قوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } .
اعلم أن ظاهر الآية لا يدل على الشيء الذي به رموا المحصنات وذكر الرمي لا يدل على الزنا ، إذ قد يرميها بسرقة وشرب خمر وكفر ، بل لابد من قرينة دالة على التعيين ، وقد أجمع العلماء على أن المراد الرمي بالزنا وفي الآية أقوال تدل عليه أحدها : تقدم ذكر الزنا . وثانيها : أنه تعالى ذكر المحصنات وهن العفائف ، فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميهن بضد العفاف . وثالثها : قوله : { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } يعني على صحة ما رموهن به ، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا . ورابعها : انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو الرمي بالزنا ، إذا عرفت هذا فالكلام في هذه الآية يتعلق بالرمي والرامي والمرمي .
البحث الأول : في الرمي وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض ، فالصريح أن يقول يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك ، ولو قال زنى بدنك فيه وجهان : أحدها : أنه كناية كقوله : زنى يدك ، لأن حقيقة الزنا من الفرج فلا يكون من سائر البدن إلا المعونة . والثاني : وهو الأصح أنه صريح ، لأن الفعل إنما يصدر من جملة البدن . والفرج آلة في الفعل . أما الكنايات فمثل أن يقول يا فاسقة ، يا فاجرة ، يا خبيثة ، يا مؤاجرة ، يا ابنة الحرام ، أو امرأتي لا ترد يد لامس ، وبالعكس فهذا لا يكون قذفا إلا أن يريده ، وكذلك لو قال لعربي يا نبطي ، فهذا لا يكون قذفا إلا أن يريده ، فإن أراد به القذف فهو قذف لأم المقول له وإلا فلا ، فإن قال عنيت به نبطي الدار واللسان ، وادعت أم المقول له أنه أراد القذف ، فالقول قوله مع يمينه . أما التعريض فليس بقذف وإن أراده ، وذلك مثل قوله : يا ابن الحلال ، أما أنا فما زنيت وليست أمي زانية ، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح رحمهم الله . وقال مالك رحمه الله : يجب الحد فيه ، وقال أحمد وإسحاق : هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا ، لنا ، أن التعريض بالقذف محتمل للقذف ولغيره ، فوجب أن لا يجب الحد ، لأن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ، وأيضا فلقوله عليه السلام : «أدرأوا الحدود بالشبهات » ولأن الحدود شرعت على خلاق النص النافي للضرر . والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الحاصل بالتعريض ، واحتج المخالف بما روى الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال : كان عمر يضرب الحد في التعريض . وروي أيضا أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أحدهما للآخر : والله ما أنا بزان ولا أمي بزانية ، فاستشار عمر الناس في ذلك ، فقال قائل : مدح أباه وأمه ، وقال آخرون : قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا ، فجلده عمر ثمانين جلدة والجواب : أن في مشاورة عمر الصحابة في حكم التعريض دلالة على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف ، وأنهم قالوا رأيا واجتهادا .
المسألة الثانية : في تعدد القذف اعلم أنه إما أن يقذف شخصا واحدا مرارا أو يقذف جماعة ، فإن قذف واحدا مرارا نظر إن كان أراد بالكل زنية واحدة بأن قال : زنيت بعمرو قاله مرارا لا يجب إلا حد واحد ، ولو أنشأ الثاني بعدما حد للأول عزر للثاني ، وإن قذفها بزنيات مختلفة بأن قال زنيت بزيد ، ثم قال زنيت بعمرو ، فهل يتعدد الحد أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما : يتعدد اعتبارا باللفظ ولأنه من حقوق العباد فلا يقع فيه التداخل كالديون . والثاني : وهو الأصح يتداخل فلا يجب فيه إلا حد واحد لأنهما حدان من جنس واحد لمستحق واحد فوجب أن يتداخل كحدود الزنا ، ولو قذف زوجته مرارا ، فالأصح أنه يكتفي بلعان واحد سواء قلنا يتعدد الحد أو لا يتعدد . أما إذا قذف جماعة معدودين نظر ، إن قذف كل واحد بكلمة يجب عليه لكل واحد حد كامل ، وعند أبي حنيفة رحمه الله : لا يجب عليه إلا حد واحد . واحتج أبو بكر الرازي على قول أبي حنيفة بالقرآن والسنة والقياس .
أما القرآن فهو قوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات } والمعنى أن كل أحد يرمي المحصنات وجب عليه الجلد ، وذلك يقتضي أن قاذف جماعة من المحصنات لا يجلد أكثر من ثمانين فمن أوجب على قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فقد خالف الآية .
وأما السنة : فما روى عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء ، فقال النبي عليه السلام : «لا ، البينة أو حد في ظهرك » فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على هلال إلا حدا واحدا مع قذفه لامرأته ولشريك بن سحماء ، إلى أن نزلت آية اللعان فأقيم اللعان في الزوجات مقام الحد في الأجنبيات .
وأما القياس : فهو أن سائر ما يوجب الحد إذا وجد منه مرارا لم يجب إلا حد واحد كمن زنى مرارا أو شرب مرارا أو سرق مرارا فكذا ههنا ، والمعنى الجامع دفع مزيد الضرر والجواب : عن الأول أن قوله : { والذين } صيغة جمع ، وقوله : { المحصنات } صيغة جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى كل من رمى محصنا واحدا وجب عليه الجد ، وعند ذلك يظهر وجه تمسك الشافعي رحمه الله بالآية ، ولأن قوله : { والذين يرمون المحصنات فاجلدوهم } يدل على ترتيب الجلد على رمي المحصنات وترتيب الحكم على الوصف ، لاسيما إذا كان مناسبا فإنه مشعر بالعلية ، فدلت الآية على أن رمي المحصن من حيث إنه هذا المسمى يوجب الجلد إذا ثبت هذا فنقول : إذا قذف واحدا صار ذلك القذف موجبا للحد ، فإذا قذف الثاني وجب أن يكون القذف الثاني موجبا للحد أيضا ، ثم موجب القذف الثاني لا يجوز أن يكون هو الحد الأول لأن ذلك قد وجب بالقذف الأول وإيجاب الواجب محال ، فوجب أن يحد بالقذف الثاني حدا ثانيا ، أقصى ما في الباب أن يورد على هذه الدلالة حدود الزنا . لكنا نقول ترك العمل هناك بهذا الدليل لأن حد الزنا أغلظ من حد القذف ، وعند ظهور الفارق يتعذر الجمع .
وأما السنة فلا دلالة فيها على هذه المسألة لأن قذفهما بلفظ واحد ، ولنا في هذه المسألة تفصيل سيأتي إن شاء .
وأما القياس ففاسد لأن حد القذف حق الآدمي . بدليل أنه لا يحد إلا بمطالبة المقذوف وحقوق الآدمي لا تتداخل بخلاف حد الزنا ، فإنه حق الله تعالى . هذا كله إذا قذف جماعة كل واحد منهم بكلمة على حدة . أما إذا قذفهم بكلمة واحدة فقال أنتم زناة أو زنيتم ، ففيه قولان أصحهما وهو قوله في الجديد : يجب لكل واحد حد كامل لأنه من حقوق العباد فلا يتداخل ، ولأنه أدخل على كل واحد منهم معرة فصار كما لو قذفهم بكلمات . وفي القديم لا يجب للكل إلا حد واحد اعتبارا باللفظ ، فإن اللفظ واحد والأول أصح لأنه أوفق لمفهوم الآية . فعلى هذا لو قال لرجل يا ابن الزانيين يكون قذفا لأبويه بكلمة واحدة فعليه حدان .
المسألة الثالثة : فيما يبيح القذف : القذف ينقسم إلى محظور ومباح وواجب ، وجملة الكلام أنه إذا لم يكن ثم ولد يريد نفيه فلا يجب ، وهل يباح أم لا ينظر إن رآها بعينه تزني أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها أو سمع ممن يثق بقوله أو لم يسمع ، لكنه استفاض فيما بين الناس أن فلانا يزني بفلانة ، وقد رآه الزوج يخرج من بيتها أو رآه معها في بيت ، فإنه يباح له القذف لتأكد التهمة ، ويجوز أن يمسكها ويستر عليها .
لما روي «أن رجلا قال يا رسول الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس ، قال : طلقها . قال إني أحبها ، قال : فأمسكها » أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله أو استفاض من بين الناس ولكن الزوج لم يره معها أو بالعكس لم يحل له قذفها ، لأنه قد يذكره من لا يكون ثقة فينتشر ويدخل بيتها خوفا من قاصد أو لسرقة أو لطلب فجور فتأبى المرأة قال الله تعالى : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم } أما إذا كان ثم ولد يريد نفيه ، نظر فإن تيقن أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها الزوج أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولم يدخلها الله جنته » فلما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم كان الرجل أيضا كذلك ، أما إن احتمل أن يكون منه بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولدون أربع سنين ، نظر إن لم يكن قد استبرأها بحيضة ، أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء ، لا يحل له القذف والنفي وإن اتهمها بالزنا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين » فإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفي . والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم على الحبل وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه بأن كانا أبيضين فأتت به أسود ، نظر إن لم يكن يتهمها بالزنا فليس له نفيه ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه : «أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاما أسود ، فقال هل لك من إبل ؟ قال نعم ، قال ما ألوانها ؟ قال حمر ، قال فهل فيها أورق ؟ قال نعم ، قال فكيف ذاك ؟ قال نزعه عرق قال فلعل هذا نزعه عرق » وإن كان يتهمها بزنا أو يتهمها برجل فأتت بولد يشبهه هل يباح له نفيه فيه وجهان : أحدهما : لا لأن العرق ينزع والثاني : له ذلك لأن التهمة قد تأكدت بالشبهة .
