قوله تعالى : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ، ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحق إن ربي لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } .
اعلم أنه سبحانه وتعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب في دعائه أمورا سبعة :
المطلوب الأول : طلب من الله نعمة الأمان وهو قوله : { رب اجعل هذا البلد آمنا } والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به ، وسئل بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة ؟ فقال : الأمن أفضل ، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان ، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناوله إلى أن تموت ، وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد .
والمطلوب الثاني : أن يرزقه الله التوحيد ، ويصونه عن الشرك ، وهو قوله : { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } .
والمطلوب الثالث : قوله : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم } فقوله : { من ذريتي } أي بعض ذريتي وهو إسمعيل ومن ولد منه { بواد } هو وادي مكة { غير ذي زرع } أي ليس فيه شيء من زرع ، كقوله : { قرآنا عربيا غير ذي عوج } بمعنى لا يحصل فيه اعوجاج عند بيتك المحرم ، وذكروا في تسميته المحرم وجوها : الأول : أن الله حرم التعرض له والتهاون به ، وجعل ما حوله حرما لمكانه . الثاني : أنه كان لم يزل ممتنعا عزيزا يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب . الثالث : سمي محرما لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه . الرابع : أنه حرم على الطوفان أي امتنع منه كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه فلم يستعل عليه . الخامس : أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل . السادس : حرم موضع البيت حين خلق السموات والأرض وحفه بسبعة من الملائكة ، وهو مثل البيت المعمور الذي بناه آدم ، فرفع إلى السماء السابعة . السابع : حرم على عباده أن يقربوه بالدماء والأقذار وغيرها : روي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت له إسماعيل عليه السلام ، فقالت سارة : كنت أرجو أن يهب الله لي ولدا من خليله فمنعنيه ورزقه خادمتي ، وقالت لإبراهيم : أبعدهما مني فنقلهما إلى مكة وإسماعيل رضيع ، ثم رجع فقالت هاجر : إلى من تكلنا ؟ فقال إلى الله . ثم دعا الله تعالى بقوله : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد } إلى آخر الآية ثم أنها عطشت وعطش الصبي فانتهت بالصبي إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عينا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« رحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينا معينا » ثم إن إبراهيم عليه السلام عاد بعد كبر إسماعيل واشتغل هو مع إسماعيل برفع قواعد البيت . قال القاضي : أكثر الأمور المذكورة في هذه الحكاية بعيدة لأنه لا يجوز لإبراهيم عليه السلام أن ينقل ولده إلى حيث لا طعام ولا ماء مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول سارة . إلا إذا قلنا : إن الله أعلمه أنه يحصل هناك ماء وطعام ، وأقول : أما ظهور ماء زمزم فيحتمل أن يكون إرهاصا لإسماعيل عليه السلام ، لأن ذلك عندنا جائز خلافا للمعتزلة وعند المعتزلة أنه معجزة لإبراهيم عليه السلام .
ثم قال : { ربنا ليقيموا الصلاة } واللام متعلقة بأسكنت أي أسكنت قوما من ذريتي ، وهم إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه ليقيموا الصلاة .
ثم قال : { فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم } وفيه مباحث :
البحث الأول : قال الأصمعي هوى يهوي هويا بالفتح إذا سقط من علو إلى سفل . وقيل : { تهوي إليهم } تريدهم ، وقيل : تسرع إليهم . وقيل : تنحط إليهم وتنحدر إليهم وتنزل ، يقال : هوى الحجر من رأس الجبل يهوي إذا انحدر وانصب ، وهوى الرجل إذا انحدر من رأس الجبل .
البحث الثاني : أن هذا الدعاء جامع للدين والدنيا . أما الدين فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى الذهاب إلى تلك البلدة بسبب النسك والطاعة لله تعالى . وأما الدنيا : فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى نقل المعاشات إليهم بسبب التجارات ، فلأجل هذا الميل يتسع عيشهم ، ويكثر طعامهم ولباسهم .
البحث الثالث : كلمة { من } في قوله : { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } تفيد التبعيض ، والمعنى : فاجعل أفئدة بعض الناس مائلة إليهم . قال مجاهد : لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند . وقال سعيد بن جبير : لو قال أفئدة الناس ، لحجت اليهود والنصارى المجوس ، ولكنه قال : { أفئدة من الناس } فهم المسلمون .
