قوله تعالى { ذلك الكتاب } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : المشار إليه ههنا حاضر ، و«ذلك » اسم مبهم يشار به إلى البعيد ، والجواب عنه من وجهين : الأول : لا نسلم أن المشار إليه حاضر ، وبيانه من وجوه أحدها : ما قاله الأصم : وهو أن الله تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض ، فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة ، وهي كل ما نزل بمكة مما فيه الدلالة على التوحيد وفساد الشرك وإثبات النبوة وإثبات المعاد ، فقوله { ذلك } إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل هذه السورة ، وقد يسمى بعض القرآن قرآنا ، قال الله تعالى { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له } وقال حاكيا عن الجن { إنا سمعنا قرآنا عجبا } وقوله { إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } وهم ما سمعوا إلا البعض ، وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت ، وثانيها : أنه تعالى وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماحي ، وهو عليه السلام أخبر أمته بذلك وروت الأمة ذلك عنه ، ويؤيده قوله { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } وهذا في سورة المزمل ، وهي إنما نزلت في ابتداء المبعث ، وثالثها : أنه تعالى خاطب بني إسرائيل ، لأن سورة البقرة مدنية ، وأكثرها احتجاج على بني إسرائيل ، وقد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى وعيسى عليهما السلام أن الله يرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وينزل عليه كتابا فقال تعالى { ذلك الكتاب } أي الكتاب الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن الله تعالى سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل ، ورابعها : أنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ بقوله { وإنه في أم الكتاب لدينا } وقد كان عليه السلام أخبر أمته بذلك ، فغير ممتنع أن يقول تعالى { ذلك الكتاب } ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ . وخامسها : أنه وقعت الإشارة بذلك إلى «الم » بعد ما سبق التكلم به وانقضى ، والمنقضي في حكم المتباعد ، وسادسها : أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد ، كما تقول لصاحبك -وقد أعطيته شيئا- احتفظ بذلك . وسابعها : أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها -والقرآن وإن كان حاضرا نظرا إلى صورته لكنه غائب نظرا إلى أسراره وحقائقه- فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب .
المقام الثاني : سلمنا أن المشار إليه حاضر ، لكن لا نسلم أن لفظة «ذلك » لا يشار بها إلا إلى البعيد ، بيانه أن ذلك ، وهذا حرفا إشارة ، وأصلهما «ذا » ؛ لأنه حرف للإشارة ، قال تعالى { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ومعنى «ها » تنبيه ، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل : هذا ، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضر لك بحيث تراه ، وقد تدخل الكاف على «ذا » للمخاطبة واللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل : «ذلك » فكأن المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه ، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيد البعد في أصل الوضع ، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها ، فصارت كالدابة ، فإنها مختصة في العرف بالفرس ، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض ، وإذا ثبت هذا فنقول : إنا نحمله ههنا على مقتضى الوضع اللغوي ، لا على مقتضى الوضع العرفي ، وحينئذ لا يفيد البعد ؛ ولأجل هذه المقاربة يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق } إلى قوله { وكل من الأخيار } ثم قال { هذا ذكر } وقال { وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب } وقال { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } وقال { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } وقال { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } ثم قال { إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين } وقال { فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى } أي هكذا يحيي الله الموتى ، وقال { وما تلك بيمينك يا موسى } أي ما هذه التي بيمينك والله أعلم .
المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث ، وهو السورة ، الجواب : لا نسلم أن المشار إليه مؤنث ؛ لأن المؤنث إما المسمى أو الاسم ، والأول باطل ، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث ، وأما الاسم فهو ( الم ) وهو ليس بمؤنث ، نعم ذلك المسمى له اسم آخر -وهو السورة- وهو مؤنث ، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو ( الم ) ، لا الذي هو مؤنث وهو السورة .
المسألة الثالثة : اعلم أن أسماء القرآن كثيرة : أحدها : الكتاب وهو مصدر كالقيام والصيام وقيل : فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس ، واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال { كتاب أنزلناه إليك } والكتاب جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الفرض { كتب عليكم القصاص } { كتب عليكم الصيام } { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } وثانيها : الحجة والبرهان { فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } أي برهانكم . وثالثها : الأجل { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } أي أجل . ورابعها : بمعنى مكاتبة السيد عبده { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم } وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة ، واشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته ، وسميت الكتيبة لاجتماعها ، فسمي الكتاب كتابا لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات ، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم ، أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق .
وثانيها : القرآن { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن } { إنا جعلناه قرآنا عربيا } { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } . { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : قول ابن عباس أن القرآن والقراءة واحد ، كالخسران والخسارة واحد ، والدليل عليه قوله { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } أي تلاوته ، أي إذا تلوناه عليك فاتبع تلاوته . الثاني : وهو قول قتادة أنه مصدر من قول القائل : قرأت الماء في الحوض إذا جمعته ، وقال سفيان بن عيينة : سمي القرآن قرآنا لأن الحروف جمعت فصارت كلمات ، والكلمات جمعت فصارت آيات ، والآيات جمعت فصارت سورا ، والسور جمعت فصارت قرآنا ، ثم جمع فيه علوم الأولين والآخرين . فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو من الجمعية .
وثالثها : الفرقان { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } . { وبينات من الهدى والفرقان } واختلفوا في تفسيره ، فقيل : سمي بذلك لأن نزوله كان متفرقا أنزله في نيف وعشرين سنة ، ودليله قوله تعالى { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا } ونزلت سائر الكتب جملة واحدة ، ووجه الحكمة فيه ذكرناه في سورة الفرقان في قوله تعالى { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك } وقيل : سمي بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل ، والحلال والحرام ، والمجمل والمبين ، والمحكم والمؤول ، وقيل : الفرقان هو النجاة ، وهو قول عكرمة والسدي ، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة ، وعليه حمل المفسرون قوله { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } .
ورابعها : الذكر ، والتذكرة ، والذكرى ، أما الذكر فقوله { وهذا ذكر مبارك أنزلناه } { إنا نحن نزلنا الذكر } . { وإنه لذكر لك ولقومك } وفيه وجهان : أحدهما : أنه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه وأوامره . والثاني : أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به ، وأنه شرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأمته ، وأما التذكرة فقوله { وإنه لتذكرة للمتقين } وأما الذكرى فقوله تعالى { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } .
وخامسها : التنزيل { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين } .
وسادسها : الحديث { الله نزل أحسن الحديث كتابا } سماه حديثا ؛ لأن وصوله إليك حديث ، ولأنه تعالى شبهه بما يتحدث به ، فإن الله خاطب به المكلفين .
