قوله تعالى : { ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم } .
لما كان مفهوم قوله { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم } أن الله يظهر ضمائرهم ويبرز سرائرهم كأن قائلا قال فلم لم يظهر فقال أخرناه لمحض المشيئة لا لخوف منهم ، كما لا تفشى أسرار الأكابر خوفا منهم { ولو نشاء لأريناكهم } أي لا مانع لنا والإراءة بمعنى التعريف ، وقوله { فلتعرفنهم } لزيادة فائدة ، وهي أن التعريف قد يطلق ولا يلزمه المعرفة ، يقال عرفته ولم يعرف وفهمته ولم يفهم فقال هاهنا { فلعرفتهم } يعني عرفناهم تعريفا تعرفهم به ، إشارة إلى قوة التعريف ، واللام في قوله { فلعرفتهم } هي التي تقع في جزاء لو كما في قوله { لأريناكهم } أدخلت على المعرفة إشارة إلى أن المعرفة كالمرتبة على المشيئة كأنه قال : ولو نشاء لعرفتهم ، ليفهم أن المعرفة غير متأخرة عن التعريف فتفيد تأكيد التعريف ، أي لو نشاء لعرفناك تعريفا معه المعرفة لا بعده ، وأما اللام في قوله تعالى : { ولتعرفنهم } جواب لقسم محذوف كأنه قال ولتعرفنهم والله ، وقوله { في لحن القول } فيه وجوه ( أحدها ) في معنى القول وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد من القول قولهم أي لتعرفنهم في معنى قولهم حيث يقولون ما معناه النفاق كقولهم حين مجيء النصر إنا كنا معكم ، وقولهم { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن } وقولهم { إن بيوتنا عورة } وغير ذلك ، ويحتمل أن يكون المراد قول الله عز وجل أي لتعرفنهم في معنى قول الله تعالى حيث قال ما تعلم منه حال المنافقين كقوله تعالى : { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا } وقوله { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } إلى غير ذلك ، ( وثانيها ) في ميل القول عن الصواب حيث قالوا ما لم يعتقدوا ، فأمالوا كلامهم حيث قالوا { نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } وقالوا { إن بيوتنا عورة وما هي بعورة } ، { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار } إلى غير ذلك ( وثالثها ) في لحن القول أي في الوجه الخفي من القول الذي يفهمه النبي عليه السلام ولا يفهمه غيره ، وهذا يحتمل أمرين أيضا والنبي عليه السلام كان يعرف المنافق ولم يكن يظهر أمره إلى أن أذن الله تعالى له في إظهار أمرهم ومنع من الصلاة على جنائزهم والقيام على قبورهم ، وأما قوله { بسيماهم } فالظاهر أن المراد أن الله تعالى لو شاء لجعل على وجوههم علامة أو يمسخهم كما قال تعالى : { ولو نشاء لمسخناهم } وروي أن جماعة منهم أصبحوا وعلى جباههم مكتوب هذا منافق ، وقوله تعالى : { والله يعلم أعمالكم } وعد للمؤمنين ، وبيان لكون حالهم على خلاف حال المنافق ، فإن المنافق كان له قول بلا عمل ، والمؤمن كان له عمل ولا يقول به ، وإنما قوله التسبيح ويدل عليه قوله تعالى :{ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } وقوله { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا } وكانوا يعملون الصالحات ويتكلمون في السيئات مستغفرين مشفقين ، والمنافق كان يتكلم في الصالحات كقوله { إنا معكم } { قالت الأعراب ءامنا } ، { ومن الناس من يقول ءامنا } ويعمل السيء فقال تعالى الله يسمع أقوالهم الفارغة ويعلم أعمالكم الصالحة فلا يضيع .