البحث الثاني : في الرامي وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إذا قذف الصبي أو المجنون امرأته أو أجنبيا فلا حد عليهما ولا لعان ، لا في الحال ولا بعد البلوغ ، لقوله عليه الصلاة والسلام : «رفع القلم عن ثلاث » ولكن يعزران للتأديب إن كان لهما تمييز ، فلو لم تتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ ، قال القفال يسقط التعزير لأنه كان للزجر عن إساءة الأدب وقد حدث زاجر أقوى وهو البلوغ .
المسألة الثانية : الأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة أو كتابة معلومة وقذف بالإشارة أو بالكناية لزمه الحد ، وكذلك يصح لعانه بالإشارة والكناية ، وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه ، وقول الشافعي رحمه الله أقرب إلى ظاهر الآية لأن من كتب أو أشار إلى القذف فقد رمى المحصنة وألحق العار بها فوجب اندراجه تحت الظاهر ، ولأنا نقيس قذفه ولعانه على سائر الأحكام .
المسألة الثالثة : اختلفوا فيما إذا قذف العبد حرا فقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان القن عليه أربعون جلدة ، روى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا عليه السلام قال : «يجلد العبد في القذف أربعين » وعن عبد الله بن عمر أنه قال : «أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء وكلهم يضربون المملوك في القذف أربعين » وقال الأوزاعي يجلد ثمانين وهو مروي عن ابن مسعود ، وروى أنه جلد عمر بن عبد العزيز العبد في الفرية ثمانين . ومدار المسألة على حرف واحد وهو أن هذه الآية صريحة في إيجاب الثمانين فمن رد هذا الحد إلى أربعين فطريقه أن الله تعالى قال : { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } فنص على أن حد الأمة في الزنا نصف حد الحرة ، ثم قاسوا العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا ، ثم قاسوا تنصيف حد قذف العبد على تنصيف حد الزنا في حقه ، فرجع حاصل الأمر إلى تخصيص عموم الكتاب بهذا القياس .
المسألة الرابعة : اتفقوا على دخول الكافر تحت عموم قوله : { والذين يرمون المحصنات } لأن الاسم يتناوله ولا مانع ، فاليهودي إذا قذف المسلم يجلد ثمانين ، والله أعلم .
البحث الثالث : في المرمى وهي المحصنة ، قال أبو مسلم : اسم الإحصان يقع على المتزوجة وعلى العفيفة وإن لم تتزوج ، لقوله تعالى في مريم : { والتي أحصنت فرجها } وهو مأخوذ من منع الفرج فإذا تزوجت منعته إلا من زوجها ، وغير المتزوجة تمنعه كل أحد ، ويتفرع عليه مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر الآية يتناول جميع العفائف سواء كانت مسلمة أو كافرة وسواء كانت حرة أو رقيقة ، إلا أن الفقهاء قالوا : شرائط الإحصان خمسة الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا ، وإنما اعتبرنا الإسلام لقوله عليه السلام : «من أشرك بالله فليس بمحصن » وإنما اعتبرنا العقل والبلوغ لقوله عليه السلام : «رفع القلم عن ثلاث » وإنما اعتبرنا الحرية لأن العبد ناقص الدرجة فلا يعظم عليه التعيير بالزنا ، وإنما اعتبرنا العفة عن الزنا لأن الحد مشروع لتكذيب القاذف ، فإذا كان المقذوف زانيا فالقاذف صادق في القذف . وكذلك إذا كان المقذوف وطئ امرأة بشبهة أو نكاح فاسد لأن فيه شبهة الزنا كما فيه شبهة الحل ، فكما أن إحدى الشبهتين أسقطت الحد عن الواطئ فكذا الأخرى تسقطه عن قاذفه أيضا ، ثم نقول من قذف كافرا أو مجنونا أو صبيا أو مملوكا ، أو من قد رمى امرأة ، فلا حد عليه ، بل يعزر للأذى ، حتى لو زنى في عنفوان شبابه مرة ثم تاب وحسن حاله وشاخ في الصلاح لا يحد قاذفه ، وكذلك لو زنى كافر أو رقيق ثم أسلم وعتق وصلح حاله فقذفه قاذف لا حد عليه ، بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف يحد ، لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا ، ولو قذف محصنا فقبل أن يحد القاذف زنا المقذوف سقط الحد عن قاذفه لأن صدور الزنا يورث ريبة في حالة فيما مضى لأن الله تعالى كريم لا يهتك ستر عبده في أول ما يرتكب المعصية ، فبظهوره يعلم أنه كان متصفا به من قبل ، روي أن رجلا زنى في عهد عمر ، فقال والله ما زنيت إلا هذه ، فقال عمر كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة ، وقال المزني وأبو ثور : الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف .
المسألة الثانية : قال الحسن البصري قوله : { والذين يرمون المحصنات } يقع على الرجال والنساء ، وسائر العلماء أنكروا ذلك لأن لفظ المحصنات جمع لمؤنث فلا يتناول الرجال ، بل الإجماع دل على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات .
المسألة الثالثة : رمي غير المحصنات لا يوجب الحد بل يوجب التعزير إلا أن يكون المقذوف معروفا بما قذف به فلا حد هناك ولا تعزير ، فهذا مجموع الكلام في تفسير قوله سبحانه : { والذين يرمون المحصنات } .
أما قوله سبحانه : { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } ففيه بحثان :
البحث الأول : اعلم أن الله تعالى حكم في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام أحدها : جلد ثمانين . وثانيها : بطلان الشهادة . وثالثها : الحكم بفسقه إلى أن يتوب ، واختلف أهل العلم في كيفية ثبوت هذه الأحكام ، بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة البينة على الزنا ، فقال قائلون قد بطلت شهادته ولزمه سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه وهو قول الشافعي والليث بن سعد . وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر شهادته مقبولة ما لم يحد . قال أبو بكر الرازي وهذا مقتضى قولهم إنه غير موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد . لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته إذ كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها ، ثم احتج أبو بكر على صحة قول أبي حنيفة رحمه الله بأمور . أحدها : قوله سبحانه : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } ظاهر الآية يقتضي ترتب وجوب الحد على مجموع القذف والعجز عن إقامة الشهادة ، فلو علقنا هذا الحكم على القذف وحده قدح ذلك في كونه معلقا على الأمرين وذلك بخلاف الآية ، وأيضا فوجوب الجلد حكم مرتب على مجموع أمرين فوجب أن لا يحصل بمجرد حصول أحدهما ، كما لو قال لامرأته إن دخلت الدار وكلمت فلانا فأنت طالق ، فأتت بأحد الأمرين دون الآخر لم يوجد الجزاء فكذا ههنا . وثانيها : أن القاذف لا يحكم عليه بالكذب بمجرد قذفه وإذا كان كذلك وجب أن لا ترد شهادته بمجرد القذف . بيان الأول من ثلاثة أوجه . الأول : أن مجرد قذفه لو أوجب كونه كاذبا لوجب أن لا تقبل بعد ذلك بينته على الزنا إذ قد وقع الحكم بكذبه ، والحكم بكذبه في قذفه حكم ببطلان شهادة من شهد بصدقه في كون المقذوف زانيا ، ولما أجمعوا على قبول بينته ثبت أنه لم يحكم عليه بالكذب بمجرد قذفه . الثاني : أن قاذف امرأته بالزنا لا يحكم بكذبه بنفس قذفه ، وإلا لما جاز إيجاب اللعان بينه وبين امرأته ، ولما أمر بأن يشهد بالله أنه لصادق فيما رماها به من الزنا مع الحكم بكذبه . ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما لاعن بين الزوجين «الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب » فأخبر أن أحدهما بغير تعيين هو الكاذب ولم يحكم بكذب القاذف ، وفي ذلك دليل على أن نفس القذف لا يوجب كونه كاذبا . الثالث : قوله تعالى : { لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون } فلم يحكم بكذبهم بنفس القذف فقط ، فثبت بهذه الوجوه أن القاذف غير محكوم عليه بكونه كاذبا بمجرد القذف ، وإذا كان كذلك وجب أن لا تبطل شهادته بمجرد القذف لأنه كان عدلا ثقة والصادر عنه غير معارض ، ولما كان يجب أن يبقى على عدالته فوجب أن يكون مقبول الشهادة . وثالثها : قوله عليه الصلاة والسلام : «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف » أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء عدالة القاذف ما لم يحد . ورابعها : ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هلال ابن أمية لما قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله : «يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين » فأخبر أن بطلان شهادته متعلق بوقوع الجلد به وذلك يدل على أن مجرد القذف لا يبطل الشهادة . وخامسها : أن الشافعي رحمه الله زعم أن شهود القذف إذا جاءوا متفرقين قبلت شهادتهم ، فإن كان القذف قد أبطل شهادته فواجب أن لا يقبلها بعد ذلك ، وإن شهد معه ثلاثة لأنه قد فسق بقذفه ووجب الحكم بكذبه ، وفي قبول شهادتهم إذا جاءوا متفرقين ما يلزمه أن لا تبطل شهادتهم بنفس القذف ، وأما وجه قول الشافعي رحمه الله فهو أن الله تعالى رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أمورا ثلاثة معطوفا بعضها على بعض بحرف الواو ، وحرف الواو لا يقتضي الترتيب . فوجب أن لا يكون بعضها مرتبا على البعض ، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتبا على إقامة الحد ، بل يجب أن يثبت رد الشهادة سواء أقيم الحد عليه أو ما أقيم ، والله أعلم .