ثم قال : { وارزقهم من الثمرات } وفيه بحثان :
البحث الأول : أنه لم يقل : وارزقهم الثمرات ، بل قال : { وارزقهم من الثمرات } وذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء إيصال بعض الثمرات إليهم .
البحث الثاني : يحتمل أن يكون المراد بإيصال الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات وإنما يكون المراد : عمارة القرى بالقرب منها لتحصيل الثمار منها .
ثم قال : { لعلهم يشكرون } وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات ، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلوات وأداء الواجبات .
{ رَبَّنَا } قال في «البحر » كرر النداء رغبة في الإجابة والالتجاء إليه تعالى ، وأتى بضمير الجماعة لأنه تقدم ذكره عليه السلام وذكر بنيه في قوله : { واجنبنى وَبَنِىَّ } [ إبراهيم : 35 ] وتعقب بأن ذلك يقتضي ضمير الجماعة في { رَبّ إِنَّهُنَّ } [ إبراهيم : 36 ] الخ مع أنه جيء فيه بضمير الواحد ، فالوجه إن ذلك لأن الدعاء المصدر به وما هو بصدد تمهيد مبادىء إجابته من قوله : { إِنَّى أَسْكَنتُ } الخ متعلق بذريته ، فالتعرض لوصف ربوبيته تعالى لهم أدخل في القبول وإجابة المسؤول ، والتأكيد لمزيد الاعتناء فيما قصده من الخبر { وَمِنْ } في قوله { مِن ذُرّيَّتِى } بمعنى بعض وهي في تأويل المفعول به أي أسكنت بعض ذريتي ، ويجوز أن يكون المفعول محذوفاً والجار والمجرور صفته سدت مسده أي أسكنت ذرية من ذريتي { وَمِنْ } تحتمل التبعيض والتبيين . وزعم بعضهم أن { مِنْ } زائدة على مذهب الأخفش لا يرتضيه سليم البصيرة كما لا يخفى ، والمراد بالمسكن إسمعيل عليه السلام ومن سيولد له فإن إسكانه حيث كان على وجه الاطمئنان متضمن لإسكانهم ، والداعي للتعميم على ما قيل قوله الآتي : { لِيُقِيمُواْ } الخ ، ولا يخفى أن الإسكان له حقيقة ولأولاده مجاز ، فمن لم يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز يرتكب لذلك عموم المجاز ، وهذا الإسكان بعدما كان بينه عليه السلام وبين أهله ما كان .
وذلك أن هاجر أم إسمعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها من إبراهيم عليه السلام فلما ولدت له إسمعيل غارت فلم تقاره على كونه معها فأخرجها وابنها إلى أرض مكة فوضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلا المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى منطلقاً فتبعته هاجر فقالت : يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء قالت له ذلك مراراف وجعل لا يلتفت إليها فقالت له : آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم( {[494]} ) قالت : إذن لا يضيعنا ثم رجعت ، وانطلق عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت وكان إذ ذاك مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال : { رَبّ إِنّى أَسْكَنتُ * إلى * لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } ثم أنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما في السقاء حتى إذا نفد عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر فهبطت حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزته ثم أتت المروءة فقامت عليها ونظرت هل ترىء أحداً فلم تر ففعلت ذلك سبع مرات ولذلك سعى الناس بينهما سبعاً ، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت : صه تريد نفسه ثم تسمعت فسمعت أيضاً فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتغرف منه في سقائها وهو يفور فشربت وأرضعت ولدها وقال لها الملك : لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيت الله تعالى يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله سبحانه لا يضيع أهله ، ثم أن مرت بهما رفقة من جرهم فرأوا طائراً عائفاً فقالوا : لا طير إلا على الماء فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده ، فقالوا : أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت ، فلما أدرك إسماعيل عليه السلام زوجوه أمرأة منهم وتمام القصة في كتب السير .
{ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } وهو وادي مكة شرفها الله تعالى ، ووصفه بذلك دون غير مزروع للمبالغة لأن المعنى ليس صالحاً للزرع ، ونظيره قوله تعالى : { قُرْءاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } [ الزمر : 28 ] وكان ذلك لحجريته ، قال ابن عطية : وإنما لم يصفه عليه السلام بالخلو عن الماء مع أنه حاله إذ ذاك لأنه كان علم أن الله تعالى لا يضيع إسماعيل عليه السلام وأمه في ذلك الوادي وأنه سبحانه يرزقهما الماء فنظر عليه السلام النظر البعيد ، وقال أبو حيان بعد نقله وقد يقال : إن انتفاء كونه ذا زرع مستلزم لانتفاء الماء إذ لا يمكن أن يوجد زرع إلا حيث الماء فنفى ما يتسبب عن الماء وهو الزرع لانتفاء سببه وهو الماء اه ، وقال بعضهم : إن طلب الماء لم يكن مهماً له عليه السلام لما أن الوادي مظنة السيول والمحتاج للماء يدخر منها ما يكفيه وكان المهم له طلب الثمرات فوصف ذلك بكونه غير صالح للزرع بياناً لكمال الافتقار إلى المسؤول فتأمل .
{ عِندَ بَيْتِكَ المحرم } ظرف لأسكنت كقولك : صليت بمكة عند الركن ، وزعم أبو البقاء أنه صفة { وَادٍ } أو بدل منه ، واختار بعض الأجلة الأول إذ المقصود إظهار كون ذلك الإسكان مع فقدان مباديه لمحض التقرب إلى الله تعالى والالتجاء إلى جواره الكريم كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الحرمة المؤذن بعزة الملتجأ وعصمته عن المكاره ، فإنهم قالوا : معنى كون البيت محرماً أن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به أو أنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه الجبابرة في كل عصر أو لأنه منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذا سمي عتيقاً على ما قيل( {[495]} ) ، وأبعد من قال إنه سمي محرماً لأن الزائرين يحرمون على أنفسهم عند زيارته أشياء كانت حلالاً عليهم ، وسماه عليه السلام بيتاً باعتبار ما كان فإنه كان مبنياً قبل ، وقيل : باعتبار ما سيكون بعد وهو ينزع إلى اعتبار عنوان الحرمة كذلك .
{ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة } أي لأن يقيموا ، فاللام جارة والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها ، والجار والمجرور متعلق بأسكنت المذكور ، وتكرير النداء وتوسيطه لإظهار كمال العناية بإقامة الصلاة فإنها عماد الدين ولذا خصها بالذكر من بين سائر شعائره ، والمعنى على ما يقتضيه كلام غير واحد على الحصر أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقغ الخالي من كل مرتفق ومرتزق إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع مستسعدين بجوارك الكريم متقربين إليك بالعكوف عند بيتك والطواف به والركوع والسجود حوله مستنزلين رحمتك التي آثرت بها سكان حرمك .
وهذا الحصر على ما ذكروا مستفاد من السياق فإنه عليه السلام لما قال : { بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } نفى أن يكون إسكانهم للزراعة ولما قال : { عِندَ بَيْتِكَ المحرم } أثبت أنه مكان عبادة فلما قال : { لِيُقِيمُواْ } أثبت أن الإقامة عنده عبادة وقد نتفى كونها للكسب فجاء الحصر مع ما في { رَبَّنَا } من الإشارة إلى أن ذلك هو المقصود .
وعن مالك أن التعليل يفيد الحصر ، فقد استدل بقوله تعالى : { لِتَرْكَبُوهَا } [ النحل : 8 ] على حرمة أكلها وفي «الكشف » أن استفادة الحصر من تقدير محذوف مؤخر يتعلق به الجار والمجرور أي ليقوموا أسكنتهم هذا الإسكان ، أخبر أولاً أنه أسكنهم ، بواد قفر فأدمج فيه حاجتهم إلى الوافدين وذكر وجه الإيثار لشرف الجوار بقوله : { عِندَ بَيْتِكَ المحرم } ثم صر ثانياً بأنه إنما آثر ذلك ليعمروا حرمك المحرم وبنى عليه الدعاء الآتي ، ومن الدليل على أنه غير متعلق بالمذكور تخلل { رَبَّنَا } ثانياً بين الفعل ومتعلقه وهذا بين ولا وجه لاستفادة ذلك من تكرار { رَبَّنَا } إلا من هذا الوجه اه ، واختار بعضهم ما ذكرنا أولاً في وجه الاستفادة وقال : إنه معنى لطيف ولا ينافيه الفصل بالنداء لأنه اعتراض لتأكيد الأول وتذكيره فهو كالمنبه عليه فلا حاجة إلى تعلق الجار بمحذوف مؤخر واستفادة الحصر من ذلك ، وهو الذي ينبغي أن يعول عليه ، ويجعل النداء مؤكداً للأول يندفع ما قيل : إن النداء له صدر الكلام فلا يتعلق ما بعده بما قبله فلا بد من تقدير متعلق ، ووجه الاندفاع ظاهر ، وقيل : اللام لام الأمر والفعل مجزوم بها ، والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من الله تعالى أن يوفقهم لها ولا يخفى بعده ، وأبعد منه ما قاله أبو الفرج بن الجوزي : أن اللام متعلقة بقوله : { اجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصنام } [ إبراهيم : 35 ] وفي قوله : { لِيُقِيمُواْ } بضمير الجمع على ما في «البحر » دلالة على أن الله تعالى أعلمه بأن ولده إسماعيل عليه السلام سيعقب هنالك ويكون له نسل { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس } أي أفئدة من أفئدتهم { تَهْوِى إِلَيْهِمْ } أي تسرع إليهم شوقاً ووداداً فمن للتبعيض ، ولذا قيل : لو قال عليه السلام : أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم ، وهو مبني على الظاهر من إجابة دعائه عليه السلام وكون الجمع المضاف يفيد الاستغراق .
