مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ} (3)

ثم أكد تعالى ذمهم بقوله : { لاهية قلوبهم } واللاهية من لهى عنه إذا ذهل وغفل ، وإنما ذكر اللعب مقدما على اللهو كما في قوله تعالى : { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } تنبيها على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه السخرية والإستهزاء معلل باللهو الذي معناه الذهول والغفلة ، فإنهم أقدموا على اللعب للهوهم وذهولهم عن الحق ، والله أعلم بالصواب .

المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : { وهم يلعبون لاهية قلوبهم } حالان مترادفان أو متداخلان ومن قرأ لاهية بالرفع فالحال واحدة لأن لاهية قلوبهم خبر بعد خبر لقوله : { وهم } .

أما قوله : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } ففيه سؤالان :

السؤال الأول : النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية فما معنى قوله : { وأسروا النجوى } . الجواب : معناه بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم .

السؤال الثاني : لم قال : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } . الجواب : أبدل الذين ظلموا من أسروا إشعارا بأنهم هم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به أو جاء على لغة من قال : أكلوني البراغيث أو هو منصوب المحل على الذم أو هو مبتدأ خبره : { أسروا النجوى } قدم عليه والمعنى وهؤلاء أسروا النجوى فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم .

أما قوله : { هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويحتمل أن يكون التقدير وأسروا النجوى وقالوا هذا الكلام .

المسألة الثانية : إنما أسروا هذا الحديث لوجهين : أحدهما : أنه كان ذلك شبهة التشاور فيما بينهم والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره ، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم . الثاني : يجوز أن يسروا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين إن كان ما تدعونه حقا فأخبرونا بما أسررناه .

المسألة الثالثة : أنهم طعنوا في نبوته بأمرين : أحدهما : أنه بشر مثلهم . والثاني : أن الذي أتى به سحر ، وكلا الطعنين فاسد . أما الأول : فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل لا على الصور إذ لو بعث الملك إليهم لما علم كونه نبيا لصورته ، وإنما كان يعلم بالعلم فإذا ظهر ذلك على من هو بشر فيجب أن يكون نبيا ، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشرا لأن المرء إلى القبول من أشكاله أقرب وهو به آنس . وأما الثاني : وهو أن ما أتى به الرسول عليه السلام سحر وأنهم يرون كونه سحرا فجهل أيضا ، لأن كل ما أتى به الرسول من القرآن وغيره ظاهر الحال لا تمويه فيه ولا تلبيس فيه . فقد كان عليه السلام يتحداهم بالقرآن حالا بعد حال مدة من الزمان وهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها لأن الفعل عند توافر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع ، فلما لم يأتوا بها دلنا ذلك على أنه في نفسه معجزة وأنهم عرفوا حاله . فكيف يجوز أن يقال : إنه سحر والحال على ما ذكرناه ، وكل ذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بصدقه ، إلا أنهم كانوا يموهون على ضعفائهم بمثل هذا القول وإن كانوا فيه مكابرين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ} (3)

وقوله سبحانه : { لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } إما حال أخرى منه فتكون مترادفة أو حال من واو { يَلْعَبُونَ } [ الأنبياء : 2 ] فتكون متداخلة والمعنى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث في حال من الأحوال إلا حال استماعهم إياه لاعبين مستهزئين به لاهين عنه أو لاعبين به حال كون قلوبهم لاهية عنه .

وقرأ ابن أبي عبلة . وعيسى { لاَهِيَةً } بالرفع على أنه خبر بعد خبر لهم ، والسر في اختلاف الخبرين لا يخفى ، و { لاَهِيَةً } من لهى عن الشيء بالكسر لهياً ولهياناً إذا سلا عنه وترك ذكره وأضرب عنه كما في «الصحاح » . وفي «الكشاف » هي من لهى عنه إذا ذهل وغفل وحيث اعتبر في الغفلة فيما مر أن لا يكون للغافل شعور بالمغفول عنه أصلاً بأن لا يخطر بباله ولا يقرع سمعه أشكل وصف قلوبهم بالغفلة بعد سماع الآيات إذ قد زالت عنهم بذلك وحصل لهم الشعور وإن لم يوفقوا للإيمان وبقوا في غيابة الخزي والخذلان .