البحث الثاني : في كيفية الشهادة على الزنا قال الله تعالى : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } وقال تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } وقال سعد بن عبادة : «يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟ قال نعم« ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين فيه قولان : أحدهما : لا يثبت إلا بأربعة كفعل الزنا . والثاني : يثبت بخلاف فعل الزنا ، لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه فاحتيط فيه باشتراط الأربع والإقرار أمر ظاهر فلا يغمض الإطلاع عليه .
المسألة الثانية : إذا شهدوا على فعل الزنا يجب أن يذكروا الزاني ومن زنى بها ، لأنه قد يراه على جارية له فيظن أنها أجنبية ، ويجب أن يشهدوا أنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول الميل في المكحلة ، فلو شهدوا مطلقا أنه زنى لا يثبت ، لأنهم ربما يرون المفاخذة زنا ، بخلاف ما لو قذف إنسانا فقال زنيت يجب الحد ولا يستفسر ، ولو أقر على نفسه بالزنا ، هل يشترط أن يستفسر ؟ فيه وجهان : أحدهما : نعم كالشهود والثاني : لا يجب كما في القذف .
المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين ، وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حد القذف ، حجة الشافعي رحمه الله من وجوه . الأول : أن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين أو متفرقين واللفظ الدال على ما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز ، فالآتي بهم متفرقين يكون عاملا بالنص فوجب أن يخرج عن العهدة . الثاني : كل حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين يثبت إذا جاءوا متفرقين كسائر الأحكام ، بل هذا أولى لأنهم إذا جاءوا متفرقين كان أبعد عن التهمة ، وعن أن يتلقن بعضهم من بعض ، فلذلك قلنا إذا وقعت ريبة للقاضي في شهادة الشهود فرقهم ليظهر على عورة إن كانت في شهادتهم . الثالث : أنه لا يشترط أن يشهدوا معا في حالة واحدة ، بل إذا اجتمعوا عند القاضي وكان يقدم واحد بعد آخر ويشهد فإنه تقبل شهادتهم ، فكذا إذا اجتمعوا على بابه . ثم كان يدخل واحد بعد واحد ، حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجهين : الأول : أن الشاهد الواحد لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة من الشهداء فوجب عليه الحد لقوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } أقصى ما في الباب أنهم عبروا عن ذلك القذف بلفظ الشهادة ، وذلك لا عبرة به لأنه يؤدي إلى إسقاط حد القذف رأسا ، لأن كل قاذف لا يعجزه لفظ الشهادة ، فيجعل ذلك وسيلة إلى إسقاط الحد عن نفسه ، ويحصل مقصوده من القذف . الثاني : ما روي «أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب أربعة : أبو بكرة ونافع ونفيع وقال زياد وكان رابعهم رأيت إستا تنبو ونفسا يعلو ورجلاها على عاتقه كأذني حمار ، ولا أدري ما وراء ذلك ، فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر » فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف ، لأن الحدود مما يتوقف فيها ويحتاط .
المسألة الرابعة : لو شهد على الزنا أقل من أربعة لا يثبت الزنا ، وهل يجب حد القذف على الشهود فيه قولان : أحدهما : لا يجب لأنهم جاءوا مجيء الشهود ، ولأنا لو حددنا لانسد باب الشهادة على الزنا ، لأن كل واحد لا يأمن أن لا يوافقه صاحبه فيلزمه الحد . والقول الثاني : وهو الأصح ، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله : يجب عليهم الحد ، والدليل عليه الوجهان اللذان ذكرناهما في المسألة الثالثة .
المسألة الخامسة : إذا قذف رجل رجلا فجاء بأربعة فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا ، قال أبو حنيفة رحمه الله : يسقط الحد عن القاذف ولا يجب الحد على الشهود . وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه : يحدون ، وجه قول أبي حنيفة قوله : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } وهذا قد أتى بأربعة شهداء فلا يلزمه الحد . ولأن الفاسق من أهل الشهادة وقد وجدت شرائط شهادة الزنا من اجتماعهم عند القاضي ، إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة ، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك وجب اعتبارها في نفي الحد عنهم ، ووجه قول الشافعي رحمه الله أنهم غير موصوفين بالشرائط المعتبرة في قبول الشهادة فخرجوا عن أن يكونوا شاهدين ، فبقوا محض القاذفين ، وههنا آخر الكلام في تفسير قوله تعالى : { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } .
أما قوله تعالى : { فاجلدوهم ثمانين جلدة } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : المخاطب بقوله : { فاجلدوهم } هو الإمام على ما بيناه في آية الزنا ، أو المالك على مذهب الشافعي ، أو رجل صالح ينصبه الناس عند فقد الإمام .
المسألة الثانية : خص من عموم هذه الآية صور . أحدها : الوالد يقذف ولده أو أحدا من نوافله ، فلا يجب عليه الحد ، كما لا يجب عليه القصاص بقتله . الثانية : القاذف إذا كان عبدا فالواجب جلد أربعين ، وكذا المكاتب وأم الولد ، ومن بعضه حر وبعضه رقيق فحدهم حد العبيد . الثالثة : من قذف رقيقة عفيفة أو من زنت في قديم الأيام ثم تابت فهي بموجب اللغة محصنة ، ومع ذلك لا يجب الحد بقذفها .
المسألة الثالثة : قالوا أشد الضرب في الحدود ضرب الزنا ، ثم ضرب شرب الخمر ، ثم ضرب القاذف ، لأن سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب ، إلا أنه عوقب صيانة للأعراض وزجرا عن هتكها .
المسألة الرابعة : قال مالك والشافعي حد القذف يورث ، فإذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد وقبل العفو يثبت لوارثه حد القذف ، وكذلك إذا كان الواجب بقذفه التعزير ، فإنه يورث عنه ، وكذا لو أنشأ القذف بعد موت المقذوف ثبت لوارثه طلب الحد . وعند أبي حنيفة رحمه الله : حد القذف لا يورث ويسقط بالموت . حجة الشافعي رحمه الله ، أن حد القذف هو حق الآدمي لأنه يسقط بعفوه ولا يستوفي إلا بطلبه ويحلف فيه المدعى عليه إذا أنكر ، وإذا كان حق الآدمي وجب أن يورث لقوله عليه السلام : «ومن ترك حقا فلورثته » حجة أبي حنيفة رحمه الله : أنه لو كان موروثا لكان للزوج أو الزوجة فيه نصيب ، ولأنه حق ليس فيه معنى المال والوثيقة فلا يورث كالوكالة والمضاربة والجواب : عن الأول أن الأصح عند الشافعية أنه يرثه جميع الورثة كالمال ، وفيه وجه ثان أنه يرثه كلهم إلا الزوج والزوجة ، لأن الزوجية ترتفع بالموت ، ولأن المقصود من الحد دفع العار عن النسب ، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة .
المسألة الخامسة : إذا قذف إنسان إنسانا بين يدي الحاكم ، أو قذف امرأته برجل بعينه والرجل غائب ، فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلانا قذفك وثبت لك حد القذف عليه ، كما لو ثبت له مال على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه ، وعلى هذا المعنى «بعث النبي صلى الله عليه وسلم أنيسا ليخبرها بأن فلانا قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها » قال الشافعي رحمه الله وليس للإمام إذا رمى رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك لأن الله تعالى قال : { ولا تجسسوا } وأراد به إذا لم يكن القاذف معينا ، مثل إن قال رجل بين يدي الحاكم الناس يقولون إن فلانا زنى فلا يبعث الحاكم إليه فيسأله .