وروى عن ابن جبير أنه قال : لو قال عليهم السلام : أفئدة الناس لحجت البيت اليهود والنصارى .
وتعقب بأنه غير مناسب للمقام إذ المسؤول توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم لا توجيهها إلى البيت للحج وإلا لقيل تهوى إليه فإنه عين الدعاء بالبلدية قد حكى بعبارة أخرى اه . وأنت تعلم أنه لا منافاة بين الشرطية في المروى وكون المسؤول توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم ، وقد جاء نحو تلك الشرطية عن ابن عباس ، ومجاهد كما في «الدر المنثور » . وغيره ، على أن بعضهم جعل هذا دعاء بتوجيه القلوب إلى البيت .
فقد أخرج ابن أبي شيبة . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن الحكم قال : سألت عكرمة . وطاوساً . وعطاء بن أبي رباح عن هذه الآية { فاجعل } إلى آخره فقالوا : البيت تهوى إليه قلوبهم يأتونه ، وفي لفظ قالوا : هواهم إلى مكة أن يحجوا ؛ نعم هو خلاف الظاهر ، وجوز أن تكون { مِنْ } للابتداء كما في قولك : القلب منه سقيم تريد قلبه فكأنه قيل : أفئدة ناس ، واعترضه أبو حيان بأنه لا يظهر كونها للابتداء لأنه لا فعل هنا يبتدأ فيه لغاية ينتهي إليها إذ لا يصح ابتداء جعل أفئدة من الناس . وتعقبه بعض الأجلة بقوله : وفيه بحث فإن فعل الهوى للأفئدة يبتدأ به لغاية ينتهي إليها ، ألا يرى إلى قوله : { إِلَيْهِمُ } وفيه تأمل اه وكأن فيه إشارة إلى ما قيل : من أن الابتداء في { مِنْ } الإبتدائية إنما هو من متعلقها لا مطلقاً ، وإن جعلناها متعلقة بتهوى لا يظهر لتأخيره ولتوسيط الجار فائدة ، وذكر مولانا الشهاب في توجيه الابتداء وترجيحه على التبعيض كلاماً لا يخلو عن بحث فقال : اعلم أنه قال في الإيضاح أنه قد يكون القصد إلى الابتداء دون أن يقصد انهاء مخصوص إذ كان المعنى لا يقتضي إلا بالمبتدأ منه كأعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم ، وزيد أفضل من عمرو .
وقد قيل : إن جميع معاني { مِنْ } دائرة على الابتداء ، والتبعيض هنا لا يظهر فيه فائدة كما في قوله : { وَهَنَ العظم مِنّى } [ مريم : 4 ] فإن كون قلب الشخص وعظمه بعضاً منه معنى مكشوف غير مقصود بالإفادة فلذا جعلت للإبتداء والظرف مستقر للتفخيم كأن ميل القلب نشأ من جملته مع أن ميل جملة كل شخص من جهة قلبه كما أن سقم قلب العاشق نشأ منه مع أنه إذا صلح صلح البدن كله ، وإلى هذا نحا المحققون من «شراح الكشاف » لكنه معنى غامض فتدبر ، والأفئدة مفعول أول لا جعل وهو جمع فؤاد وفسروه على ما في «البحر » .