وأجيب بأن الوصف بذلك على تنزيل شعورهم لعدم انتفاعهم به منزلة العدم نظير ما قيل في قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ في الآخرة مِنْ خلاق وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } ( البقرة ؛ 102 ) وأنت تعلم أنه لا بأس أن يراد من الغفلة المذكورة في تفسير لهى الترك والإعراض على ما تفصح عنه عبارة الصحاح ، وإنما لم يجعل ذلك من اللهو بمعنى اللعب على ما هو المشهور لأن تعقيب { يَلْعَبُونَ } بذلك حينئذٍ مما لا يناسب جزالة التنزيل ولا يوافق جلالة نظمه الجزيل وإن أمكن تصحيح معناه بنوع من التأويل ، والمراد بالحدوث الذي يستدعيه { مُّحْدَثٍ } التجدد وهو يقتضي المسبوقية بالعدم ، ووصف الذكر بذلك باعتبار تنزيله لا باعتباره نفسه وإن صح ذلك بناءً على حمل الذكر على الكلام اللفظي والقول بما شاع عن الأشاعرة من حدوثه ضرورة أنه مؤلف من الحروف والأصوات لأن الذي يقتضيه المقام ويستدعيه حسن الانتظام بيان أنه كلما تجدد لهم التنبيه والتذكير وتكرر على أسماعهم كلمات التخويف والتحذير ونزلت عليهم الآيات وقرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة والجهالة عدد الحصا وأرشدوا إلى طريق الحق مراراً لا يزيدهم ذلك إلا فراراً ، وأما إن ذلك المنزل حادث أو قديم فمما لا تعلق له بالمقام كما لا يخفى على ذوي الإفهام . وجوز أن يكون المراد بالذكر الكلام النفسي وإسناد الإتيان إليه مجاز بل إسناده إلى الكلام مطلقاً كذلك ؛ والمراد من الحدوث التجدد ويقال : إن وصفه بذلك باعتبار التنزيل فلا ينافي القول بقدم الكلام النفسي الذي ذهب إليه مثبتوه من أهل السنة والجماعة . والحنابلة القائلون بقدم اللفظي كالنفسي يتعين عندهم كون الوصف باعتبار ذلك لئلا تقوم الآية حجة عليهم ، وقال الحسن بن الفضل المراد بالذكر النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمي ذكراً في قوله تعالى : { قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً } [ الطلاق : 10 ، 11 ] ويدل عليه هنا { هَلْ هذا } الخ الآتي قريباً إن شاء الله تعالى وفيه نظر ، وبالجملة ليست الآية مما تقام حجة على رد أهل السنة ولو الحنابلة كما لا يخفى { وَأَسَرُّواْ النجوى } كلام مستأنف مسوق لبيان جناية أخرى من جناياتهم ، و { النجوى } اسم من التناجي ولا تكون إلا سراً فمعنى إسرارها المبالغة في إخفائها ، ويجوز أن تكون مصدراً بمعنى التناجي فالمعنى أخفوا تناجيهم بأن لم يتناجوا بمرأى من غيرهم ، وهذا على ما في «الكشف » أظهر وأحسن موقعاً ، وقال أبو عبيدة : الإسرار من الأضداد ، ويحتمل أن يكون هنا بمعنى الإظهار ومنه قول الفرزدق