أما قوله تعالى : { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } فاختلف الفقهاء فيه ، فقال أكثر الصحابة والتابعين إنه إذا تاب قبلت شهادته وهو قول الشافعي رحمه الله ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح رحمهم الله لا تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب ، وهذه المسألة مبنية على أن قوله : { إلا الذين تابوا } هل عاد إلى جميع الأحكام المذكورة أو اختص بالجملة الأخيرة ، فعند أبي حنيفة رحمه الله الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة مختص بالجملة الأخيرة ، وعند الشافعي رحمه الله يرجع إلى الكل ، وهذه المسألة قد لخصناها في أصول الفقه ، ونذكر ههنا ما يليق بهذا الموضع إن شاء الله تعالى ، احتج الشافعي رحمه الله على أن شهادته مقبولة بوجوه . أحدها : قوله عليه السلام : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له » ومن لا ذنب له مقبول الشهادة ، فالتائب يجب أن يكون أيضا مقبول الشهادة . وثانيها : أن الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع ، فالقاذف المسلم إذا تاب عن القذف وجب أن تقبل شهادته ، لأن القذف مع الإسلام أهون حالا من القذف مع الكفر ، فإن قيل المسلمون لا يألمون بسب الكفار ، لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل ، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنآن ما يلحقه بقذف مسلم مثله ، فشدد على القاذف من المسلمين زجرا عن إلحاق العار والشنآن ، وأيضا فالتائب من الكفر لا يجب عليه الحد والتائب من القذف لا يسقط عنه الحد ، قلنا هذا الفرق ملغى بقوله عليه السلام : «أنبئهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين » . وثالثها : أجمعنا على أن التائب عن الكفر والقتل والزنا مقبول الشهادة فكذا التائب عن القذف ، لأن هذه الكبيرة ليست أكبر من نفس الزنا . ورابعها : أن أبا حنيفة رحمه الله يقبل شهادته إذ تاب قبل الحد مع أن الحد حق المقذوف فلا يزول بالتوبة . فلأن تقبل شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد وقد حسنت حالته وزال اسم الفسق عنه كان أولى . وخامسها : أن قوله : { إلا الذين تابوا } استثناء مذكور عقيب جمل فوجب عوده إليها بأسرها ويدل عليه أمور . أحدها : أجمعنا على أنه لو قال عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله ، فإنه يرجع الاستثناء إلى الجميع فكذا فيما نحن فيه ، فإن قيل الفرق أن قوله : { إن شاء الله } يدخل لرفع حكم الكلام حتى لا يثبت فيه شيء ، والاستثناء المذكور بحرف الاستثناء لا يجوز دخوله لرفع حكم الكلام رأسا . ألا ترى أنه يجوز أن يقول أنت طالق إن شاء الله فلا يقع شيء ، ولو قال أنت طالق إلا طلاقا كان الطلاق واقعا والاستثناء باطلا لاستحالة دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية ، فثبت أنه لا يلزم من رجوع قوله : { إن شاء الله } إلى جميع ما تقدم صحة رجوع الاستثناء بحرفه إلى جميع ما تقدم ، قلنا هذا فرق في غير محل الجمع ، لأن إن شاء الله جاز دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية ، فلا جرم جاز رجوعه إلى جميع الجمل المذكورة وإلا جاز دخوله لرفع بعض الكلام فوجب جواز رجوعه إلى جميع الجمل على هذا الوجه ، حتى يقتضي أن يخرج من كل واحد من الجمل المذكورة بعضه . وثانيها : أن الواو للجمع المطلق فقوله : { فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون } صار الجمع كأنه ذكر معا لا تقدم للبعض على البعض ، فلما دخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى بعضها أولى من رجوعه إلى الباقي إذ لم يكن لبعضها على بعض تقدم في المعنى البتة فوجب رجوعه إلى الكل ، ونظيره على قول أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } فإن فاء التعقيب ما دخلت على غسل الوجه بل على مجموع هذه الأمور من حيث إن الواو لا تفيد الترتيب . فكذا ههنا كلمة إلا ما دخلت على واحد بعينه لأن حرف الواو لا يفيد الترتيب بل دخلت على المجموع ، فإن قيل الواو قد تكون للجمع على ما ذكرت وقد تكون للاستئناف وهي في قوله : { وأولئك هم الفاسقون } لأنها إنما تكون للجمع فيما لا يختلف معناه ونظمه جملة واحدة ، فيصير الكل كالمذكور معا مثل آية الوضوء فإن الكل أمر واحد كأنه قال فاغسلوا هذه الأعضاء فإن الكل قد تضمنه لفظ الأمر . وأما آية القذف فإن ابتداءها أمر وآخرها خبر فلا يجوز أن ينظمهما جملة واحدة ، وكان الواو للاستئناف فيختص الاستثناء به ، قلنا لم لا يجوز أن نجعل الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط كأنه قيل ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم ، أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والفسق ، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله يغفر لهم فينقبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين . وثالثها : أن قوله : { وأولئك هم الفاسقون } عقيب قوله : { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } يدل على أن العلة في عدم قبول تلك الشهادة كونه فاسقا ، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، لاسيما إذا كان الوصف مناسبا وكونه فاسقا يناسب أن لا يكون مقبول الشهادة ، إذا ثبت أن العلة لرد الشهادة ليست إلا كونه فاسقا ، ودل الاستثناء على زوال الفسق فقد زالت العلة فوجب أن يزول الحكم لزوال العلة . ورابعها : أن مثل هذا الاستثناء موجود في القرآن ، قال الله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { إلا الذين تابوا } ولا خلاف أن هذا الاستثناء راجع إلى ما تقدم من أول الآية ، وأن التوبة حاصلة لهؤلاء جميعا وكذلك قوله : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } إلى قوله : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وصار التيمم لمن وجب عليه الاغتسال ، كما أنه مشروع لمن وجب عليه الوضوء ، وهذا الوجه ذكره أبو عبيد في إثبات مذهب الشافعي رحمه الله ، واحتج أصحاب أبي حنيفة على أن حكم الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة بوجوه . أحدها : أن الاستثناء من الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة ، فكذا في جميع الصور طردا للباب . وثانيها : أن المقتضي لعموم الجمل المتقدمة قائم والمعارض وهو الاستثناء يكفي في تصحيحه تعليقه بجملة واحدة ، لأن بهذا القدر يخرج الاستثناء عن أن يكون لغوا فوجب تعليقه بالجملة الواحدة فقط . وثالثها : أن الاستثناء لو رجع إلى كل الجمل المتقدمة لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد وهذا باطل بالإجماع فوجب أن يختص الاستثناء بالجملة الأخيرة والجواب : عن الأول أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ، فالاستثناء عقيب الاستثناء لو رجع إلى الاستثناء الأول وإلى المستثنى فبقدر ما نفي من أحدهما أثبت في الآخر فينجبر الناقص بالزائد ويصير الاستثناء الثاني عديم الفائدة ، فلهذا السبب قلنا في الاستثناء من الاستثناء إنه يختص بالجملة الأخيرة والجواب : عن الثاني أنا بينا أن واو العطف لا تقتضي الترتيب فلم يكن بعض الجمل متأخرا في التقدير عن البعض ، فلم يكن تعليقه بالبعض أولى من تعليقه بالباقي ، فوجب تعليقه بالكل والجواب : عن الثالث أنه ترك العمل به في حق البعض فلم يترك العمل به في حق الباقي ، واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله في المسألة بوجوه من الأخبار أحدها : ما روى ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين » فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن وقوع الجلد به يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها . وثانيها : أن قوله عليه السلام : «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف » ولم يشترط فيه وجود التوبة منه . وثالثها : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا تجوز شهادة محدود في الإسلام » قالت الشافعية هذا معارض بوجوه : أحدها : قوله عليه السلام : «إذا علمت مثل الشمس فاشهد » والأمر للوجوب فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم تكن مقبولة لما وجبت لأنها تكون عبثا . وثانيها : قوله عليه السلام : «نحن نحكم بالظاهر » وههنا قد حصل الظهور لأن دينه وعقله وعفته الحاصلة بالتوبة تفيد ظن كونه صادقا . وثالثها : ما روي عن عمر بن الخطاب «أنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع ، ثم قال لهم من أكذب نفسه قبلت شهادته ومن لم يفعل لم أجز شهادته فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا وكان يقبل شهادتهما . وأما أبو بكرة فكان لا يقبل شهادته » وما أنكر عليه أحد من الصحابة فيه ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة .
أما قوله تعالى : { وأولئك هم الفاسقون } فاعلم أنه يدل على أمرين : الأول : أن القذف من جملة الكبائر لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب الكبيرة . الثاني : أنه اسم لمن يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقا من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب وبأنه رام إلى غير ذلك .
{ والذين يَرْمُونَ المحصنات } شروع في بيان حكم من نسب الزنا إلى غيره بعد بيان حكم من فعله ، والموصول على ما اختاره العلامة الثاني في التلويح منصوب بفعل محذوف يدل فعل الأمر بعد عليه أي اجلدوا الذين ، ويجوز أن يكون في محل رفع على الابتداء ولا يخفى عليك خبره . والآية نزلت في امرأة عويمر كما في «صحيح البخاري » ، وعن سعيد بن جبير أنها نزلت بسبب ثصة الافك والرمي مجاز عن الشتم
. وجرح اللسان كجرج اليد *** والمراد الرمي بالزنا كما يدل عليه إيراد ذلك عقيب الزواني مع جعل المفعول { المحصنات } الدال على النزاهة عن الزنا وهذا كالصريح في ذلك ، وربما يدعى أن اشتراط أربعة من الشهود يشهدون بتحقق ما رمي به كما يدل عليه قوله تعالى : { ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً } قرينة على المراد بناء على العلم بأنه لا شيء يتوقف ثبوته بالشهادة على شهادة أربعة إلا الزنا ، والظاهر أن المراد النساء المحصنات وعليه يكون ثبوت وجوب جلد رامي المحصن بدلالة النص للقطع بإلغاء الفارق وهو صفة الأنوثة واستقلال دفع عار ما نسب إليه بالتأثير بحيث لا يتوقف فهمه على ثبوت أهلية الاجتهاد ، وكذا ثبوت وجوب جلد رامية المحصن أو المحصنة بتلك الدلالة وإلا فالذين يرمون للجمع المذكر ، وتخصيص الذكور في جانب الرامي والإناث في جانب المرمي لخصوص الواقعة ، وقيل المراد الفروج المحصنات وفيه أن إسناد الرمي يأباه مع ما فيه من التوصيف بالمحصنات من مخالفة الظاهر .
وقال ابن حزم وحكاه الزهراوي : المراد الأنفس المحصنات ؛ واستدل له أبو حيان بقوله تعالى : { والمحصنات مِنَ النساء } [ النساء : 24 ] فإنه لولا أن المحصنات صالح للعموم لم يقيد . وتعقب بأن من النساء هناك قرينة على العموم ولا قرينة هنا ، وجعل كون حكم الرجال كذلك قرينة لا يخلو عن شيء فالأولى الاعتماد على ما تقدم ؛ والإحصان هنا لا يتحقق إلا بتحقق العفة عن الزنا وهو معناه المشهور وبالحرية والبلوغ والعقل والإسلام .
قال أبو بكر الرازي : ولا نعلم خلافاً بين الفقهاء في ذلك . ولعل غيره علم كما ستعلم إن شاء الله تعالى . وثبوته بإقرار القاذف أو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين خلافاً لزفر . ووجه اعتبار العفة عن الزنا ظاهر لكن في شرح الطحاوي في الكلام على العفة عدم الاقتصار على كونها عن الزنا حيث قال فيها : بأن لم يكن وطىء امرأة بالزنا ولا بشبهة ولا بنكاح فاسد في عمره فإن كان فعل ذلك مرة يريد النكاح الفاسد تسقط عدالته ولا حد على قاذفه ، وكذا لوطىء في غير الملك كما إذا وطىء جارية مشتركة بينه وبين غيره سقطت عدالته ، ولو وطىء في الملك إلا أنه محرم فإنه ينظر إن كانت الحرمة مؤقتة لا تسقط عدالته كما إذا وطىء امرأته في الحيض أو أمته المجوسية .