وسابعها : الموعظة { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم } وهو في الحقيقة موعظة لأن القائل هو الله تعالى ، والآخذ جبريل ، والمستملي محمد صلى الله عليه وسلم ، فكيف لا تقع به الموعظة .
وثامنها : الحكم ، والحكمة ، والحكيم ، والمحكم ، أما الحكم فقوله { وكذلك أنزلناه حكما عربيا } وأما الحكمة فقوله { حكمة بالغة } { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } وأما الحكيم فقوله { يس والقرآن الحكيم } وأما المحكم فقوله { كتاب أحكمت آياته } واختلفوا في معنى الحكمة ، فقال الخليل : هو مأخوذ من الإحكام والإلزام ، وقال المؤرخ : هو مأخوذ من حكمة اللجام ؛ لأنها تضبط الدابة ، والحكمة تمنع من السفه .
وتاسعها : الشفاء { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } وقوله { وشفاء لما في الصدور } وفيه وجهان : أحدهما : أنه شفاء من الأمراض . والثاني : أنه شفاء من مرض الكفر ، لأنه تعالى وصف الكفر والشك بالمرض ، فقال { في قلوبهم مرض } وبالقرآن يزول كل شك عن القلب ، فصح وصفه بأنه شفاء .
وعاشرها : الهدى ، والهادي : أما الهدى فلقوله { هدى للمتقين } . { هدى للناس } . { وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } وأما الهادي { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } وقالت الجن { إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد } .
الحادي عشر : الصراط المستقيم : قال ابن عباس في تفسيره : إنه القرآن ، وقال : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه } .
والثاني عشر : الحبل : { واعتصموا بحبل الله جميعا } في التفسير : إنه القرآن ، وإنما سمي به لأن المعتصم به في أمور دينه يتخلص به من عقوبة الآخرة ونكال الدنيا ، كما أن المتمسك بالحبل ينجو من الغرق والمهالك ، ومن ذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم عصمة فقال «إن هذا القرآن عصمة لمن اعتصم به » لأنه يعصم الناس من المعاصي .
الثالث عشر : الرحمة { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } وأي رحمة فوق التخليص من الجهالات والضلالات .
الرابع عشر : الروح { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } . { ينزل الملائكة بالروح من أمره } وإنما سمي به لأنه سبب لحياة الأرواح ، وسمي جبريل بالروح { فأرسلنا إليها روحنا } وعيسى بالروح { ألقاها إلى مريم وروح منه } .
الخامس عشر : القصص { نحن نقص عليك أحسن القصص } سمي به لأنه يجب اتباعه { وقالت لأخته قصيه } أي اتبعي أثره ؛ أو لأن القرآن يتتبع قصص المتقدمين ، ومنه قوله تعالى { إن هذا لهو القصص الحق } .
السادس عشر : البيان ، والتبيان ، والمبين : أما البيان فقوله { هذا بيان للناس } والتبيان فهو قوله { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } وأما المبين فقوله { تلك آيات الكتاب المبين } .
السابع عشر : البصائر { هذا بصائر من ربكم } أي هي أدلة يبصر بها الحق تشبيها بالبصر الذي يرى طريق الخلاص .
الثامن عشر : الفصل { إنه لقول فصل وما هو بالهزل } واختلفوا فيه ، فقيل معناه القضاء ، لأن الله تعالى يقضي به بين الناس بالحق قيل لأنه يفصل بين الناس يوم القيامة فيهدي قوما إلى الجنة ويسوق آخرين إلى النار ، فمن جعله إمامه في الدنيا قاده إلى الجنة ، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار .
التاسع عشر : النجوم { فلا أقسم بمواقع النجوم } { والنجم إذا هوى } لأنه نزل نجما نجما .
العشرون : المثاني : { مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } قيل لأنه ثنى فيه القصص والأخبار .
الحادي والعشرون : النعمة : { وأما بنعمة ربك فحدث } قال ابن عباس يعني به القرآن .
الثاني والعشرون : البرهان { قد جاءكم برهان من ربكم } وكيف لا يكون برهانا وقد عجزت الفصحاء عن أن يأتوا بمثله .
الثالث والعشرون : البشير والنذير ، وبهذا الاسم وقعت المشاركة بينه وبين الأنبياء قال تعالى في صفة الرسل { مبشرين ومنذرين } وقال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } وقال في صفة القرآن في حم السجدة { بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم } يعني مبشرا بالجنة لمن أطاع وبالنار منذرا لمن عصى ، ومن ههنا نذكر الأسماء المشتركة بين الله تعالى وبين القرآن .
الرابع والعشرون : القيم { قيما لينذر بأسا شديدا } والدين أيضا قيم { ذلك الدين القيم } والله سبحانه هو القيوم { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } وإنما سمي قيما لأنه قائم بذاته في البيان والإفادة .
الخامس والعشرون : المهيمن { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } وهو مأخوذ من الأمين ، وإنما وصف به لأنه من تمسك بالقرآن أمن الضرر في الدنيا والآخرة ، والرب المهيمن أنزل الكتاب المهيمن على النبي الأمين لأجل قوم هم أمناء الله تعالى على خلقه كما قال { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } .
السادس والعشرون : الهادي { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } وقال { يهدي إلى الرشد } والله تعالى هو الهادي لأنه جاء في الخبر «النور الهادي » .
السابع والعشرون : النور { الله نور السماوات والأرض } وفي القرآن { واتبعوا النور الذي أنزل معه } يعني القرآن وسمي الرسول نورا { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } يعني محمد وسمي دينه نورا { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم } وسمي بيانه نورا { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } وسمي التوراة نورا { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } وسمي الإنجيل نورا { وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور } وسمي الإيمان نورا { يسعى نورهم بين أيديهم } .
الثامن والعشرون : الحق : ورد في الأسماء «الباعث الشهيد الحق » والقرآن حق { وإنه لحق اليقين } فسماه الله حقا ؛ لأنه ضد الباطل فيزيل الباطل كما قال { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } أي ذاهب زائل .
التاسع والعشرون : العزيز { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } وفي صفة القرآن { وإنه لكتاب عزيز } والنبي عزيز { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه } والأمة عزيزة { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } فرب عزيز أنزل كتابا عزيزا على نبي عزيز لأمة عزيزة ، وللعزيز معنيان : أحدهما : القاهر ، والقرآن كذلك ؛ لأنه هو الذي قهر الأعداء وامتنع على من أراد معارضته . والثاني : أن لا يوجد مثله .