وغيهر بالقلب لكن يقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفؤد أي التوقد ، يقال : فأدت اللحم أي شويته ولحم فئيد أي مشوي ، وقيل : الأفئة هنا القطع من الناس بلغة قريش وإليه ذهب ابن بحر ، والمفعول الثاني جملة { تَهْوَى } وأصل الهوى الهبوط بسرعة وفي كلام بعضهم السرعة ، وكان حقه أن يعدي باللام كما في قوله :
حتى إذا ما هوت كف الوليد لها . . . طارت وفي كفه من ريشها تبك
وإنما عدى بإلى لتضمينه معنى الميل كما في قوله :
تهوى إلى مكة تبغي الهدى . . . ما مؤمن الجن كأنجاسها
ولما كان ما تقدم كالمبادى لإجابة دعائه عليه السلام وإعطاء مسؤوله جاء بالفاء في قوله : { فاجعل } إلى آخره وقرأ هشام { *أفئيدة } بياء بعد الهمزة نص عليه الحلواني عنه ، وخرج ذلك على الإشباع كما في قوله :
أعوذ بالله من العقراب . . . الشائلات عقد الأذناب
ولما كان ذلك لا يكون إلا في ضرورة الشعر عند بعضهم قالوا : إن هشاماً قرأ بتسهيل الهمزة كالياء فعبر عنها الراوي بالياء فظن من أخطأ فهمه أنها بياء بعد الهمزة ، والمراد بياء عوضاً من الهمزة . وتعقب ذلك الحافظ أبو عمرو الداني بأن النقلة عن هشام كانوا من أعلم الناس بالقراءة ووجوهها فهم أجل من أن يعتقد فيهم مثل ذلك . وقرىء { *آفدة } على وزن ضاربة وفيه احتمالان . أحدهما : أن يكون قدمت فيه الهمزة على الفاء فاجتمع همزتان ثانيتهما : ساكنة فقبلت ألفاً فوزنه أعفلة كما قيل في أدور جمع دار قلبت فيه الواو المضمومة همزة ثم قدمت وقلبت ألفاً فصار آدر . وثانيهما : أنه اسم فاعل من أفد يأفد بمعنى قرب ودنا ويكون بمعنى عجل ، وهو صفة لمحذوف أي جماعة أو جماعات آفدة . وقرىء { *أفدة } بفتح الهمزة من غير مد وكسر الفاء بعدها دال ، وهو أما صفة من أفد بوزن خشنة فكيون بمعنى إفدة في القراءة الأخرى أو أصله أفئدة فنقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها ثم طرحت وهو وجه مشهور عند الصرفيين والقراء .
قال الأولون : إذا تحركت الهمزة بعد ساكن صحيح تبقى أو تنقل حركتها إلى ما قبلها وتحذف ، ولا يجوز جعلها بين بين لما فيه من شبه التقاء الساكنين ، وقال صاحب النشر من الآخرين : الهمزة المتحركة بعد حرف صحيح ساكن كمسؤول وأفئدة وقرآن وظمآنان فيها وجه واحد وهو النقل وحكى وجه ثان وهو بين بين وهو ضعيف جداً وكذا قال غيره منهم ، فما قيل : إن الوجه إخراجها بين بين ليس بالوجه . وقرأت أم الهيثم { *أفودة } بالواو المكسورة بدل الهمزة ، قال «صاحب اللوامح » : وهو جمع وفد ، والقراءة حسنة لكني لا أعرف هذه المرأة بل ذكرها أبو حاتم اه .
وقال أبو حيان : يحتمل أنه أبدل الهمزة في فؤاد ثم جمع وأقرت الواو في الجمع إقرارها في المفرد أو هو جمع وفد كما قال صاحب اللوامح وقلب إذ الأصل أوفدة ، وجمع فعل على أفعلة شاذ . ونجد وأنجدة ووهى وأوهية ، وأم الهيثم امرأة نقل عنها شيء من لغات العرب . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { *إفادة } على وزن إمارة ويظهر أن الهمزة بدل من الواو المكسورة كما قالوا : إشاح في وشاح فالوزن فعالة أي فاجعل ذوي وفادة ، ويجوز أن يكون مصدر أفاد إفادة أي ذوي إفادة وهم الناس الذين يفيدون وينتفع بهم . وقرأ مسلمة بن عبد الله { وَمَا تَهْوَى } بضم التاء مبنياً للمفعول من أهوى المنقول بهمزة التعدية منهوى اللازم كأنه قيل : يسرع بها إليهم . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وجماعة من أهله . ومجاهد { تَهْوَى } مضارع هو بمعنى أحب ، وعدى بإلى لما تقدم { وارزقهم } أي ذريتي الذين أسكنتهم هناك . وجوز أن يريدهم والذين ينحازون إليهم من الناس ، وإنما لم يخص عليه السلام الدعاء بالمئمنين منهم كما في قوله : { وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله واليوم الاخر } [ البقرة : 126 ] اكتفاء على ما قيل بذكر إقامة الصلاة .