{ وَلَوْ نَشَاء } إراءتك إياهم { لأريناكهم } أي لعرفناكهم على أن الرؤية علمية { فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم } تفريع لمعرفته صلى الله عليه وسلم على تعريف الله عز وجل ، ويجوز أن تكون الرؤية بصرية على أن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم يعرفهم معرفة متفرعة على إراءته إياهم ، والالتفات إلى نون العظمة للإيماء إلى العناية بالإراءة ، والسيما العلامة ، والمعنى هنا على الجمع لعمومها بالإضافة لكنها أفردت للإشارة إلى أن علاماتهم متحدة الجنس فكأنها شيء واحد أي فلعرفتهم بعلامات نسمهم بها ؛ ولام { فَلَعَرَفْتَهُم } كلام لأريناكهم الواقعة في جواب لو لأن المعطوف على الجواب جواب ، وكررت في المعطوف للتأكيد ، وأما التي في قوله تعالى : { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول } فواقعة في في جواب قسم محذوف والجملة معطوفة على الجملة الشرطية { مِنَ القول } أسلوب من أساليبه مطلقاً ، أو المائلة عن الطريق المعروفة كان يعدل عن ظاهره من التصريح إلى التعريض والإبهام ، ولذا سمي خطأ الإعراب به لعدوله عن الصواب ، وقال الراغب : اللحن صرف الكلام عن سننه الجاري عليه إما بإزالة الإعراب أو التصحيف وهو المذموم وذلك أكثر استعمالاً ، وإما بإزالته عن التصريح وصرفه بمعناه إلى تعريض وفحوى وهو محمود من حيث البلاغة ، وإليه أشار بقوله الشاعر عند أكثر الأدباء :
منطق صائب وتلحن أحيا *** ناً وخير الحديث ما كان لحناً
وإياه قصد بقوله تعالى : { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول } وفي «البحر » يقال : لحنت له بفتح الحاء ألحن لحناً قلت له قولاً يفهمه عنك ويخفى على غيره ، ولحنه هو بالكسر فهمه وألحنته أنا إياه ولا حنت الناس فاطنتهم ، وقيل : لحن القول الذهاب عن الصواب ، وعن ابن عباس { لَحْنِ القول } هنا قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب وكان هذا الذي ينبغي منهم ، وقال بعض من فسره بالأسلوب المائل عن الطريق المعروفة : إنهم كانوا يصطلحون فيما بينهم على ألفاظ يخاطبون بها الرسول صلى الله عليه وسلم مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح وكانوا أيضاً يتكلمون بما يشعر بالاتباع وهم بخلاف ذلك كقولهم إذا دعاهم المؤمنون إلى نصرهم : إنا معكم ، وبالجملة أنهم كانوا يتكلمون بكلام ذي دسائس وكان صلى الله عليه وسلم يعرفهم بذلك ، وعن أنس رضي الله تعالى عنه ما خفي بعد هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من المنافقين كان عليه الصلاة والسلام يعرفهم بسيماهم ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى جهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق . وفي دعواه أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم بسيماهم أشكال فإن { لَوْ } ظاهرها عدم الوقوع بل المناسب معرفتهم من لحن القول ، وكأنه حمله على أنه وعد بالوقوع دال على الامتناع فيما سلف ، ولقد صدق وعده واستشهد عليه بما اتفق في بعض الغزوات ، ولا تنحصر السيما بالكتابة بل تكون بغيرها أيضاً مما يعرفهم به النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرف القائف حال الشخص بعلامات تدل عليه ، وكثيراً ما يعرف الإنسان محبه ومبغضه من النظر ويكاد النظر ينطق بما في القلب ، وقد شاهدنا غير واحد يعرف السني والشيعي بسمات في الوجه ، وإن صح أن بعض الأولياء قدست أسرارهم كان يعرف البر والفاجر والمؤمن والكافر ويقول أشم من فلان رائحة الطاعة ومن فلان رائحة المعصية ومن فلان رائحة الإيمان ومن فلان رائحة الكفر ويظهر الأمر حسبما أشار فرسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المعرفة أولى وأولى ؛ ولعلها بعلامات وراء طور عقولنا ، والنور المذكور في خبر «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى » متفاوت الظهور بحسب القابليات وللنبي صلى الله عليه وسلم أتمه ، وذكروا من علامات النفاق بغض علي كرم الله تعالى وجهه .
فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم علي بن أبي طالب . وأخرج هو وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري ما يؤيده ، وعندي أن بغضه رضي الله تعالى عنه من أقوى علامات النفاق فإن آمنت بذلك فيا ليت شعري ماذا تقول في يزيد الطريد أكان يحب علياً كرم الله تعالى وجهه أم كان يبغضه ، ولا أظنك في مرية من أنه عليه اللعنة كان يبغضه رضي الله تعالى عنه أشد البغض وكذا يبغض ولديه الحسن والحسين على جدهما وأبويهما وعليهما الصلاة والسلام كما تدل على ذلك الآثار المتواترة معنى ، وحينئذٍ لا مجال لك من القول بأن اللعين كان منافقاً ، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة علامات للنفاق غير ما ذكر كقوله عليه الصلاة والسلام : «علامات المنافق ثلاث » الحديث لكن قال العلماء هي علامات للنفاق العملي لا الإيماني ، وقيل : الحديث خارج مخرج التنفير عن اتصاف المؤمن المخلص بشيء منها لما أنها كانت إذ ذاك من علامات المنافقين . واستدل بقوله تعالى : { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول } من جعل التعريض بالقذف موجباً الحد ، ولا يخفى حاله { والله يَعْلَمُ أعمالكم } فيجازيكم عليها بحسب قصدكم وهذا على ما قيل وعد للمؤمنين وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين ؛ وقيل : وعيد للمنافقين وإيذان لهم بأن المجزى عليه ما يقصدونه لا ما يعرضون أو يورون به ، واستظهر أنه خطاب عام فهو وعد ووعيد ، وحمل على العموم قوله تعالى :
ومما قاله بعض أرباب الإشارة : { ولو نشاء لاريناكهم فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم } [ محمد : 30 ] وهي ظلمة في وجوههم تدرك بالنظر الإلهي قيل : المؤمن ينظر بنور الفراسة والعارف بنور التحقيق والنبي عليه الصلاة والسلام ينظر بالله عز وجل ، وقيل : كل من رزق قرب النوافل ينظر به تعالى لحديث «لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به » الحديث وحينئذ يبصر كل شيء ، ومن هنا كان بعض الأولياء الكاملين يرى على ما حكى عنه أعمال العباد حين يعرج بها وسبحان السميع البصير اللطيف الخبير .