الثلاثون : الكريم { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون } واعلم أنه تعالى سمى سبعة أشياء بالكريم { ما غرك بربك الكريم } إذ لا جواد أجود منه ، والقرآن بالكريم ، لأنه لا يستفاد من كتاب من الحكم والعلوم ما يستفاد منه ، وسمي موسى كريما { وجاءهم رسول كريم } وسمي ثواب الأعمال كريما { فبشره بمغفرة وأجر كريم } وسمي عرشه كريما { الله لا إله إلا هو رب العرش الكريم } لأنه منزل الرحمة ، وسمي جبريل كريما { إنه لقول رسول كريم } ومعناه أنه عزيز ، وسمي كتاب سليمان كريما { إني ألقي إلي كتاب كريم } فهو كتاب كريم من رب كريم نزل به ملك كريم على نبي كريم لأجل أمة كريمة ، فإذا تمسكوا به نالوا ثوابا كريما .
الحادي والثلاثون : العظيم : { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } واعلم أنه تعالى سمى نفسه عظيما فقال { وهو العلي العظيم } وعرشه عظيما { وهو رب العرش العظيم } وكتابه عظيما { والقرآن العظيم } ويوم القيامة عظيما { ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين } والزلزلة عظيمة { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } وخلق الرسول عظيما { وإنك لعلى خلق عظيم } والعلم عظيما { وكان فضل الله عليك عظيما } وكيد النساء عظيما { إن كيدكن عظيم } وسحر سحرة فرعون عظيما { وجاءوا بسحر عظيم } وسمي نفس الثواب عظيما { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } وسمي عقاب المنافقين عظيما { ولهم عذاب عظيم } .
الثاني والثلاثون : المبارك : { وهذا ذكر مبارك } وسمى الله تعالى به أشياء ، فسمى الموضع الذي كلم فيه موسى عليه السلام مباركا { في البقعة المباركة من الشجرة } وسمى شجرة الزيتون مباركة { يوقد من شجرة مباركة زيتونة } لكثرة منافعها ، وسمى عيسى مباركا { وجعلني مباركا } وسمى المطر مباركا { ونزلنا من السماء ماء مباركا } لما فيه من المنافع ، وسمى ليلة القدر مباركة { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } فالقرآن ذكر مبارك أنزله ملك مبارك في ليلة مباركة على نبي مبارك لأمة مباركة .
المسألة الرابعة : في بيان اتصال قوله { الم } بقوله { ذلك الكتاب } قال صاحب الكشاف : إن جعلت { الم } اسما للسورة ففي التأليف وجوه :
الأول : أن يكون { الم } مبتدأ و{ ذلك } مبتدأ ثانيا و{ الكتاب } خبره والجملة خبر المبتدأ الأول ، ومعناه أن ذلك هو الكتاب الكامل ، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص ، وإنه الذي يستأهل أن يكون كتابا كما تقول : هو الرجل ، أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال ، وأن يكون الكتاب صفة ، ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود ، وأن يكون { الم } خبر مبتدأ محذوف أي هذا { الم } ويكون { ذلك الكتاب } خبرا ثانيا أو بدلا على أن الكتاب صفة ، ومعناه هو ذلك ، وأن تكون هذه { الم } جملة و { ذلك الكتاب } جملة أخرى وإن جعلت { الم } بمنزلة الصوت كان { ذلك } مبتدأ وخبره { الكتاب } أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل ، أو الكتاب صفة والخبر ما بعده أو قدر مبتدأ محذوف ، أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف ذلك الكتاب وقرأ عبد الله
{ الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه } وتأليف هذا ظاهر .
قوله تعالى { لا ريب فيه } فيه مسألتان :
المسألة الأولى : الريب قريب من الشك ، وفيه زيادة ، كأنه ظن سوء تقول رابني أمر فلان إذا ظننت به سوء ، ومنها قوله عليه السلام «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » فإن قيل : قد يستعمل الريب في قولهم «ريب الدهر » و«ريب الزمان » أي حوادثه قال الله تعالى { نتربص به ريب المنون } ويستعمل أيضا في معنى ما يختلج في القلب من أسباب الغيظ كقول الشاعر :
قضينا من تهامة كل ريب *** وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
قلنا : هذان قد يرجعان إلى معنى الشك ، لأن ما يخاف من ريب المنون محتمل ، فهو كالمشكوك فيه ، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن ، فقوله تعالى { لا ريب فيه } المراد منه نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه ، والمقصود أنه لا شبهة في صحته ، ولا في كونه من عند الله ، ولا في كونه معجزا . ولو قلت : المراد لا ريب في كونه معجزا على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } وهاهنا سؤالان : السؤال الأول : طعن بعض الملحدة فيه فقال : إن عنى أنه لا شك فيه عندنا فنحن قد نشك فيه ، وإن عنى أنه لا شك فيه عنده فلا فائدة فيه . الجواب : المراد أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه ، والأمر كذلك ؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن ، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه . السؤال الثاني : لم قال ههنا { لا ريب فيه } وفي موضع آخر { لا فيها غول } ؟ الجواب : لأنهم يقدمون الأهم فالأهم ، وههنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب ، ولو قلت : لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتابا آخر حصل الريب فيه لا هاهنا ، كما قصد في قوله { لا فيها غول } تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا ، فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا السؤال الثالث : من أين يدل قوله { لا ريب فيه } على نفي الريب بالكلية ؟ الجواب : قرأ أبو الشعثاء { لا ريب فيه } نفي لماهية الريب ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية ، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية ، وذلك يناقض نفي الماهية ، ولهذا السر كان قولنا «لا إله إلا الله » نفيا لجميع الآلهة سوى الله تعالى . وأما قولنا «لا ريب فيه » بالرفع فهو نقيض لقولنا : «ريب فيه » وهو يفيد ثبوت فرد واحد ، فذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ليتحقق التناقض .
المسألة الثانية : الوقف على { فيه } هو المشهور ، وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على { لا ريب } ولابد للواقف من أن ينوي خبرا ، ونظيره قوله { قالوا لا ضير } وقول العرب : لا بأس ، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز ؛ والتقدير : { لا ريب فيه } فيه هدى . واعلم أن القراءة الأولى أولى ؛ لأن على القراءة الأولى يكون الكتاب نفسه هدى ، وفي الثانية لا يكون الكتاب نفسه هدى بل يكون فيه هدى ، والأول أولى لما تكرر في القرآن من أن القرآن نور وهدى والله أعلم .
