأنها مصدرية أيضاً وأن أقل الاحتمالات مؤنة احتمال التفسير { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } بما أوحيناه إليك وصدقوه { أَنَّ لَهُمْ } أي بأن لهم { قَدَمَ صِدْقٍ } أي سابقة ومنزلة رفيعة { عِندَ رَبّهِمْ } وأصل القدم العضو المخصوص ، وأطلقت على السبق مجازاً مرسلاً لكونها سببه وآلته وأريد من السبق الفضل والشرف والتقدم المعنوي إلى المنازل الرفيعة مجازاً أيضاً فالمجاز هنا بمرتبتين ، وقيل : المراد تقدمهم على غيرهم في دخول الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة " وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها أنا وعلى الأمم حتى تدخلها أمتي " وقيل : تقدمهم في البعث وأصل الصدق ما يكون في الأقوال ويستعمل كما قال الراغب في الأفعال فيقال : صدق في القتال إذا وفاه حقه وكذا في ضده يقال : كذب فيه فيعبر به عن كل فعل فاضل ظاهراً وباطناً ويضاف إليه كمقعد صدق ومدخل صدق ومخرج صدق إلى غير ذلك ، وصرحوا هنا بأن الإضافة من إضافة الموصوف إلى صفته ، والأصل قدم صدق أي محققة مقررة ، وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق ثم جعل الصدق كأنه صاحبها ، ويحتمل أن تكون الإضافة من إضافة المسبب إلى السبب وفي ذلك تنبيه على أن ما نالوه من المنازل الرفيعة كان بسبب صدق القول والنية .
وقال بعضهم : إن هذا التنبيه قد يحصل على الاعتبار الأول لأن الصدق قد تجوز به عن توفية الأمور الفاضلة حقها للزوم الصدق لها حتى كأنها لا توجد بدونه ويكفي مثله في ذلك التنبيه وهذا كما قالوا : أن أبا لهب يشير إلى أنه جهنمي وفيه خفاء كما لا يخفى . ويجوز إلى يراد بالقدم المقام بإطلاق الحال وإرادة المحل ، وعن الأزهري أن القدم الشيء الذي تقدمه قدامك ليكون عدة لك حين تقدم عليه ويشعر بأنه اسم مفعول وبه صرح بعضهم وقال إنه كالنقض ، وقيل : إنه اسم للحسنى من العبد كما أن اليد اسم للحسنى من السيد وفعلوا ذلك للفرق بين العبد والسيد وهو من الغرابة بمكان ، ولا يكاد يصح في قول ذي الرمة :
لكم قدم لا ينكر الناس أنها . . . مع الحسب العادي طمت على البحر
وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة . . . لهم قدم معروفة في المفاخر
والسبق هو الأسبق إلى الذهن في ذلك وكذا في قول حسان :
لنا القدم العليا إليك وخلفنا . . . لأولنا في طاعة الله تابع
صل لذي العرض واتخذ قدما . . . تنجيك يوم العثار والزلل
محتمل لسائر المعاني وهل يطلق على سابقة السوء أولاً الظاهر الأول وقد نص على ذلك أبو عبيدة . والكسائي .
وقال صاحب الانتصاف لم يسموا سابقة السوء قدماً إما لكون المجاز لا يطرد وإما لأنه غلب في العرف على سابقة الخير وفيه نظر ، وتفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما له بالأجر وابن مسعود بالعمل لا يخرج عما ذكرنا من معانيه ، وكذا تفسير علي كرم الله تعالى وجهه . وأبي سعيد الخدري . والحسن . وزيد بن أسلم له برأس الموجودات محمد صلى الله عليه وسلم يرجع إلى تفسيره بالخير والسعادة كما قاله جمع ، وكونه صلى الله عليه وسلم خيراً وسعادة للمؤمنين ما لا يمتري فيه مؤمن ، أو يقال : إن المراد شفاعته صلى الله عليه وسلم والأمر في ذلك حينئذٍ في غاية الظهور وخص التبشير بالمؤمنين لأنه لا يتعلق بالكفار وتبشيرهم أن آمنوا راجع إلى تبشير المؤمنين وهذا بخلاف الإنذار فإنه يتعلق بالمؤمن والكافر ولذلك ذكره سبحانه ولم يذكر جل وعلا المنذر به للتعميم والتهويل ، وذكر المبشر به على الوجه الذي ذكره لتقوى رغبة المؤمنين فيما يؤديهم إليه ، وقدم الإنذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على التحلية وإزالة ما لا ينبغي مقدمة في الرتبة على فعل ما ينبغي .
{ قَالَ الكافرون } هم المتعجبون وإيرادهم بهذا العنوان على بابه ، وترك العاطف لجريانه مجرى البيان للجملة التي دخل عليها همزة الإنكار أو لكونه استئنافاً مبنياً على السؤال كأنه قيل : ماذا صنعوا بعد التعجب هل بقوا على التردد والاستبعاد أو قطعوا فيه بشيء ؟ فقيل : قال الكافرون على طريقة التأكيد { إِنَّ هَذَا } أي ما أوحى إليه صلى الله عليه وسلم من الكتاب المنطوي على الإنذار والتبشير ، وزعم الخازن أن في الكلام حذفاً أي أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر وبشر فلما جاءهم بالوحي وأنذرهم قال الكافرون إن هذا { لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } أي ظاهر .
وقرأ ابن كثير . والكوفيون { لساحر } على أن الإشارة إلى رجل وعنوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قراءة أبي { مَا هذا إِلاَّ سِحْرٌ * مُّبِينٌ } وأرادوا بالسحر الحاصل بالمصدر ، وفي هذا اعتراف بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ولكنهم يسمونه بما قالوا تمادياً في العناد كما هو شنشنة المكابر اللجوج ونشنشة المفحم المحجوج .
ومن باب الإشارة : { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ } إنكار لتعجبهم من سنة الله الجارية وهي الإيحاء إلى رجل ، وكان ذلك لبعدهم عن مقامهم وعدم مناسبة حالهم لحاله ومنافاة ما جاء به لما اعتقدوه { أَنْ أَنذِرِ الناس } أي خوفهم من أن يشركوا بي شيئاً { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ } سابقة عظيمة وقربة ليس لأحد مثلها ، وقيل : سابقة رحمة أودعها في محمد صلى الله عليه وسلم { قَالَ الكافرون } أي المحجوبون عن الله تعالى { إِنَّ هَذَا } أي الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم { لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } [ يونس : 2 ] لما رأوه خارجاً عن قدرهم واحتجبوا بالشيطنة عن الوقوف على حقيقة الحال قالوا ذلك .