وإن كانت مؤبدة سقطت عدالته كما إذا وطىء أمته وهي أخته من الرضاعة .
ولو مس امرأة أو نظر إلى فرجها بشهوة ثم تزوج بنتها فدخل بها أو أمها لا يسقط إحصانه عند أبي حنيفة عليه الرحمة وعندهما يسقط ، ولو وطىء امرأة بالنكاح ثم تزوج بها سقط إحصانه انتهى .
والمذكور في غير كتاب أن أبا حنيفة يشترط في سقوط الحد عن قاذف الواطىء في الحرمة المؤبدة كون تلك الحرمة ثابتة بحديث مشهور كحرمة وطء المنكوحة بلا شهود الثابتة بقوله عليه الصلاة والسلام : «لا نكاح إلا بشهود » وهو حديث مشهور أو ثابتة بالإجماع كموطوأة أبيه بالنكاح أو بملك اليمين لو تزوجها الابن أو اشتراها فوطئها ، ومثل ذلك عنده وطء مزنيته فإنه لا يعتبر الخلاف عند ثبوت الحرمة بالنص وهنا قد ثبتت به لقوله تعالى : { مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء } [ النساء : 22 ] وإنما يعتبره إذا ثبتت بقياس أو احتياط كثبوتها بالنظر إلى الفرج والمس بشهوة فإن ثبوتها فيما ذكر لإقامة السبب مقام المسبب احتياطاً ، ومن هذا يعلم حال فروع كثيرة فليحفظ ، وما ذكر من سقوط إحصان من وطىء أمته وهي أخته من الرضاع فيه خلاف الكرخي فإنه قال ، لا يسقط الإحصان بوطئها وهو قول الشافعي . ومالك . وأحمد لقيام الملك فكان كوطء أمته المجوسية ، وفيه أن الحرمة في وطء المجوسية يمكن ارتفاعها فتكون مؤقتة وحرمة الرضاع لا يمكن ارتفاعها فلم يكن المحل قابلاً للحل أصلاً ، واشترط في الملك أن لا يظهر فساده بالاستحقاق فلو اشترى جارية فوطئها ثم استحقت فقذفه إنسان لا يحد ، وفي كافي الحاكم والقهستاني والفتح أن الوطء في الشراء الفاسد يسقط الحد عن القاذف وحمله بعضهم على ما ذكرنا ، وقال بعض الأجلة : كما يشترط العفة عن الزنا يشترط السلامة عن تهمته ويحترز به عن قذف ذات ولد ليس له أب معروف فإنهم ذكروا أنه لا يحد قاذفها لمكان التهمة ، وقد ذكر ذلك الحصكفي في باب اللعان من شرح تنوير الأبصار ، ولا تقاس اللواطة على الزنا فلو قذف بها لا يحد القاذف خلافاً لأبي يوسف : ومحمد وقد اختلفا في أحكام كثيرة ذكرها زين الدين في بحره . وأما اعتبار الحرية فلأنها يطلق عليها اسم الإحصان قال الله تعالى : { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب } [ النساء : 25 ] فإن المراد بالمحصنات فيه الحرائر فالرقيق ليس محصناً بهذا المعنى وكونه محصناً بمعنى آخر كالإسلام وغيره فيكون محصناً من وجه دون وجه وذلك شبهة في إحصانه فوجب درء الحد عن قاذفه فلا يحد حتى يكون محصناً بجميع المفهومات التي يطلق عليها لفظ الإحصان إلا ما أجمع على عدم اعتباره في تحقق الإحصان وهو كون المقذوفة زوجة أو كون المقذوف زوجاً فإنه جاء بمعناه في قوله تعالى : { والمحصنات مِنَ النساء } [ النساء : 24 ] أي المتزوجات ولا يعتبر في إحصان القذف بل في إحصان الرجم ، ثم لا شك في أن الإحصان أطلق بمعنى الحرية كما سمعت وبمعنى الإسلام في قوله عز وجل : { فَإِذَا أُحْصِنَّ } [ النساء : 25 ] قال ابن مسعود : أسلمن وهذا يكفي في إثبات اعتبار الإسلام في الإحصان ، وعن داود عدم اشتراط الحرية وأنه يحد قاذف العبد ؛ وأما اعتبار العقل والبلوغ ففيه إجماع إلا ما روي عن أحمد عليه الرحمة من أن الصبي الذي يجامع مثله محصن فيحد قاذفه ، والأصح عنه موافقة الجماعة ، وقول مالك في الصبية التي يجامع مثلها يحد قاذفها خصوصاً إذا كانت مراهقة فإن الحد لعلة إلحاق العار ومثلها يلحقه العار ، وكذا قوله وقول الليث : إنه يحد قاذف المجنون لذلك ، والجماعة يمنعون كون الصبي والمجنون يلحقهما العار بنسبتهما إلى الزنا بل ربما يضحك من ناسبهما إليه إما لعدم صحة قصده منهما وإما لعدم مخاطبتهما بالمحرمات وما أشبه ذلك ، ولو فرضنا لحوق عار بالمراهق فليس ذلك على الكمال فيندرىء الحد ، ومثل الصبي والمجنون في أنه ربما يضحك من نسبة الزنا إليهما الرتقاء والمجبوب بل هما أولى بذلك لعدم تصوره فيهما ولذا لا يحد بقذفهما ، وإلا ما روي عن سعيد . وابن أبي ليلى من أنه يحد بقذف الذمية إذا كان لها ولد مسلم ، وكذا ما قيل : إنه يحد بقذفها إذا كانت تحت مسلم ، ثم إن الإسلام والحرية إذا لم يكونا موجودين وقت الزنا المقذوف به بل كانا موجودين وقت القذف لا يفيدان شيئاً فلو قذف امرأة مسلمة زنت في نصرانيتها أو رجلاً مسلماً زنى في نصرانيته وقال : زنيت وأنت كافرة أو زنيت وأنت كافر أو قذف معتقاً زنى وهو عبد أو معتقة زنت وهي أمة وقال : زنيت وأنت صغيرة أو زنيت وأنت مجنون بأنه لا يحد ، وكان المدار في درء الحد الصدق في كل ذلك ، ومن هنا قال في «المبسوط » : إن الموطوأة إذا كانت مكرهة يسقط أحصانها ولا يحد قاذفها كما يسقط إحصان المكره الواطىء ولا يحد قاذفه لأن الإكراه يسقط الإثم ولا يخرج الفعل به من أن يكون زنى ، لكن ذكر فيه أن من قذف زانياً لا حد عليه سواء قذفه بذلك الزنا بعينه أو بزنى آخر من جنسه أو أبهم في حالة القذف ، ووجه أن الله تعالى أوجب الحد على من رمى المتصف بالإحصان وبالزنا لا يبقى إحصان فلا يثبت الحد خلافاً لإبراهيم . وابن أبي ليلى ، نعم إذا كان القذف بزنا تاب عنه المقذوف يعزر القاذف ، وهذا يقتضي أنه لا يحتاج سقوط الحد في المسائل السابقة إلى التقييد فليتأمل ، ولو تزوج مجوسي بأمه أو بنته ثم أسلم ففسخ النكاح فقذفه مسلم في حال إسلامه يحد عند أبي حنيفة عليه الرحمة بناءً على ما يراه من أن أنكحة المجوس لها حكم الصحة .
وقال الإمامان : لا يحد بناءً على أن ليس لها حكم الصحة وهو قول الأئمة الثلاثة ، ولا يعلم خلاف بين من يعتبر الحرية في الإحصان في أنه لا حد على من قذف مكاتباً مات وترك وفاء لتمكن الشبهة في شرط الحد وهو الإحصان لاختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أنه مات حراً أو عبداً وذلك يوجب درء الحد ولأنه يدرأ بالشبهة ، لا يحد من قذف أخرس فإن هناك احتمال أن يصدقه لو نطق ولا يعول على إشارته هنا وإن قالوا : إنها تقوم مقام عبارته في بعض الأحكام لقيام الاحتمال فيها ، واشترطوا أيضاً أن يوجد الإحصان وقت الحد حتى لو ارتد المقذوف سقط الحد ولو أسلم بعد ، وكذا لو زنى أو وطىء وطأً حراماً أو صار معتوهاً أو أخرس وبقي ذلك لم يحد كما في كافي الحاكم ، واشترطوا أيضاً أن لا يموت قبل أن يحد القاذف لأن الحد لا يورث ، وأن لا يكون المقذوف ولد القاذف أو ولد ولده فلا يحد من قذف أحدهما إلى غير ذلك مما ستعلم بعضه إن شاء الله تعالى . ولم يصرح أكثر الفقهاء بشروط القاذف ، ويفهم من كلامهم أنه يشترط فيه أن يكون بالغاً فلا يحد الصبي إذا قذف ويعزر عاقلاً فلا يحد المجنون ولا السكران إلا إذا سكر بمحرم ناطقاً فلا يحد الأخرس لعدم التصريح بالزنا ، وصرح بهذا ابن الشلبي عن النهاية طائعاً فلا يحد المكره قاذفاً في دار العدل فلا يحد القاذف في دار الحرب أو البغي ، وفي الآية إشارة إلى بعض ذلك ، ويحتمل أن يعد من الشروط كونه عالماً بالحرمة حقيقة أو حكماً بأن يكون ناشئاً في دار الإسلام ، لكن في كافي الحاكم حربي دخل دار الإسلام بأمان فقذف مسلماً يحد في قوله الأخير وهو قول صاحبيه ، وظاهره أنه يحد ولو كان قذفه في فور دخوله ، ولعل وجهه أن الزنا حرام في كل ملة فيحرم القذف به أيضاً فلا يصدق بالجهل ، ويشترط أن يكون القذف بصريح الزنا بأي لسان كان كما صرح به جمع من الفقهاء وألحقوا به بعض ألفاظ ثبت الحد بها بالأثر والإجماع فيحد بقوله : زنيت أو زاني بياء ساكنة وكذا يا زانىء بهمزة مضمومة عند أبي حنيفة . وأبي يوسف خلافاً لمحمد فلا يحد بذلك عنده لأنه حقيقة عنده في الصعود . وتعقب بأن ذلك إنما يفهم منه إذا ذكر مقروناً بمحل الصعود ، على أنه ينبغي أن يكون المذهب أنه لو قيل مع ذكر محل الصعود في حالة الغضب والسباب يكون قذفاً ، فقد جزم في «المبسوط » بالحد فيما إذا قال : زنأت في الجبل أو على الجبل في حالة الغضب ولو قال لامرأة : يا زاني حد اتفاقاً ، وعلله في الجوهرة بأن الأصل في الكلام التذكير ، ولو قال للرجل : يا زانية لا يحد عند الإمام .