قوله { هدى للمتقين } فيه مسائل :
المسألة الأولى : في حقيقة الهدى : الهدى عبارة عن الدلالة ، وقال صاحب الكشاف : الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية ، وقال آخرون : الهدى هو الاهتداء والعلم . والذي يدل على صحة القول الأول وفساد القول الثاني والثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبرا في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء ، لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهتداء محال ، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } أصبت الهدى مع عدم الاهتداء ، ولأنه يصح في لغة العرب أن يقال : هديته فلم يهتد ، وذلك يدل على قولنا ، واحتج صاحب الكشاف بأمور ثلاثة : وقوع الضلالة في مقابلة الهدى ، قال تعالى { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } وقال { لعلى هدى أوفي ضلال مبين } . وثانيها : يقول مهدي في موضع المدح كمهتدي ، فلو لم يكن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهديا مدحا لاحتمال أنه هدى فلم يهتدوا . ثالثها : أن اهتدى مطاوع هدى يقال : هديته فاهتدى ، كما يقال : كسرته فانكسر ، وقطعته فانقطع فكما أن الانكسار والانقطاع لا زمان للكسر والقطع ، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى . والجواب عن الأول : أن الفرق بين الهدى وبين الاهتداء معلوم بالضرورة ، فمقابل الهدى هو الإضلال ومقابل الاهتداء هو الضلال ، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع ، وعن الثاني : أن المنتفع بالهدى سمي مهديا ، وغير منتفع به لا يسمى مهديا ؛ ولأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم . وعن الثالث : أن ائتمار مطاوع الأمر يقال : أمرته فائتمر ، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمرا حصول الائتمار ، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضيا إلى الاهتداء ، على أنه معارض بقوله : هديته فلم يهتد ، ومما يدل على فساد قول من قال الهدى هو العلم خاصة أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم ، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم .
المسألة الثانية : المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى ، والوقاية فرط الصيانة ، إذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى ذكر المتقي ههنا في معرض المدح ، ومن يكون كذلك أولى بأن يكون متقيا في أمور الدنيا ، بل بأن يكون متقيا فيما يتصل بالدين ، وذلك بأن يكون آتيا بالعبادات محترزا عن المحظورات . واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى ؟ فقال بعضهم : يدخل كما يدخل الصغائر في الوعيد ، وقال آخرون : لا يدخل ، ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل ، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم ؟ فروي عنه عليه السلام أنه قال : «لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس » وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنهم الذين يحذرون من الله العقوبة في ترك ما يميل الهوى إليه ، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه . واعلم أن التقوى هي الخشية ، قال في أول النساء { يا أيها الناس اتقوا ربكم } ومثله في أول الحج ، وفي الشعراء { إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون } يعني ألا تخشون الله ، وكذلك قال هود وصالح ، ولوط ، وشعيب لقومهم ، وفي العنكبوت قال إبراهيم لقومه { اعبدوا الله واتقوه } يعني اخشوه ، وكذا قوله { اتقوا الله حق تقاته } { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا } واعلم أن حقيقة التقوى وإن كانت هي التي ذكرناها إلا أنها قد جاءت في القرآن ، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة ، والتوبة أخرى ، والطاعة ثالثة ، وترك المعصية رابعا ، والإخلاص خامسا ، أما الإيمان فقوله تعالى { وألزمهم كلمة التقوى } أي التوحيد { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } وفي الشعراء { قوم فرعون ألا يتقون } أي ألا يؤمنون وأما التوبة فقوله : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا } أي تابوا ، وأما الطاعة فقوله في النحل { أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } وفيه أيضا { أفغير الله تتقون } وفي المؤمنين { وأنا ربكم فاتقون } وأما ترك المعصية فقوله { وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله } أي فلا تعصوه ، وأما الإخلاص فقوله في الحج { فإنها من تقوى القلوب } أي من إخلاص القلوب ، فكذا قوله { وإياي فاتقون } واعلم أن مقام التقوى مقام شريف قال تعالى { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } وقال { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } وعن ابن عباس قال عليه السلام : «من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده » وقال علي بن أبي طالب : التقوى ترك الإصرار عل المعصية ، وترك الاغترار بالطاعة . قال الحسن : التقوى أن لا تختار عل الله سوى الله ، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله . وقال إبراهيم بن أدهم : التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيبا . ولا الملائكة في أفعالك عيبا ولا ملك العرش في سرك عيبا وقال الواقدي : التقوى أن تزين سرك للحق كما زينت ظاهرك للخلق ، ويقال : التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك ، ويقال : المتقي من سلك سبيل المصطفى ، ونبذ الدنيا وراء القفا ، وكلف نفسه الإخلاص والوفاء ، واجتنب الحرام والجفا ، ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى { هدى للمتقين } كفاه ، لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس } ثم قال ههنا في القرآن : إنه هدى للمتقين ، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس ، فمن لا يكون متقيا كأنه ليس بإنسان .
المسألة الثالثة : في السؤالات : السؤال الأول : كون الشيء هدى ودليلا لا يختلف بحسب شخص دون شخص ، فلماذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط ؟ وأيضا فالمتقي مهتدي ، والمهتدي لا يهتدي ثانيا والقرآن لا يكون هدى للمتقين . الجواب : القرآن كما أنه هدى للمتقين ودلالة لهم على وجود الصانع ، وعلى دينه وصدق رسوله ، فهو أيضا دلالة للكافرين . إلا أن الله تعالى ذكر المتقين مدحا ليبين أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال { إنما أنت منذر من يخشاها } وقال { إنما تنذر من اتبع الذكر } وقد كان عليه السلام منذرا لكل الناس ، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره . وأما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى المقصود فهذا السؤال زائل عنه ، لأن كون القرآن موصلا إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين . السؤال الثاني : كيف وصف القرآن كله بأنه هدى وفيه مجمل ومتشابه كثير ؛ ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه ، فيكون الهدى في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن ، ومن هذا نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولا إلى الخوارج ، لا تحتج عليهم بالقرآن ، فإنه خصم ذو وجهين ، ولو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب ذلك فيه ؛ ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به ، ونرى القرآن مملوءا من آيات بعضها صريح في الجبر وبعضها صريح في القدر ، فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسف الشديد ، فكيف يكون هدى ؟
الجواب : أن ذلك المتشابه والمجمل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين -وهو إما دلالة العقل أو دلالة السمع- صار كله هدى . السؤال الثالث : كل ما يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه ، فإذن استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات الله تعالى وصفاته ، وفي معرفة النبوة ، ولا شك أن هذه المطالب أشرف المطالب ، فإذا لم يكن القرآن هدى فيها فكيف جعله الله تعالى هدى على الإطلاق ؟
الجواب : ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء ، بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء ، وذلك بأن يكون هدى في تعريف الشرائع ، أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلق لا يقتضي العموم ، فإن الله تعالى وصفه بكونه هدى من غير تقييد في اللفظ ، مع أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة ، فثبت أن المطلق لا يفيد العموم .
