التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي  
{وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (4)

{ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } هذا حد القذف وهو الفرية التي عبر الله عنها بالرمي والمحصنات يراد بهن هنا العفائف من النساء ، وخصهن بالذكر لأن قذفهن أكثر وأشنع من قذف الرجال ، ودخل الرجال في ذلك بالمعنى إذ لا فرق بينهم ، وأجمع العلماء على أن حكم الرجال والنساء هنا واحد ، وقيل : إن المعنى يرمون الأنفس المحصنات فيعم اللفظ على هذا النساء والرجال ، ويحتاج هنا إلى الكلام في القذف والقاذف والمقذوف والشهادة في ذلك .

فأما القذف فهو الرمي بالزنا اتفاقا . أو بفعل قوم لوط عند مالك والشافعي لعموم لفظ الرمي في الآية ، خلافا لأبي حنيفة ، أو النفي من النسب ، ومذهب مالك أن التعريض بذلك كله كالتصريح خلافا للشافعي وأبي حنيفة .

وأما القاذف فيحد : سواء كان مسلما أو كافرا لعموم الآية ، وسواء كان حرا أو عبدا إلا أن العبد والأمة إنما يحدان أربعين عند الجمهور فنصفوا حدهما قياسا على تنصيفه في الزنا خلافا للظاهرية ، ولا يحد الصبي ولا المجنون لكونهما غير مكلفين . وأما المقذوف فمذهب مالك أنه يشترط فيه الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والبراءة عما رمي به ، والتمكن من الوطء تحرزا من المجبوب وشبهه ، فلا يحد عنده من قذف صبيا أو كافرا أو مجبوبا أو عبدا ومن لا يمكنه الوطء وقد قيل : يحد من قذف واحدا منهم لعموم الآية واتفقوا على اشتراط البراءة مما رمي به .

وأما الشهادة التي تسقط حد القذف ، فهي أن يشهد شاهدان عدلان بأن المقذوف عبدا أو كافرا ويشهد أربعة شهود ذكور عدول على المعاينة لما قذف به كالمرود في المكحلة ، ويؤدون الشهادة مجتمعين .