: فلما رأى الحجاج جرد سيفه *** أسر الحروري الذي كان أضمرا

وأنت تعلم أن الشائع في الاستعمال معنى الإخفاء وإن قلنا إنه من الأضداد كما نص عليه التبريزي ولا موجب للعدول عن ذلك ، وقوله تعالى : { الذين ظَلَمُواْ } بدل من ضمير { أَسَرُّواْ } كما قال المبرد ، وعزاه ابن عطية إلى سيبويه ، وفيه إشعار بكونهم موصوفين بالظلم الفاحش فيما أسروا به ، وقال أبو عبيدة . والأخفش . وغيرهما : هو فاعل { أَسَرُّواْ } والواو حرف دال على الجمعية كواو قائمون وتاء قامت وهذا على لغة أكلوني البراغيث وهي لغة لأزدشنوءة قال شاعرهم

: يلومونني في اشتراء النخيل أهلي وكلهم ألوم . *** وهي لغة حسنة على ما نص أبو حيان وليست شاذة كما زعمه بعضهم ، وقال الكسائي : هو مبتدأ والجملة قبله خبره وقدم اهتماماً به ، والمعنى هم أسروا النجوى فوضع الموصول موضع الضمير تسجيلاً على فعلهم بكونه ظلماً ، وقيل هو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين ، وقيل هو فاعل لفعل محذوف أي يقول الذين والقول كثيراً ما يضمر ، واختاره النحاس ، وهو على هذه الأقوال في محل الرفع .

وجوز أن يكون في محل النصب على الذم كما ذهب إليه الزجاج أو على إضمار أعني كما ذهب إليه بعضهم ، وأن يكون في محل الجر على أن يكون نعتاً { لِلنَّاسِ } [ الأنبياء : 1 ] كما قال أبو البقاء أو بدلاً منه كما قال الفراء وكلاهما كما ترى ، وقوله تعالى : { هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } الخ في حيز النصب على أنه مفعول لقول مضمر بعد الموصول وصلته هو جواب عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل ماذا قالوا في نجواهم ؟ فقيل قالوا هذا هذا الخ أو بدل من { أَسَرُّواْ } أو معطوف عليه ، وقيل حال أي قائلين هل هذا الخ وهو مفعول لقول مضمر قبل الموصول على ما اختاره النحاس ، وقيل مفعول للنجوى نفسها لأنها في معنى القول والمصدر المعرف يجوز إعماله الخليل .

وسيبويه ، وقيل بدل منها أي أسروا هذا الحديث ، و { هَلُ } بمعنى النفوي ليست للاستفهام التعجبي كما زعم أبو حيان ، والهمزة في قوله تعالى : { أَفَتَأْتُونَ السحر } للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، وقوله سبحانه : { وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } حال من فاعل تأتون مقررة للإنكار مؤكدة للاستبعاد ، وأرادوا كما قيل ما هذا إلا بشر مثلكم أي من جنسكم وما أتى به سحر تعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الاذعان والقبول وأنتم تعاينون أنه سحر قالوه بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ أن الرسول لا يكون إلا ملكاً وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر ، وعنوا بالسحر ههنا القرآن ففي ذلك إنكار لحقيته على أبلغ وجه قاتلهم الله تعالى أني يؤفكون ، وإنما أسروا ذلك لأنه كان على طريق توثيق العهد وترتيب مبادي الشر والفساد وتمهيد مقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة وإطفاء نور الدين والله تعالى يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون ، وقيل أسروه ليقولوا للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إن كان ما تدعونه حقاً فاخبرونا بما أسررناه ؟ ورده في الكشف بأنه لا يساعده النظم ولا يناسب المبالغة في قوله تعالى : { وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ } ولا في قوله سبحانه { أَفَتَأْتُونَ } السحر .

هذا ومن باب الإشارة :وفي قوله تعالى : { وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } [ الأنبياء : 3 ] إشارة إلى سوء حال بعض المنكرين على أولياء الله تعالى فإن نفوسهم الخبيثة الشيطانية تأبى اتباعهم لما يرون من المشاركة في العوارض البشرية .