السؤال الرابع : الهدى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين غيره ، والقرآن ليس كذلك ، فإن المفسرين ما يذكرون آية إلا وذكروا فيها أقوالا كثيرة متعارضة ، وما يكون كذلك لا يكون مبينا في نفسه فضلا عن أن يكون مبينا لغيره ، فكيف يكون هدى ؟ قلنا : من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال المتعارضة ، ولا يرجح واحدا منها على الباقي يتوجه عليه هو هذا السؤال ، وأما نحن فقد رجحنا واحدا على البواقي بالدليل فلا يتوجه علينا هذا السؤال .
المسألة الرابعة : قال صاحب الكشاف : محل { هدى للمتقين } الرفع ؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف أو خبر مع { لا ريب فيه } { لذلك } أو مبتدأ إذا جعل الظرف المتقدم خبرا عنه ، ويجوز أن ينصب على الحال ، والعامل فيه الإشارة ، أو الظرف ، والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذا المجال صفحا ، وأن يقال : إن قوله { الم } جملة برأسها ، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها . و{ ذلك الكتاب } جملة ثانية ، و { لا ريب فيه } ثالثة و{ هدى للمتقين } رابعة وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم ، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق ، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض ، والثانية متحدة بالأولى وهلم جرا إلى الثالثة ، والرابعة .
بيانه : أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به ، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقرير لجهة التحدي ، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب ، فكان شهادة بكماله ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله ، ثم لم يخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة ، ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه ، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر -الذي هو هدى- موضع الوصف الذي هو هاد ، وإيراده منكرا .
جملة مستأنفة وابتداء كلام ، أو متعلقة بما قبلها ، وفيه احتمالات أطالوا فيها وكتاب الله تعالى يحمل على أحسن المحامل وأبعدها من التكلف وأسوغها في لسان العرب ، وذلك إشارة إلى الكتاب الموعود به صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : { إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } [ المزمل : 5 ] كما قال الواحدي أو على لسان موسى وعيسى عليهما السلام لقوله تعالى : { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ } [ البقرة : 98 ] الآية ويؤيده ما روي عن كعب «عليكم بالقرآن فإنه فهم العقل ونور الحكمة وينابيع العلم وأحدث الكتب بالله عهداً » ، وقال في التوراة «يا محمد إني منزل عليك توراة حديثة تفتح بها أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً » كما قاله غير واحد أو إلى ما بين أيدينا والإشارة بذلك للتعظيم وتنزيل البعد الرتبي منزلة البعد الحقيقي كما في قوله تعالى : { فذلكن الذي لُمْتُنَّنِى فِيهِ } [ يوسف : 2 3 ] كما اختاره في «المفتاح » أو لأنه لما نزل عن حضرة الربوبية وصار بحضرتنا بعد ومن أعطى غيره شيئاً أو أوصله إليه أو لاحظ وصوله عبر عنه بذلك لأنه بانفصاله عنه بعيد أو في حكمه ، وقد قيل : كل ما ليس في يديك بعيد .
ولما لم يتأت هذا المعنى في قوله تعالى : هذا كتاب أنزلناه ؛ لأنه إشارة إلى ما عنده سبحانه لم يأتِ بذلك مع بعد الدرجة وهذا الذكر حروف التهجي في الأول وهي تقطع بها الحروف وهو لا يكون إلا في حقنا وعدم ذكرها في الثاني ، فلذا اختلف المقامان وافترقت الإشارتان كما قاله السهيلي ، وهو عند قوم تحقيق ويرشدك إلى ما فيه عندي نظر دقيق وأبعد بعضهم فوجه البعد بأن القرآن لفظ ، وهو من قبيل الأعراض السيالة الغير القارة فكل ما وجد منه اضمحل وتلاشى وصار منقضياً غائباً عن الحس وما هو كذلك في حكم البعيد ، وقيل لأن صيغة البعيد والقريب قد يتعاقبان كقوله تعالى في قصة عيسى عليه السلام : { ذلك نَتْلُوهُ عَلَيْكَ } [ آل عمران : 8 5 ] ثم قال تعالى : { إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق } [ آل عمران : 26 ] وله نظائر في الكتاب الكريم ونقله الجرجاني عن طائفة وأنشدوا :
أقول له والرمح يأطر متنه *** تأمل خفافاً إني أنا ذلكا
وليس بنص لاحتمال أن يكون المراد إنني أنا ذلك الذي كنت تحدث عنه وتسمع به ، وقول الإمام الرازي : إن ذلك للبعيد عرفاً لا وضعاً فحمله هنا على مقتضى الوضع اللغوي لا العرفي مخالف لما نفهمه من كتب أرباب العربية وفوق كل ذي علم عليم ، والقول بأن الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما نقل عن عكرمة إن كان قد ورد فيه حديث صحيح قبلناه وتكلفنا له وإلا ضربنا به الحائط وما كل احتمال يليق ، وأغرب ما رأيناه في توجيه الإشارة أنها إلى الصراط المستقيم في الفاتحة كأنهم لما سألوا الهداية لذلك قيل لهم ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب ، وهذا إن قبلته يتبين به وجه ارتباط سورة البقرة بسورة الحمد على أتم وجه وتكون الإشارة إلى ما سبق ذكره والذي تنفتح له الآذن أنه إشارة إلى القرآن ووجه البعد ما ذكره صاحب «المفتاح » ونور القريب يلوح عليه ، والمعتبر في أسماء الإشارة هو الإشارة الحسية التي لا يتصور تعلقها إلا بمحسوس مشاهد فإن أشير بها إلى ما يستحيل إحساسه نحو { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ } [ الأنعام : 102 ] أو إلى محسوس غير مشاهد نحو { تِلْكَ الجنة } [ مريم : 3 6 ] فلتصييره كالمشاهد وتنزيل الإشارة العقلية منزلة الحسية كما في الرضي ، فالإشارة هنا لا تخلو عن لطف ، وقول بعضهم إن اسم الإشارة إذا كان معه صفة له لم يلزم أن يكون محسوساً -وهم محسوس- .
