مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (122)

قوله تعالى : { أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المشركين يجادلون المؤمنين في دين الله ذكر مثلا يدل على حال المؤمن المهتدي ، وعلى حال الكافر الضال ، فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتا ، فجعل حيا بعد ذلك وأعطى نورا يهتدى به في مصالحه ، وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها ، فيكون متحيرا على الدوام .

ثم قال تعالى : { كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون } وعند هذا عادت مسألة الجبر والقدر فقال أصحابنا : ذلك المزين هو الله تعالى ، ودليله ما سبق ذكره من أن الفعل يتوقف على حصول الداعي وحصوله لا بد وأن يكون بخلق الله تعالى ، والداعي عبارة عن علم أو اعتقاد أو ظن باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد وصلاح راجح ، فهذا الدعي لا معنى له إلا هذا التزيين ، فإذا كان موجد هذا الداعي هو الله تعالى كان المزين لا محالة هو الله تعالى ، وقالت المعتزلة : ذلك المزين هو الشيطان ، وحكوا عن الحسن أنه قال : زينه لهم والله الشيطان . واعلم أن هذا في غاية الضعف لوجوه : الأول : الدليل القاطع الذي ذكرناه . والثاني : أن هذا المثل مذكور ليميز الله حال المسلم من الكافر فيدخل فيه الشيطان فإن كان إقدام ذلك الشيطان على ذلك الكفر لشيطان آخر ، لزم الذهاب إلى مزين آخر غير النهاية وإلا فلا بد من مزين آخر سوى الشيطان . الثالث : أنه تعالى صرح بأن ذلك المزين ليس إلا هو فيما قبل هذه الآية وما بعدها ، أما قبلها فقوله : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم } وأما بعد هذه الآية فقوله : { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها } .

المسألة الثانية : قوله : { أو من كان ميتا فأحييناه } قرأ نافع { ميتا } مشددا ، والباقون مخففا قال أهل اللغة : الميت مخففا تخفيف ميت ، ومعناهما واحد ثقل أو خفف .

المسألة الثالثة : قال أهل المعاني : قد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله : { أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون } وأيضا في قوله : { لينذر من كان حيا } وفي قوله : { إنك لا تسمع الموتى } وفي قوله : { وما يستوي الأعمى والبصير وما يستوي الأحياء ولا الأموات } فلما جعل الكفر موتا والكافر ميتا ، جعل الهدى حياة والمهتدي حيا ، وإنما جعل الكفر موتا لأنه جهل ، والجهل يوجب الحيرة والوقفة ، فهو كالموت الذي يوجب السكون ، وأيضا الميت لا يهتدي إلى شيء ، والجاهل كذلك ، والهدى علم وبصر ، والعلم والبصر سبب لحصول الرشد والفوز بالنجاة ، وقوله : { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } عطف على قوله { فأحييناه } فوجب أن يكون هذا النور مغايرا لتلك الحياة والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى أن الأرواح البشرية لها أربع مراتب في المعرفة . فأولها : كونها مستعدة لقبول هذه المعارف وذلك الاستعداد الأصلي يختلف في الأرواح ، فربما كانت الروح موصوفة باستعداد كامل قوي شريف ، وربما كان ذلك الاستعداد قليلا ضعيفا ، ويكون صاحبه بليدا ناقصا .

والمرتبة الثانية : أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية ، وهي المسماة بالعقل .

والمرتبة الثالثة : أن يحاول ذلك الإنسان تركيب تلك البديهيات : ويتوصل بتركيبها إلى تعرف المجهولات الكسبية ، إلا أن تلك المعارف ربما لا تكون حاضرة بالفعل ، ولكنها تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها ، يقدر عليه .

والمرتبة الرابعة : أن تكون تلك المعارف القدسية والجلايا الروحانية حاضرة بالفعل ، ويكون جوهر ذلك الروح مشرقا بتلك المعارف مستضيئا بها مستكملا بظهورها فيه .

إذا عرفت هذا فنقول :

والمرتبة الأولى : وهي حصول الاستعداد فقط ، هي المسماة بالموت .

والمرتبة الثانية : وهي أن تحصل العلوم البديهية الكلية فيه فهي المشار إليها بقوله : { فأحييناه } .

والمرتبة الثالثة : وهي تركيب البديهيات حتى يتوصل بتركيباتها إلى تعرف المجهولات النظرية ، فهي المراد من قوله تعالى : { وجعلنا له نورا } .

