فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ} (2)

الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه . و { أَنْ أَوْحَيْنَا } اسم كان ، وعجباً : خبرها . وقرأ ابن مسعود : «عجب » فجعله اسماً وهو نكرة و { أَنْ أَوْحَيْنَا } خبراً وهو معرفة ، كقوله :

يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ ***

والأجود أن تكون «كان » تامة ، وأن أوحينا بدلاً من عجب . فإن قلت : فما معنى اللام في قوله : { كَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } ؟ وما هو الفرق بينه وبين قولك : أكان عند الناس عجباً ؟ قلت : معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها ، ونصبوه علماً لهم يوجهون نحوه استهزائهم وإنكارهم ، وليس في عند الناس هذا المعنى ، والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر ، وأن يكون رجلاً من أفناء رجالهم ، دون عظيم من عظمائهم ، فقد كانوا يقولون : العجب أنّ الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلاّ يتيم أبي طالب ، وأن يذكر لهم البعث وينذر بالنار ويبشر بالجنة ، وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب ، لأنّ الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلاّ بشر مثلهم . وقال الله تعالى : { قُل لَوْ كَانَ فِى الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً } [ الإسراء : 95 ] وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب أيضاً ، لأنّ الله تعالى : إنما يختار من استحق الاختيار ، لجمعه أسباب الاستقلال بما اختير له من النبوّة . والغنى والتقدم في الدنيا ليس من تلك الأسباب في شيء { وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى } [ سبأ : 37 ] والبعث للجزاء على الخير والشرّ هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجباً ؟ إنما العجب العجيب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء { أَنْ أَنذِرِ الناس } أن هي المفسرة ؛ لأنّ الإيحاء فيه معنى القول : ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة ، وأصله : أنه أنذر الناس ، على معنى : أن الشأن قولنا أنذر الناس . و { أَنَّ لَهُمْ } الباء معه محذوف { قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ } أي سابقة وفضلاً ومنزلة رفيعة . فإن قلت : لم سميت السابقة قدماً ؟ قلت : لما كان السعي والسبق بالقدم ، سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدماً ، كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد . وباعاً لأنّ صاحبها يبوع بها ، فقيل : لفلان قدم في الخير . وإضافته إلى صدق دلالة على زيادة فضل ، وأنه من السوابق العظيمة ، وقيل : مقام صدق { إِنَّ هَذَا } إن هذا الكتاب وما جاء به محمد { لسحر } ومن قرأ : «لساحر » فهذا إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو دليل عجزهم واعترافهم به وإن كانوا كاذبين في تسميته سحراً ، وفي قراءة أبيّ : «ما هذا إلاّ سحر » .