والكتاب كالكتب مصدر كتب ويطلق على المكتوب كاللباس بمعنى الملبوس ، والكتب كما قال الراغب : ضم أديم إلى أديم بالخياطة ، وفي المتعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض والأصل في الكتابة النظم بالخط ، وقد يقال ذلك للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ ولذا يستعار كل واحد للآخر ولذا سمي كتاب الله وإن لم يكن كتاباً ، والكتاب هنا إما باق على المصدرية وسمي به المفعول للمبالغة أو هو بمعنى المفعول وأطلق على المنظوم عبارة قبل أن تنظم حروفه التي يتألف منها في الخط تسمية بما يؤول إليه مع المناسبة ، وقول الإمام : إن اشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته وسميت الكتيبة لاجتماعها فسمي الكتاب كتاباً لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم ، أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق كلام ملفق لا يخفى ما فيه ، ويطلق الكتاب كالقرآن على المجموع المنزل على النبي المرسل صلى الله عليه وسلم وعلى القدر الشائع بين الكل والجزء ولا يحتاج هنا إلى ما قيل في دفع المغالطة المعروفة بالجذر الأصم ، ولا أرى فيه بأساً إن احتجته ، واللام في الكتاب للحقيقة مثلها في أنت الرجل ، والمعنى : ذلك هو الكتاب الكامل الحقيق بأن يخص به اسم الكتاب لغاية تفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس حتى كأن ما عداه من الكتب السماوية خارج منه بالنسبة إليه ، وقال ابن عصفور : كل لام وقعت بعد اسم الإشارة وأي في النداء وإذا الفجائية فهي للعهد الحضوري ، وقرئ ( تنزيل الكتاب ) ، والريب الشك وأصله مصدر رابني الشيء إذا حصل فيك الريبة وهي قلق النفس ، ومنه ريب الزمان لنوائبه فهو مما نقل من القلق إلى ما هو شبيه به ويستعمل أيضاً لما يختلج في القلب من أسباب الغيظ ، وقول الإمام الرازي : إن هذين قد يرجعان إلى معنى الشك لأن ما يخاف من الحوادث محتمل فهو كالمشكوك وكذلك ما اختلج في القلب فإنه غير مستيقن مستيقن رده ، فالمنون من الريب ، أو يشك فيه ويختلج في القلب من أسباب الغيظ على الكفار مثلاً مما ( لا ريب فيه ) أو فيه ريب وفرق أبو زيد بين رابني وأرابني فيقال : رابني من فلان أمر إذا كنت مستيقنا منه بالريب وإذا أسأت به الظن ولم تستيقن منه قلت أرابني وعليه قول بشار :
أخوك الذي إن ربته قال إنما *** أراب وإن عاتبته لان جانبه
وبعض فرق بين الريب والشك بأن الريب شك مع تهمة ، وقال الراغب : الشك وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر بأمارة ، والمرية التردد في المتقابلين وطلب الأمارة من مرى الضرع أي مسحه للدر ، والريب أن يتوهم في الشيء ثم ينكشف عما توهم فيه ، وقال الجولي : يقال الشك لما استوى فيه الاعتقادان أو لم يستويا ولكن لم ينته أحدهما لدرجة الظهور الذي تنبني عليه الأمور والريب لما لم يبلغ درجة اليقين وإن ظهر نوع ظهور ولذا حسن هنا { لاَ رَيْبَ فِيهِ } للإشارة إلى أنه لا يحصل فيه ريب فضلاً عن شك ونفى سبحانه الريب فيه مع كثرة المرتابين لا كثَّرهم الله تعالى على معنى أنه في علو الشأن وسطوع البرهان بحيث لا يرتاب العاقل بعد النظر/ في كونه وحياً من الله تعالى لا أن لا يرتاب فيه حتى لا يصح ويحتاج إلى تنزيل وجود الريب عن البعض منزلة العدم لوجود ما يزيله ، وقيل : إنه على الحذف كأنه قال لا سبب ريب فيه لأن الأسباب التي توجبه في الكلام التلبيس والتعقيد والتناقض والدعاوى العارية عن البرهان وكل ذلك منتف عن كتاب الله تعالى ، وقيل : معناه النهي وإن كان لفظه خبراً أي لا ترتابوا فيه على حد { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ } [ البقرة : 7 9 1 ] وقيل : معناه لا ريب فيه للمتقين فالظرف صفة و{ لّلْمُتَّقِينَ } خبر و{ هُدًى } حال من الضمير المجرور أي لا ريب كائناً فيه للمتقين حال كونه هادياً ، وهي حال لازمة فيفيد انتفاء الريب في جميع الأزمنة والأحوال ويكون التقييد كالدليل على انتفاء الريب و{ لا } لنفي اتصاف الاسم بالخبر لا لنفي قيد الاسم فلا تتوجه إليه ليختل المعنى نعم هو قول قليل الجدوى مع أن الغالب في الظرف الذي بعد لا هذه كونه خبراً وإنما لم يقل سبحانه لا فيه ريب على حد { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } [ الصافات : 7 4 ] لأن التقديم يشعر بما يبعد عن المراد وهو أن كتاباً غيره فيه الريب كما قصد فيه الآية تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها فليس فيها ما في غيرها من العيب قاله الزمخشري ، وبعضهم لم يفرق بين ليس في الدار رجل وليس رجل في الدار حتى أنكر أبو حيان إفادة تقديم الخبر هنا الحصر ، وهو مما لا يلتفت إليه ، وقرأ سليم أبو الشعثاء ( لا ريب فيه ) بالرفع وهو لكونه نقيضاً لريب فيه وهو محتمل لأن يكون إثباتاً لفرد ونفيه يفيد انتفاءه فلا يوجب الاستغراق كما في القراءة المشهورة ؛ ولهذا جاز لا رجل في الدار بل رجلان دون لا رجل فيها بل رجلان فلا لعموم النفي لا لنفي العموم والواقف على { فِيهِ } هو المشهور وعليه يكون الكتاب نفسه هدى وقد تكرر ذلك في التنزيل وعن نافع وعاصم الوقف على { لاَ رَيْبَ } ولا ريب في حذف الخبر ، وذهب الزجاج إلى جعل { لاَ رَيْبَ } بمعنى حقاً فالوقف عليه تام إلا أنه أيضاً دون الأول ، وقرأ ابن كثير ( فيهي ) بوصل الهاء ياء في اللفظ وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة فإن كان قبلها ساكن غير الياء وصلها بالواو ووافقه حفص في { فِيهِ مُهَاناً } [ الفرقان : 96 ] و{ ملاقيه } { الإنشقاق : 6 } و{ سأصليه } [ المدثر : 6 2 ] ، والباقون لا يشبعون وإذا تحرك ما قبل الهاء أشبعوه ، وقرأ الزهري وابن جندب بضم الهاء من الكنايات في جميع القرآن على الأصل والهدى في الأصل مصدر هدى ، أو عوض عن المصدر وكل في كلام سيبويه ، ولم يجيء من المصادر بهذه الزنة إلا قليل كالتقى ، والسرى ، والبكى بالقصر في لغة ولقى كما قال الشاطبي وأنشد :