والمرتبة الرابعة : وهي قوله : { يمشي به في الناس } إشارة إلى كونه مستحضرا لتلك الجلايا القدسية ناظرا إليها ، وعند هذا تتم درجات سعادات النفس الإنسانية ، ويمكن أن يقال أيضا الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح ، والنور عبارة عن إيصال نور الوحي والتنزيل به . فإنه لا بد في الإبصار من أمرين : من سلامة الحاسة ، ومن طلوع الشمس ، فكذلك البصيرة لا بد فيها من أمرين : من سلامة حاسة العقل ، ومن طلوع نور الوحي والتنزيل ، فلهذا السبب قال المفسرون : المراد بهذا النور ، القرآن . ومنهم من قال : هو نور الدين ، ومنهم من قال : هو نور الحكمة ، والأقوال بأسرها متقاربة ، والتحقيق ما ذكرناه . وأما مثل الكافر { فهو كمن في الظلمات ليس بخارج منها } وفي قوله : { ليس بخارج منها } دقيقة عقلية ، وهي أن الشيء إذا دام حصوله مع الشيء صار كالأمر الذاتي والصفة اللازمة له . فإذا دام كون الكافر في ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت تلك الظلمات كالصفة الذاتية اللازمة له يعسر إزالتها عنه ، نعوذ بالله من هذه الحالة . وأيضا الواقف في الظلمات يبقى متحيرا لا يهتدي إلى وجه صلاحه فيستولي عليه الخوف والفزع ، والعجز والوقوف .

المسألة الرابعة : اختلفوا في أن هذين المثلين المذكورين هل هما مخصوصان بإنسانين معينين أو عامان في كل مؤمن وكافر . فيه قولان : الأول : أنه خاص بإنسانين على التعيين ، ثم فيه وجوه : الأول : قال ابن عباس : إن أبا جهل رمى النبي صلى الله عليه وسلم بفرث وحمزة يومئذ لم يؤمن ، فأخبر حمزة بذلك عند قدومه من صيد له والقوس بيده ، فعمد إلى أبي جهل وتوخاه بالقوس ، وجعل يضرب رأسه ، فقال له أبو جهل : أما ترى ما جاء به ؟ سفه عقولنا ، وسب آلهتنا ، فقال حمزة : أنتم أسفه الناس ، تعبدون الحجارة من دون الله ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، فنزلت هذه الآية .

والرواية الثانية : قال مقاتل : نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف ، حتى إذا صرنا كفرسي رهان ، قالوا منا نبي يوحى إليه . والله لا نؤمن به ، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية .

والرواية الثالثة : قال عكرمة والكلبي : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل .

والرواية الرابعة : قال الضحاك : نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل .

والقول الثاني : إن هذه الآية عامة في حق جميع المؤمنين والكافرين ، وهذا هو الحق ، لأن المعنى إذا كان حاصلا في الكل ، كان التخصيص محض التحكم ، وأيضا قد ذكرنا أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة ، فالقول بأن سبب نزول هذه الآية المعينة ، كذا وكذا مشكل ، إلا إذا قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن مراد الله تعالى من هذه الآية العامة ، فلان بعينه .

المسألة الخامسة : هذه الآية من أقوى الدلائل أيضا على أن الكفر والإيمان من الله تعالى ، لأن قوله : { فأحييناه } وقوله : { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } قد بينا أنه كناية عن المعرفة والهدى ، وذلك يدل على أن كل هذه الأمور إنما تحصل من الله تعالى وبإذنه ، والدلائل العقلية ساعدت على صحته ، وهو دليل الداعي على ما لخصناه ، وأيضا أن عاقلا لا يختار الجهل والكفر لنفسه ، فمن المحال أن يختار الإنسان جعل نفسه جاهلا كافرا ، فلما قصد تحصيل الإيمان والمعرفة ، ولم يحصل ذلك ، وإنما حصل ضده وهو الكفر والجهل ، علمنا أن ذلك حصل بإيجاد غيره .

فإن قالوا إنما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل أنه علم .

قلنا : فحاصل هذا الكلام أنه إنما اختار هذا الجهل لسابقة جهل آخر ، فإن كان الكلام في ذلك الجهل السابق كما في المسبوق لزم الذهاب إلى غير النهاية ، وإلا فوجب الانتهاء إلى جهل يحصل فيه لإيجاده وتكوينه ، وهو المطلوب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (122)

/ { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه } تمثيل مسوق لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين إثر تحذيرهم عنها بالإشارة إلى أنهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلهي والمشركون غارقون في ظلمات الكفر والطغيان فكيف يعقل طاعتهم له ، فالآية كما قال الطيبي متصلة بقوله سبحانه ، { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } [ الأنعام : 121 ] والهمزة للإنكار . والواو كما قال غير واحد لعطف الجملة الاسمية على مثلها الذي يدل عليه الكلام أي أأنتم مثلهم ومن كان ميتاً فاعطيناه الحياة { وَجَعَلْنَا لَهُ } مع ذلك من الخارج { نُوراً } عظيماً { يَمْشِي بِهِ } أي بسببه { فِى الناس } أي فيما بينهما آمنا من جهتهم ، والجملة إما استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : فماذا يصنع بذلك النور ؟ فقيل : يمشي الخ أو صفة له . و ( من ) اسم موصول مبتدأ وما بعده صلته والخبر متعلق الجار والمجرور في قوله تعالى : { كَمَن مَّثَلُهُ } أي صفته العجيبة . و ( من ) فيه اسم موصول أيضاً و { مّثْلِهِ } مبتدأ .