وأبي يوسف لأنه أحال كلامه فوصف الرجل بصفة المرأة ، وقال محمد : يحد لأن الهاء تدخل للمبالغة كما في علامة . وأجيب بأن كونها للمبالغة مجاز بل هي لما عهد لها من التأنيث ولو كانت في ذلك حقيقة فالجد لا يجب للشك ، ويحد بقوله : أنت أزنى من فلان أو مني على ما في الظهيرية وهو الظاهر ، لكن في «الفتح » عن «المبسوط » أنه لا حد في أنت أزنى من فلان أو أزنى الناس ، وعلله في «الجوهرة » بأن معناه أنت أقدر على الزنا ، وفي «الفتح » بأن أفعل في مثله يستعمل للترجيح في العلم فكأنه قال : أنت أعلم بالزنا ، ولا يخفى أن قصد ذلك في حالة السباب بعيد ، وفي «الخانية » في أنت أزنى الناس أو أزنى من فلان الحد ، وفي أنت أزنى مني لاحد ، ولا يخفى أن التفرقة غير ظاهرة ، وقد يقال : إن قوله : أنت أزنى من فلان فيه نسبة فلان إلى الزنا وتشريك المخاطب معه في ذلك بخلاف أنت أزنى مني لأن فيه نسبة نفسه إلى الزنا وذلك غير قذف فلا يكون قذفاً للمخاطب لأنه تشريك له فيما ليس بقذف ، ويحد بلست لأبيك لما فيه من نسبة الزنا إلى الأم ولما جاء في الأثر عن ابن مسعود لاحد إلا في قذف محصنة أو نفي رجل من أبيه ، وقيد بكونه في حالة الغضب إذ هو في حالة الرضا يراد به المعاتبة بنفي مشابهته له ، وذكر أن مقتضى القياس أن لا حد به مطلقاً لجواز أن ينفي النسب من أبيه من غير أن تكون الأم زانية من كل وجه بأن تكون موطوأة بشبهة ولدت في عدة الواطىء لكن ترك ذلك للأثر ، ولا حد بالتعريض كأن يقول ما أنا بزان أو ليست أمي زانية وبه قال الشافعي . وسفيان الثوري . وابن شبرمة والحسن بن صالح وهو الرواية المشهورة عن أحمد ، وقال مالك . وهو رواية عن أحمد : يحد بتالعريض لما روى الزهري عن سالم عن ابن عمر قال كان : عمر رضي الله تعالى عنه يضرب الحد بالتعريض ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه جلد رجلاً بالتعريض ، ولأنه إذا عرف المراد بدليله من القرينة صار كالصريح ، وللجماعة أن الشارع لم يعتبر مثله فإنه حرم صريح خطبة المتوفي عنها زوجها في العدة وأباح التعريض فقال سبحانه : { ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } [ البقرة : 235 ] وقال تعالى : { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء أَوْ أَكْنَنتُمْ } [ البقرة : 235 ] فإذا ثبت من الشرع عدم اتحاد حكمهما في غير الحد لم يجز أن يعتبر مثله على وجه يوجب الحد المحتاط في درئه ، وهو أولى من الاستدلال بأنه صلى الله عليه وسلم لم يلزم الحد للذي قال : يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاماً أسود يعرض بنفسه لأن إلزام حد القذف متوقف على الدعوى والمرأة لم تدع ذلك ، ولا حد بوطئك فلان وطأ حراماً أو جامعك حراماً أو فجرت بفلانة أو يا حرام زاده أو اذهب فقل لفلان : إنك زان فذهب الرسول فقال له ذلك عنه بأن قال : فلان يقول إنك زان لا إذا قال له : إنك زان فإنه يحد الرسول حينئذٍ ، واستيفاء ما فيه حد وما لا حد فيه في كتب الفقه ، وقولنا في كذا حد على إرادة إذا تحقق الشرط المفهو من قوله سبحانه : { ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ } الخ ، واشترط الإتيان بأربعة شهداء تشديداً على القاذف ، ويشترط كونهم رجالاً لما صرحوا به من أنه لا مدخل لشهادة النساء في الحدود ، وظاهر إتيان التاء في العدد مشعر باشتراط كونهم كذلك ، ولا يشترط فيهم العدالة ليلزم من عدم الإتيان بأربعة شهداء عدول الجلد لما صرح به في الملتقط من أنه لو أتى بأربعة فساق فشهدوا أن الأمر كما قال درىء الحد عن القاذف والمقذوف والشهود ، ووجه ذلك أن في الفاسق نوع قصور وإن كان من أهل الأداء والتحمل ولذا لو قضى بشهادته نفذ عندنا فيثبت بشهادتهم شبهة الزنا فيسقط الحد عنهم وعن القاذف وكذا عن المقذوف لاشتراط العدالة في الثبوت ، ولو كانوا عمياناً أو عبيداً أو محدودين في قذف فإنهم يحدون للقذف دون المشهود عليه لعدم أهلية الشهادة فيهم كما قيل .
والظاهر أن القاذف يحد أيضاً لأن الشهود إذا حدوا مع أنهم إنما تكلموا على وجه الشهادة دون القذف فحد القاذف أولى ، والظاهر أن المراد ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يشهدون على من رمى بأنه زنى ، والمتبادر أن يكون ذلك عن معاينة لكن قال في «الفتح » : لو شهد رجلان أو رجل وامرأتان على إقرار المقذوف بالزنا يدرأ عن القاذف الحد وكذا عن الثلاثة أي الرجل والمرأتين لأن الثابت بالبينة كالثابت فكأنا سمعناه إقراره بالزنا انتهى .
وأنت تعلم أن البينة على الإقرار لا تعتبر بالنسبة إلى حد المقذوف لأنه إن كان منكراً فقد رجع بالإنكار عن الإقرار وهو موجب لدرء الحد فتغلو البينة ، وإن أقر بشرطه لا تسمع فإنها إنما تسمع مع الإقرار في سبع مواضع ليس هذا الموضع منها ، ويشترط اجتماع شهود الزنا في مجلس الحاكم بأن يأتوا إليه مجتمعين أو فرادى ويجتمعوا فيه ويقوم منهم إلى الحاكم واحد بعد واحد فإن لم يأتوا كذلك بأن أتوا متفرقين أو اجتمعوا خارج مجلس الحاكم ودخلوا واحداً بعد واحد لم تعتبر شهادتهم وحدوا حد القذف .
والظاهر أنه يجوز أن يكون أحد الشهود زوج المقذوفة لاندراجه في { أَرْبَعَةِ شُهَدَاء } وبه قال أبو حنيفة . وأصحابه وروي ذلك عن الحسن . والشعبي وقال مالك . والشافعي : يلاعن الزوج وتحد الثلاثة ، وروي مثله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وظاهر الآية أنه إذا لم يأت القاذف بتمام العدة بأن أتى باثنين أو ثلاثة منها جلد وحده ولا يجلد الشاهد إلا أن المأثور جلده ، فقد روي أنه شهد على المغيرة بالزنا شبل بن معبد البجلي . وأبو بكرة . وأخوه نافع وتوقف زياد فحد الثلاثة عمر رضي الله تعالى عنه بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكروا عليه وهم هم . وفي كلمة { ثُمَّ } إشعار بجواز تأخير الإتيان بالشهود كما أن في كلمة { لَمْ } إشارة إلى تحقق العجز عن الإتيان بهم وتقرره .
وفي غير كتاب من كتب الفروع لأصحابنا أن القاذف إذا عجز عن الشهود للحال واستأجل لإحضارهم زاعماً أنهم في المصر يؤجل مقدار قيام الحاكم من مجلسه فإن عجز حد ولا يكفل ليذهب لطلبهم بل يحبس ويقال : ابعث إليهم من يحضرهم عند الإمام . وأبي يوسف في أحد قوليه لأن سبب وجوب الحد ظهر عند الحاكم فلا يكون له أن يؤخر الحد لتضرر المقذوف بتأخير دفع العار عنه والتأخير مقدار قيامه من المجلس قليل لا يتضرر به ، وفي قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد يكفل أي بالنفس إلى ثلاثة أيام .
وكان أبو بكر الرازي يقول : مراد أبي حنيفة أن الحاكم لا يجبره على ءعطاء الكفيل فإما إذا سمحت نفسه به فلا بأس لأن تسليم نفسه مستحق عليه والكفيل بالنفس إنما يطالب بهذا القدر ، وذكر ابن رستم عن محمد أنه إذا لم يكن له من يأتي بالشهود يبعث معه الحاكم واحداً ليرده عليه ، والأمر في قوله سبحانه : { فاجلدوهم } لولاة الأمر ونوابهم .