{ مِنَ الثمرات } من أنواعها بأن تجعل بقربهم قرى يحصل فيها ذلك أو تجبى إليهم من الأقطار الشاسعة وقد حصل كلا الأمرين حتى أنه يجتمع في مكة المكرمة البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد . أخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم الطائفي أن الطائفي كانت من أرض فلسطين فلما دعا إبراهيم عليه السلام بهذه الدعوة رفعها الله تعالى ووضعها حيث وضعها رزقاً للحرم . وفي رواية أن جبريل عليه السلام اقتلعها فجاء وطاف بها حول البيت سبعاً ولذا سميت الطائف ثم وضعها قريب مكة . وروى نحو ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري أن الله تعالى نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم عليه السلام . والظاهر أن إبراهيم عليه السلام لم يكن مقصوده من هذا الدعاء نقل أرض منبتة من فلسطين أو قرية من قرى الشام وإنما مقصوده عليه السلام أن يرزقهم سبحانه من الثمرات وهو لا يتوقف على النقل ، فلينظر ما وجه الحكمة فيه ، وأنا لست على يقين من صحته ولا أنكر والعياذ بالله تعالى أن الله جل وعلا على كل شيء قدير وأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } تلك النعمة بإقامة الصلاة وإداء سائر مراسم العبودية واستدل به على أن تحصيل منافع الدنيا إنما هي ليستعان بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات ، ولا يخفى ما في دعائه عليه السلام من مراعاة حسن الأدب والمحافظة على قوانين الضراعة وعرض الحاجة واستنزال الرحمة واستجلاب الرأفة ، ولذا من عليه بحسن القبول وإعطاء المسؤول ، ولا بدع في ذلك من خليل الرحمن عليه السلام .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم } قيل : إن من عادة الله تعالى أن يبتلى خليله بالعظائم لينزعه عن نفسه وعن جميع الخليقة لئلا يبقى بينه وبينه حجاب من الحدثان ، فلذا أمر جل شأنه هذا الخليل أن يسكن من ذريته في وادي الحرم بلا ماء ولا زاد لينقطع إليه ولا يعتمد إلا عليه عز وجل ، وناداه باسم الرب طمعا في تربية عياله وأهله بألطافه وإيوائهم إلى جوار كرامته { ربنا ليقيموا الصلاة } التي يصل العبد بها إليك ويكون مرآة تجليك { فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم } تميل بوصف الإرادة والمحبة ليسلكوهم إليك ويدلوهم عليك ، قال ابن عطاء من انقطاع عن الخلق بالكلية صرف الله تعالى إليه وجوه الخلق وجعل مودته في صدورهم ومحبته في قلوبهم ، وذلك من دعاء الخليل عليه السلام لم قطع أهله عن الخلق والأسباب قال : { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ وارزقهم مّنَ الثمرات } قيل : أي ثمرات طاعتك وهي المقامات الرفيعة والدرجات الشريفة .
وقال الواسطي : ثمرات القلوب وهو أنواع الحكمة ورئيس الحكمة رؤية المنة والعجز عن الشكر على النعمة وهو الشكر الحقيقي ولذلك قال : { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } [ إبراهيم : 37 ] أي يعلمون أنه لا يتهيأ لأحد أن يقوم بشكرك وتمرة الحكمة تزيل الأمراض عن القلوب كما أن ثمرة الاشجار تزيل أمراض النفوس . وقيل : أي أرزقهم الأولاد الأنبياء والصلحاء ، وفيه إشارة إلى دعوته بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم المعنى له بقوله : { ربنا وابعث فيهم رسولاً } [ البقرة : 129 ] وأي الثمرات أشهى من أصفى الأصفياء وأتقى الأتقياء وأفضل أهل الأرض والسماء وحبيب ذي العظمة والكبرياء فهو عليه الصلاة والسلام ثمرة الشجرة الإبراهيمية وزهرة رياض الدعوة الخليلية بل هو صلى الله عليه وسلم ثمرة شجرة الوجود . ونور حديقة الكرم واجلود . ونور حدقة كل موجود صلى الله عليه وسلم عليه إلى اليوم المشهود