وقد زعموا حلماً لقاك فلم أزد *** بحمد الذي أعطاك حلماً ولا عقلاً
والمراد منه هنا اسم الفاعل بأحد الوجوه المعروفة في أمثاله وهو لفظ مؤنث عند ابن عطية ومذكر عند اللحياني وبنو أسد يؤنثون كما قال الفراء فهو كالهداية وقد تقدم معناها وفي «الكشاف » هي الدلالة الموصلة إلى البغية واستدل عليه بثلاثة وجوه ، الأول : وقوع الضلال في مقابله كما في قوله تعالى : { لعلى هُدًى أَوْ في ضلال } [ سبأ : 42 ] والضلال عبارة عن الخيبة وعدم الوصول إلى البغية فلو لم يعتبر الوصول في مفهوم الهدى لم يتقابلا لجواز الاجتماع بينهما ، والثاني : أنه يقال مهدي في موضع المدح كمهتد ومن حصل الدلالة من غير الاهتداء لا يقال له ذلك فعلم أن الإيصال معتبر في مفهومه ، والثالث : أن اهتدى مطاوع هدى ولن يكون المطاوع في خلاف معنى أصله ألا ترى إلى نحو كسره فانكسر وفيه بحث أما أولاً : فلأن المذكور في مقابلة الضلالة هو الهدى اللازم بمعنى الاهتداء مجازاً أو اشتراكاً وكلامنا في المتعدي ومقابلة الإضلال ولا استدلال به إذ ربما يفسر بالدلالة على ما لا يوصل ولا يجعله ضالاً على أنه لو فسرت الهداية بمطلق الدلالة على منها من شأنه الإيصال أوصل أم لا ، وفسر الضلال المقابل لها ، وتقابل الإيجاب والسلب بعدم تلك الدلالة المطلقة لزم منه عدم الوصول لأن سلب الدلالة المطلقة سلب للمقيدة إذ سلب الأعم يستلزم سلب الأخص فليس في هذا التقابل ما يرجح المدعي ، وأما ثانياً : فلأنا لا نسلم أن الضلالة عبارة عن الخيبة الخ بل هو العدول عن الطريق الموصل إلى البغية فيكون الهدى عبارة عن الدلالة على الطريق الموصل ، نعم إن عدم الوصول إلى البغية لازم للضلالة ويجوز أن يكون اللازم أعم ، وأما ثالثاً : فلأنه لا يلزم من عدم إطلاق المهدي إلا على المهتدي أن يكون الوصول معتبراً في مفهوم الهدى لجواز غلبة المشتق في فرد من مفهوم المشتق منه ، وأما رابعاً : فلأنا لا نسلم أن اهتدى مطاوع هدى بل هو من قبيل أمره فأتمر من ترتب فعل يغاير الأول فإن معنى هداه فاهتدى دله على الطريق الموصل فسلكه بدليل أنه يقال هداه فلم يهتد على أن جمعا يعتد بهم قالوا : لا يلزم من وجود الفعل وجود مطاوعه مطلقا ففي المختار لا يجب أن يوافق المطاوع أصله ويجب في غيره ويؤيده قوله تعالى : { وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفًا } [ الإسراء : 9 5 ] مع قوله سبحانه : { وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا } [ الإسراء : 06 ] فقد وجد التخويف بدون الخوف ولا يقال كسرته فما انكسر والفرق بينهما مفصل في «عروس الأفراح » ، وأما خامساً : فلأن ما ذكره معارض بما فيه الهداية وليس فيه وصول إلى البغية وقد مر بعضه ولهذا اختلفوا هل هي حقيقة في الدلالة المطلقة مجاز في غيرها أو بالعكس أو هي مشتركة بينهما أو موضوعة لقدر مشترك ؟ وإلى كل ذهب طائفة ، وقيل( {[104]} ) والمذكور في كلام الأشاعرة أن المختار عندهم ما ذكر في «الكشاف » وعند المعتزلة ما ذكرناه والمشهور هو العكس والتوفيق بأن كلام الأشاعرة في المعنى الشرعي والمشهور مبني على المعنى اللغوي أو العرفي يخدشه اختيار صاحب «الكشاف » مع تصلبه في الاعتزال ما اختاره مع أن الظاهر في القرآن المعنى الشرعي فالأظهر للموفق عكس هذا التوفيق ، والحق عند أهل الحق أن الهداية مشتركة بين المعنيين المذكورين وعدم الاهلاك ، وبه يندفع كثير من القال والقيل والمتقين جمع متق اسم فاعل من وقاه فاتقى ففاؤه واو لا تاء ، والوقاية لغة الصيانة مطلقاً وشرعاً صيانة المرء نفسه عما يضر في الآخرة والمراتب متعددة لتعدد مراتب الضرر فأولاها : التوقي عن الشرك ، والثانية : التجنب عن الكبائر ومنها الإصرار على الصغائر . والثالثة : ما أشير إليه بما رواه الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم : " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس " وفي هذه المرتبة يعتبر ترك الصغائر ولذا قيل :
خل الذنوب كبيرها *** وصغيرها فهو التقى
واصنع كماش فوق أر *** ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة *** إن الجبال من الحصى
وفي هذه المرتبة اختلفت عبارات الأكابر ، فقيل : التقوى أن لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك ، وقيل : التبري عن الحول والقوة ، وقيل : التنزع عن كل ما يشغل السر عن الحق ، وفي هذا الميدان تراكضت أرواح العاشقين وتفانت أشباح السالكين حتى قال قائلهم :
ولو خطرت لي في سواك إرادة *** على خاطري سهواً حكمت بردتي
وهداية الكتاب المبين شاملة لأرباب هذه المراتب أجمعين فإن أريد بكونه هدى للمتقين إرشاده إياهم إلى تحصيل المرتبة الأولى : فالمراد بهم المشارفون مجازاً لاستحالة تحصيل الحاصل وإيثاره على العبارة المعربة عن ذلك للإيجاز ، وتصدير السورة الكريمة بذكر أوليائه تعالى وتفخيم شأنهم واعتبار المشارفة بالنظر إلى زمان نسبة الهدى فلا ينافي حسن التعقيب ب { الذين يُؤْمِنُونَ } [ البقرة : 3 ] لأن ذلك كما قيل بالنظر إلى زمان إثبات تلك النسبة كما يقال قتل قتيلاً( {[105]} ) دفن في موضع كذا وربما جعل التقدير هم الذين في جواب من المتقون ؟ وحمل الكل على المشارفة يأباه السوق ، وقد يقال المتقين مجاز بالمشارفة والصفة ترشيح بلا مشارفة ولا تجوز كما هو المعهود في أمثاله ، ونقول هو على حد نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الشفيع يوم المحشر فلا إشكال وإن أريد به إرشاده إلى تحصيل إحدى المرتبتين الأخيرتين فإن عنى بالمتقين أصحاب المرتبة الأولى تعينت الحقيقة وإن عنى بهم أصحاب الطبقتين الأخيرتين تعين المجاز لأن الوصول إليهما إنما يتحقق بهدايته المرقية ، وكذا الحال فيما بين المرتبة الثانية والثالثة فإن أريد بالهدى الإرشاد إلى تحصيل المرتبة الثالثة فإن عنى بالمتقين أصحاب المرتبة الثانية تعينت الحقيقة وإن عنى بهم أصحاب المرتبة الثالثة تعين المجاز ، ولفظ الهداية حقيقة في جميع الصور وأما إن أريد بكونه هدى لهم تثبيتهم على ما هم عليه وإرشادهم إلى الزيادة فيه على أن يكون مفهومها داخلاً في المعنى المستعمل فيه فهو مجاز محالة ولفظ ( المتقين ) حقيقة على كل حالة كذا حققه مولانا مفتى الديار الرومية ، ومنه يعلم اندفاع ما قيل أن الهداية إن فسرت بالدلالة الموصلة يقتضي أن يكون ( هدى للمتقين ) دالاً على تحصيل الحاصل كأنه قيل دلالة موصلة إلى المطلوب للواصلين إليه ، وإن فسرت بالدلالة على ما يوصل كان هناك محذوراً آخر فإن المهتدي إلى مقصوده يكون دلالته على ما يوصله إليه لغواً ، ووجه الاندفاع ظاهر لكن حقق بعض المحققين أن الأظهر أنه لا حاجة إلى التجوز هنا ؛ لأنه إذا قيل السلاح عصمة للمعتصم والمال غنى للغني على معنى سبب غناه وعصمته لم يلزم أن يكون السلاح والمال سبى عصمة وغنى حادثين غير ما هما فيه ، فما نحن فيه غير محتاج للتأويل وليس من المجاز في شيء إذ المتقي مهتدٍ بهذا الهدى حقيقة ، وقد اختلف أهل العربية والأصول في الوصف المشتق هل هو حقيقة في الحال أو الاستقبال وهل المراد زمان النسبة أو التكلم من غير واسطة بينهما ؟ والذي عليه المحققون أنه زمن النسبة ، وقد ذهب السبكي والكرماني إلى أن من قتل قتيلاً فله سلبه حقيقة وخطأ من قال أنه مجاز ولا يقال إنه لا مفاد لإثبات القتل لمقتول به لأن قصد البليغ بمعونة القرينة العقلية أن القتل المتصف به صادر عن هذا القاتل دون غيره فكأنه قيل لم يشاركه فيه غيره فسلبه له دون غيره ، ومكن هنا جعل المعنى فيما نحن فيه لا هدى للمتقين إلا بكتاب الله تعالى المتلألئ نور هدايته الساطع برهان دلالته ، وإذا علق حكم على اسم الإشارة الموصوف نحو عصرت هذا الخل مثلاً ، فهناك تعليقان في الحقيقة تعليق الحكم السابق بذات المشار إليه وتعليق الإشارة والمعتبر زمان الإشارة لا زمان الحكم السابق فإذا صحّ إطلاق الخل على المشار إليه واتصافه بالخلية مثلاً في زمان الإشارة مع قطع النظر عن الحكم السابق كان حقيقة وإلا فمجاز فافهم وتدبر .
ثم لا يقدح في كونه هدى ما فيه من المجمل والمتشابه لأنه لا يستلزم كونه هدى هدايته باعتبار كل جزء منه ، فيجوز أن يذكر فيه ما فيه ابتلاء لذوي الألباب من الفحول بما لا تصل إليه الإفهام والعقول أو لأن ذلك لا ينفك عن بيان المراد منه كما ذهب إليه الشافعية فهو بعد التبيين هدى وتوقف هدايته على شيء لا يضر فيها كما أنه على رأي متوقف على تقدّم الإيمان بالله تعالى ورسوله صلّى الله تعالى عليه وسلم فقد نص الإمام على أنه( {[106]} ) كل ما يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لا يكون القرآن هدي فيه كمعرفة ذات الله وصفاته ومعرفة النبوات لئلا يلزم الدور إلا أن يكون هدي في تأكيد ما في العقول والاعتداد به ، وبعض صحح أن القرآن في نفسه هدى في كل شيء حتى معرفة الله تعالى لمن تأمل في أدلته العقلية وحججه اليقينية كما يشعر به ظاهر قوله تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس } [ البقرة : 185 ] ويكون الاقتصار على المتقين هنا بناء على تفسيرنا الهداية مدحاً لهم ليبين سبحانه أنهم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال تعالى : { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها } [ النازعات : 45 ] مع عموم إنذاره صلى الله عليه وسلم وأما غيرهم فلا { وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا } [ الإسراء : 5 4 ] و{ لا يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا } [ الإسراء : 2 8 ] وأما القول بأن التقدير هدى للمتقين والكافرين فحذف لدلالة المتقين على حد { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 1 8 ] فمما لا يلتفت إليه هذا ولا يخفى ما في هذه الجمل والآيات من التناسق ف { الم } أشارت إلى ما أشارت و{ ذلك الكتاب } قررت بعض إشارتها بأنه الكتاب الكامل الذي لا يحق غيره أن يسمى كتاباً في جنسه أي باب التحدي والهداية و{ لاَ رَيْبَ فِيهِ } كالتأكيد لأحد الركنين و{ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } كالتأكيد للركن الآخر .
وخلاصته هو الحقيق بأن يتحدى به لكمال نظمه في باب البلاغة وكماله في نفسه وفيما هو المقصود منه ، وقيل : بالحمل على الاستئناف كأنه سئل ما باله صار معجزاً ؟ فأجيب بأنه كامل بلغ أقصى الكمال لفظاً ومعنى وهو معنى ذلك الكتاب ثم سئل عن مقتضى الاختصاص بكونه هو الكتاب الكامل فأجيب بأنه لا يحوم حوله ريب ثم لما طولب بالدليل على ذلك استدل بكونه { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } لظهور اشتماله على المنافع الدينية والدنيوية والمصالح المعاشية والمعادية بحيث لا ينكره إلا من كابر نفسه وعاند عقله وحسه ، وقد يقال : الإعجاز مستلزم غاية الكمال وغاية كمال الكلام البليغ ببعده من الريب والشبه لظهور حقيته ، وذلك مقتض لهدايته وإرشاده فإن نظر إلى اتحاد المعاني بحسب المال كان الثاني مقرراً للأول ، فلذا ترك العطف وإن نظر إلى أن الأول مقتض لما بعده للزومه بعد التأمل الصادق ، فالأول لاستلزامه ما يليه وكونه في قوته يجعله منزلا منه منزلة بدل الاشتمال لما بينهما من المناسبة والملازمة فوزانه وزان حسنها في أعجبتني الجارية حسنها وترك العطف حينئذ لشدة الاتصال بين هذه الجمل . وفيها أيضاً من النكت الرائقة والمزايا الفائقة ما لا يخفى جلالة قدره على من مرّ ما ذكرناه على فكره .