والظاهر وجوب الجلد وإن لم يطالب المقذوف وبه قال ابن أبي ليلى ، وقال أبو حنيفة . وأصحابه . والأوزاعي . والشافعي : لا يحد إلا بمطالبته . وقال مالك : كذلك إلا أن يكون الإمام سمعه يقذفه فيحده إن كان مع الإمام شهود عدول وإن لم يطالب المقذوف كذا قال أبو حيان . وللمقذوف المطالبة وإن كان آمراً للقاذف بقذفه لأن بالأمر لا يسقط الحد كما نقل الحصكفي ذلك عن شرح التكملة ثم لا يخفى أن القول بأن القاذف لا يحد إلا بمطالبة المقذوف ظاهر في أن الحد حق العبد ويشهد لذلك أحكام كثيرة ذكرها أصحابنا . منها أنه لا تبطل الشهادة على ما يوجبه بالتقادم .
ومنها أنه لا يدفعه الرجوع عن الإقرار بموجبه . ومنها أنه يقام على المستأمن وإنما يؤاخذ المستأمن بما هو من حقوق العباد . ومنها أنه يقدم استيفاؤه على استيفاء حد الزنا وحد السرقة وشرب الخمر . ومنها أنه يقيمه القاضي بعلمه إذا علمه في أيام قضائه ولذا لو قذف بحضرته يحده .
وعندنا أحكام تشهد بأنه حق الله عز وجل . منها أن استيفاءه إلى الإمام وهو إنما يتعين نائباً في استيفاء حق الله تعالى وأما حق العبد فاستيفاؤه إليه . ومنها أنه لا يحلف القاذف إذا أنكر سببه وهو القذف ولم تقم عليه بينة . ومنها أنه لا ينقلب مالا عند السقوط . ومنها أنه يتنصف بالرق كسائر العقوبات الواجبة حقاً له عز وجل ، وذكر ابن الهمام أنه لا خلاف في أن فيه حق الله تعالى وحق العبد إلا أن الشافعي مال إلى تغليب حق العبد باعتبار حاجته وغنى الحق سبحانه وتعالى ونحن صرنا إلى تغليب حق الله تعالى لأن ما للعبد من الحقوق يتولى استيفاءه مولاه فيصير حق العبد موجباً لتغليب حق الله تعالى لا مهدارً ولا كذلك عكسه أي لو غلب حق العبد لزم أن لا يستوفي حق الله عز وجل إلا بأن يجعل ولاية استيفائه إليه وذلك لا يجوز إلا بدليل ينصبه الشرع على إنابة العبد في الاستيفاء ولم يثبت ذلك بل الثابت هو استنابة الإمام حتى كان هو الذي يستوفيه كسائر الحدود التي هي حقه سبحانه وتعالى . ويتفرع على الخلاف أن من ثبت أنه قذف فمات قبل إقامة الحد على القاذف لا يورث عنه إقامة الحدّ عندنا إذ الإرث يجري في حقوق العباد بشرط كونها مالاً أو ما يتصل بالمال أو ما ينقلب إليه وتورث عنده ، وأن الحد لا يسقط عندنا بعد ثبوته إلا أن يقول المقذوف : لم يقذفني أو كذب شهودي وحينئذٍ يظهر أن القذف لم يقع موجباً للحد لا أنه وقع ثم سقط بقوله ذلك وهذا كما إذا صدقه المقذوف ، وقال زين الدين : أن المقذوف إذا عفا لم يكن للإمام استيفاء الحد لعدم الطلب فإذا عاد وطلب يقيمه ويلغو العفو ، وعند الشافعي يصح العفو وعن أبي يوسف مثله ، وكان المراد أنه إذا عفا سقط الحد ولا ينفع العود إلى المطالبة وأنه لا يجوز الاعتياض عنه عندنا وبه قال مالك ، وعنده يجوز وهو قول أحمد وأنه يجري فيه التداخل عندنا لا عنده وبقولنا قال مالك . والثوري . والشعبي . والنخعي . والزهري . وقتادة . وطاوس . وحماد . وأحمد في رواية حتى إذا حد الأسوطا فقذف آخر فإنه يتم الأول ولا شيء للثاني .
وكذا إذا قذف واحداً مرات أو جماعة بكلمة مثل أنتم زناة أو بكلمات مثل أنت يا زيد زان وأنت يا عمرو زان وأنت يا بشر زان في يوم أو أيام يحد حداً واحداً إذا لم يتخلل حد بين القذفين .
ووافقنا الشافعي في الحد الواحد لقاذف جماعة بكلمة مرة واحدة ، وفي الظهيرية من قذف إنساناً فحد ثم قذفه ثانياً لم يحد ، والأصل فيه ما روي أن أبا بكرة لما شهد على المغيرة فحد لما سمعت كان يقول بعد ذلك في المحافل : أشهد أن المغيرة لزان فأراد عمر رضي الله تعالى عنه أن يحده ثانياً فمنعه علي كرم الله تعالى وجهه فرجع إلى قوله وصارت المسألة إجماعاً اه ، والظاهر أن هذا فيما حد به كما فعل أبو بكرة فإنه لم يردان المغيرة لزان أنه زان غير الزنا الأول ، أما إذا قذفه بعد الحد بزنا آخر فإنه يحد به كما في «الفتح » .
وذكر صدر الإسلام أبو اليسر في مبسوطه الصحيح أن الغالب في هذا الحد حق العبد كما قال الشافعي لأن أكثر الأحكام تدل عليه والمعقول يشهد له وهو أن العبد ينتفع به على الخصوص ، وقد نص محمد في الأصل على أن حد القذف كالقصاص حق العبد ، وتفويضه إلى الإمام لأن كل أحد لا يهتدي إلى إقامته ولأنه ربما يريد المقذوف موته لحنقه فيقع متلفاً ، وإنما لا يورث لأنه مجرد حق ليس مالاف ولا بمنزلته فهو كخيار الشرط وحق الشفعة بخلاف القصاص فإنه ينقلب إلى المال ، وأيضاً هو في معنى ملك العين لأن من له القصاص يملك إتلاف العين وملك الإتلاف ملك العين عند الناس فصار من عليه القصاص كالملك لمن له القصاص فيملكه الوارث في حق استيفاء القصاص ، وإنما لا يصح عفوه لأنه متعنت فيه لأنه رضا بالعار والرضا بالعار عار ولا يخفى ما في ذلك من الأبحاث .
والشافعي يستدل بالآية لعدم التداخل فإن مقتضاها ترتب الحكم على الوصف المشعر بالعلية فيتكرر بتكرره . ويجاب بأن الإجماع لما كان على دفع الحدود بالشبهات كان مقيداً لما اقتضته الآية من التكرر عند التكرر بالتكرر الواقع من بعد الحد الأول بل هذا ضروري لظهور أن المخاطبين بالإقامة في قوله تعالى : { فاجلدوهم } هم الحكام ولا يتعلق بهم هذا الخطاب إلا بعد الثبوت عندهم فكان حاصل الآية إيجاب الحد إذا ثبت عندهم السبب وهو الرمي وهو أعم من كونه بوصف الكثرة أو القلة فإذا ثبت وقوعه منه كثيراً كان موجباً للجلد ثمانين ليس غير فإذا جلد ذلك وقع الامتثال ، ثم هو عليه الرحمة ترك مقتضى التكرر بالتكرر فيما إذا قذف واحداً مرة ثم قذفه ثانياً بذلك الزنا فإنه لا يحد مرتين عنده أيضاً ، وكذا في حد الزنا والشرب فإنه إذا زنى ألف مرة أو شرب كذلك لا يحد إلا مرة ، فالحق أن استدلاله بالآية لا يخلص فإنه ملجىء إلى ترك مثلها من آية أخرى وهي آية حد الزنا فيعود إلى أن هذا حق آدمي بخلاف الزنا فكان المبني هو إثبات أنه حق الله عز وجل أو حق العبد ، والنظر الدقيق يقتضي أن الغالب فيه حق الله سبحانه وتعالى فتدبر .
ثم الظاهر أن الرمي المراد في الآية لا يتوقف على حضور المرمى وخطابه فقذف المحصن حاضراً أو غائباً له الحكم المذكور كما في التاتارخانية نقلاً عن المضمرات واعتمده في «الدرر » ، ويدل على أن الغيبة كالحضور حده صلى الله عليه وسلم أهل الإفك مع أنه لم يشافه أحد منهم به من نزهها الله تعالى عنه ، فما في حاوي الزاهدي سمع من أناس كثيرة أن فلاناً يزني بفلانة فتكلم بما سمعه منهم مع آخر في غيبة فلان لا يجب حد القذف لأنه غيبة لأرمي وقذف بالزنا لأن الرمي والقذف به إنما يكون بالخطاب كقوله : يا زاني يا زانية ضعيف لا يعول عليه .