وقوله سبحانه : { فِى الظلمات } خبر هو محذوف . وقوله سبحانه : { لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } في موضع الحال من المستكن في الظرف ، وهذه الجملة خبر المبتدأ أعني مثله على سبيل الحكاية بمعنى إذا وصف يقال له ذلك ، وجملة { مّثْلِهِ } مع خبره صلة الموصول . وإن شئت جعلت ( من ) في الموضعين نكرة موصوفة ولم يجوز أن يكون { فِى الظلمات } خبراً عن { مّثْلِهِ } لأن الظلمات ليس ظرفاً للمثل . وظاهر كلام بعضهم كأبي البقاء أن { فِى الظلمات } هو الخبر وليس هناك هو مقدراً ، ولا يلزم كما نص عليه بعض المحققين حديث الظرفية لأن المراد أن مثله هو كونه في الظلمات والمقصود الحكاية ؛ نعم ما ذكر أولاً أولى لأن خبر { مّثْلِهِ } لا يكون إلا جملة تامة والظرف بغير فاعل ظاهر لا يؤدي مؤدى ذلك . وجوز كون جملة { لَيْسَ بِخَارِجٍ } حالاً من الهاء في { مّثْلِهِ } ومنعه أبو البقاء للفصل ، قيل : ولضعف مجيء الحال من المضاف إليه وقرأ نافع ويعقوب { مَيْتًا } بالتشديد وهو أصل للمخفف والمحذوف من اليائين الثانية المنقلبة عن الواو أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب ولا فرق بينهما عند الجمهور .

«ثم إن هذا الأخير كما قال شيخ الإسلام مثل أريد به من بقي في الضلالة بحيث لا يفارقها أصلاً كما أن الأول مثل أريد به من خلقه الله تعالى على فطرة الإسلام وهداه بالآيات البينات إلى طريق الحق يسلكه كيف شاء لكن لا على أن يدل على كل واحد من هذه المعاني بما يليق به من الألفاظ الواردة في المثلين بواسطة تشبيهه بما يناسبه من معانيها فإن ألفاظ المثل باقية على معانيها الأصلية بل على أنه قد انتزعت من الأمور المتعددة المعتبرة في كل واحد من جانب المثلين هيئة على حدة ومن الأمور المتعددة المذكورة في كل واحد من جانب المثلين هيئة على حدة فشبهت بهما الأولتان ونزلتا منزلتهما فاستعمل فيهما ما يدل على الأخيرتين بضرب من التجوز » إلى آخر ما قال ، ونص القطب الرازي على أنهما تمثيلان لا استعارتان ، ورد كما قال الشهاب بأن الظاهر بأن من كان ميتاً ومن مثله في الظلمات من قبيل الاستعارة التمثيلية إذ لا ذكر للمشبه صريحاً ولا دلالة بحيث ينافي الاستعارة والاستعارة الأولى بجملتها مشبهة والثانية مشبه به وهذا كما تقول في الاستعارة الإفرادية أيكون الأسد كالثعلب ؟ أي الشجاع كالجبان وهو من بديع المعاني الذي ينبغي أن يتنبه له ويحفظ .

والتفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالميت الكافر الضال وبالإحياء الهداية وبالنور القرآن وبالظلمات الكفر والضلالة ، والآية على ما أخرج أبو الشيخ عنه نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو المراد بمن أحياه الله تعالى وهداه ، وأبي جهل بن هشام لعنه الله تعالى وهو المراد بمن مثله في الظلمات ليس بخارج ، وروي عن زيد بن أسلم مثل ذلك .

وفي رواية عن ابن عباس أنها في حمزة وأبي جهل ، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر ، وأبي جهل . وأيما كان فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيدخل في ذلك كل من إنقاد لأمر الله تعالى ومن بقى على ضلاله وعتوه { كذلك } إشارة إلى التزيين المذكور على طرز ما قرر في أمثاله أو إشارة إلى إحياء الشياطين إلى أوليائهم أو إلى تزيين الايمان للمؤمنين { زُيّنَ } من جهته تعالى خلقا أو من جهة الشياطين وسوسة { للكافرين } كأبي جهل وأضرابه { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي مااستمروا على عمله من فنون الكفر والمعاصي التي من جملتها ما حكى عنهم من القبائح .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا } بالمجاهدات { فأحييناه } بروح المشاهدات أو ميتاً بشهوات النفس { فأحييناه } بصفاء القلب أو ميتاً برؤية الثواب فأحييناه برؤية المآب إلى الوهاب وجعلنا له نور الفراسة أو الإرشاد ، وقال جعفر الصادق : المعنى أو من كان ميتاً عنا فأحييناه بنا وجعلناه إماماً يهدي بنور الإجابة ويرجع إليه الضلال ، وقال ابن عطاء : أو من كان ميتاً بحياة نفسه وموت قلبه فأحييناه بإماتة نفسه وحياة قلبه وسهلنا عليه سبل التوفيق وكحلناه بأنوار القرب فلا يرى غيرنا ولا يلتفت إلى سوانا { كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات } أي ظلمات نفسه وصفاته وأفعاله { لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } لسوء استعداده { كَذَلِكَ زُيّنَ للكافرين } المحجوبين { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأنعام : 122 ] فاحتجبوا به