والظاهر أيضاً أنه لا فرق بين رمي الحي ورمي الميت فإذا قال : أبوك زان أو أمك زانية كان قاذفاً ويحد عند تحقق الشرط لا لو قال : جدك زان فإنه لا حد عليه لما في الظهيرية من أنه لا يدري أي جد هود وفي «الفتح » لأن في أجداده من هو كافر فلا يكون قاذفاً ما لم يعين محصناً . ويطالب بحد القذف للميت من يقع القدح في نسبه بالقذف وهو الوالد وإن علا والولد وإن سفل ، ولا يطالبان عن غائب خلافاً لابن أبي ليلى لعدم اليأس عن مطالبته ولأنه يجوز أن يصدق القاذف ، وولد البنت كولد الابن في هذا الفصل خلافاً لما روي عن محمد ، وتثبت المطالبة للمحروم عن الميراث بقتل أو رق أو كفر ، نعم ليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة التي قذفها في حال موتها ، وعند زفر إذا كان الولد عبداً أو كافراً لا حق له فيها مطلقاً ، وتثبت للأبعد مع وجود الأقرب فياطلب ولد الولد مع وجود الولد خلافاً لزفر ولو عفا بعضهم كان لغيره المطالبة لأنها لدفع العار عن نفسه ، والأم كالأب تطالب بحد قذف ولادها لا أم الأم وأبوها ، ولا يطالب الابن أباه وجده وإن علا بقذف أمه وهو قول الشافعي . وأحمد . ورواية عن مالك ، والمشهور عنه أن للابن أن يطالب الأب بقذف الأم فيقيم عليه الحد وهو قول أبي ثور ، وابن المنذر لعموم الآية أو ءطلاقها ولأنه حد هو حق الله عز وجل ولا يمنع من إقامته قرابة الولاد .
وأجيب بأن عموم قوله تعالى : { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } [ الإسراء : 23 ] مانع من إقامة الولد الحد على أبيه ولا فائدة للمطالبة سوى ذلك والمانع مقدم ، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده "
وأجمعوا على أنه لا يقتص منه بقتل ولده ولا شك أن إهدار جنايته على نفس الولد توجب إهدارها في عرضه بطريق الأولى مع أن القصاص متيقن سببه والمغلب فيه حق العبد بخلاف حد القذف فيهما ، ولا حق لأخي الميت وعمه وعمته وخاله وخالته في المطالبة بحد قذفه .
وعند الشافعي . ومالك عليهما الرحمة تثبت المطالبة لكل وارث وهو رواية غريبة عن محمد ، وللشافعية فيمن يرثه ثلاثة أوجه ، الأول : جميع الورثة . والثاني : غير الوارث بالزوجية . والثالث : ذكور العصبات لا غير . والظاهر أن مطالبة من له المطالبة بالحد غير واجبة عليه بل في التاتارخانية وحسن أن لا يرفع القاذف إلى القاضي ولا يطالب بالحد . وحسن من الإمام أن يقول للمطالب أعرض عنه ودعه اه .
وكأنه لا فرق في هذا بين أن يعلم الطالب صدق القاذف وأن يعلم كذبه . وما نقل في القنية من أن المقذوف إذا كان غير عفيف في السر له مطالبة القاذف ديانة فيه نظر لا يخفى . وظاهر الآية أنه لا فرق بين أن يكون الرامي حراً وأن يكون عبداً فيجلد كل منهما إذا قذف وتحقق الشرط ثمانين جلدة . وبذلك قال عبد الله بن مسعود . والأوزاعي . وجمهور الأئمة على أن العبد ينصف له الحد لما علمت أول السورة . وإذا أريد إقامة الحد على القاذف لا يجرد من ثيابه إلا في قول مالك لأن سببه وهو النسبة إلى الزنا كذباً غير مقطوع به لجواز كونه صادقاً غير أنه عاجز عن البيان .
نعم ينزع عنه الفرو والثوب المحشو لأنهما يمنعان من وصول الألم إليه كذا في عامة الكتب ، ومقتضاه أنه لو كان عليه ثوب ذو بطانة غير محشو لا ينزع . والظاهر كما في «الفتح » أنه لو كان هذا الثوب فوق قميص نزع لأنه يصير مع القميص كالمحشو أو قريباً من ذلك ويمنع إيصال الألم وكيف لا والضرب هنا أخف من ضرب الزنا . هذا وقرأ أبو زرعة . وعبد الله بن مسلم { بِأَرْبَعَةِ } بالتنوين فشهداء بدل أو صفة . وقيل حال أو تمييز وليس بذاك . وهي قراءة فصيحة ورجحها ابن جني على قراءة الجمهور بناءً على إطلاق قولهم : إنه إذا اجتمع اسم العدد والصفة كان الاتباع أجود من الإضافة .
وتعقب بأن ذاك إذا لم تجر الصفة مجرى الأسماء في مباشرتها العوامل وأما إذا جرت ذلك المجرى فحكمها حكمها في العدد وغيره غاية ما في الباب أنه يجوز فيها الإبدال بعد العدد نظراً إلى أنها غير متمحضة الاسمية و { شُهَدَاء } من ذلك القبيل فأربعة شهداء بالإضافة أفصح من { أَرْبَعَةِ شُهَدَاء } بالتنوين والاتباع .
وقال ابن عطية : وسيبويه يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر انتهى ، وكأنه أراد الطعن في هذه القراءة على هذا القول ، وفيه أن سيبويه إنما يرى ذلك في العدد الذي بعده اسم نحو ثلاثة رجال دون الذي بعده صفة فإنه على التفصيل الذي ذكر كما قال أبو حيان .
وقوله سبحانه : { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } أي مدة حياتهم كما هو الظاهر عطف على { اجلدوا } داخل في حكمه تتمة له كأنه قيل : فاجلدوهم وردوا شهادتهم أي فأجمعوا لهم الجلد والرد ، ورد شهادتهم عند الإمام أبي حنيفة عليه الرحمة معلق باستيفاء الجلد فلو شهدوا قبل الجلد أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادتهم ، وقيل : ترد إذا ضربوا سوطاً ، وقيل : ترد إذا أقيم عليهم الأكثر ، ومن الغريب ما روى ابن الهمام عن مالك أنه مع قوله : إن للابن أن يطالب بحد والده إذا قذف أمه قال : إنه إذا حد الأب سقطت عدالة الابن لمباشرته سبب عقوبة أبيه أي وكذا عدالة الأب وهذا ظاهر ، وقوله تعالى : { أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } كلام مستأنف مبين لسوء حالهم في حكم الله عز وجل ، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشر والفساد أي أولئك هم المحكوم عليهم بالفسق والخروج عن الطاعة والتجاوز عن الحدود الكاملون فيه كأنهم هم المستحقون لإطلاق اسم الفاسق عليهم لا غيرهم من الفسقة ، ويعلم مما أشرنا إليه أنهم فسقة عند الشرع الحاكم بالظاهر لا أنهم كذلك في نفس الأمر وعند الله عز وجل العالم بالسرائر لاحتمال صدقهم مع عجزهم عن الاتيان بالشهداء كما لا يخفى ، وصرح بهذا بعض المفسرين .
وجوز أن يكون المراد الاخبار عن فسقهم عند الله تعالى وفي علمه ، ووجه إذا كانوا كاذبين ظاهر ، وأما وجهه إذا كانوا صادقين فهو أنهم هتكوا ستر المؤمنين وأوقعوا السامع في الشك من غير مصلحة دينية بذلك والعرض مما أمر الله تعالى بصونه إذا لم يتعلق بهتكه مصلحة فكانوا فسقة غير ممتثلين أمره عز وجل ، ولا يخفى حسن حمل الآية على هذا المعنى وهو أوفق لما ذكره الحصكفي في «شرح الملتقى » نقلاً عن النجم الغزي من أن الرمي بالزنا من الكبائر وإن كان الرامي صادقاً ولا شهود له عليه ولو من الوالد لولده وإن لم يحد به بل يعزر ولو غير محصن ؛ وشرط الفقهاء الإحصان إنما هو لوجوب الحد لا لكونه كبيرة ، وقد روى الطبراني عن واثلة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من قذف ذمياً حد له يوم القيامة بسياط من نار " وهذه مسألة مختلف فيها ، ففي «شرح جمع الجوامع » للعلامة المحلى قال الحليمي . قذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر لأن الإيذاء في قذفهن دونه في الحرة الكبيرة المستترة ، وقال ابن عبد السلام : قذف المحصن في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله تعالى والحفظة ليس بكبيرة موجبة للحد لانتفاء المفسدة أما قذف الرجل زوجته إذا أتت بولد يعلم أنه ليس منه فمباح ، وكذا جرح الراوي والشاهد بالزنا إذا علم بل هو واجب انتهى ، وظاهر ما نقل عن ابن عبد السلام نفى إيجاد الحد لا نفي كونه كبيرة أيضاً لشيوع توجه النفي إلى القيد في مثله ، وإن قلنا : إنه هنا لنفي القيد والمقيد فهو ظاهر كما قال الزركشي فيماإذا كان صادقاً لا فيما إذا كان كاذباً لجرأته على الله تعالى جل شأنه فهو كبيرة وإن كان في الخلوة ، ولعل ما ذكره من وجوب جرح الشاهد بالزنا إذا علم مقيد بما إذا قدر على الاتيان بالشهود ، والأولى عندي فيما إذا كان الضرر في قبول شهادته عليه يسيراً عدم الجرح بذلك وإن قدر على إثباته ، وما ذكر في جرح الراوي لا يتم فيما أرى على رأي من يعتبر الجرح المجرد عن بيان السبب ، ولا يبعد القول بأن الرمي منه ما هو كفر كرمي عائشة رضي الله تعالى عنها سواء كان جهراً أو سراً وسواء كان بخصوص الذي برأه الله تعالى منه أو بغيره وكذا رمي سائر أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وكذا القول في مريم عليها السلام ، ومنه ما هو كبيرة دون الكفر ومثاله ظاهر ، ومنه ما هو صغيرة كرمي المملوكة والصغيرة ، ومنه ما هو واجب كرمي شاهد على مسلم معصوم الدم بما يكون سبباً لقتله لو قبلت شهادته وعلم كونها زوراً وتعين ذلك لرد شهادته وصيانة ذلك المسلم من القتل ولو كان رميه مع إقامة البينة عليه بالزنا موجباً لرجمه ، ومنه ما هو سنة كرمي ترتبت عليه مصلحة دون مصلحة الرمي الواجب