مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَـٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ} (179)

قوله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون }

هذه الآية هي الحجة الثانية في هذا الموضع على صحة مذهبنا في مسألة خلق الأفعال وإرادة الكائنات وتقريره من وجوه : الأول : أنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيرا من الجن والإنس لجهنم ، ولا مزيد على بيان الله . الثاني : أنه تعالى لما أخبر عنهم بأنهم من أهل النار ، فلو لم يكونوا من أهل النار انقلب علم الله جهلا وخبره الصدق كذبا وكل ذلك محال والمفضي إلى المحال محال ، فعدم دخولهم في النار محال ، ومن علم كون الشيء محالا امتنع أن يريده ، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يريد أن لا يدخلهم في النار ، بل يجب أن يريد أن يدخلهم في النار ، وذلك هو الذي دل عليه لفظ الآية . الثالث : أن القادر على الكفر إن لم يقدر على الإيمان ، فالذي خلق فيه القدرة على الكفر ، فقد أراد أن يدخله في النار ، وإن كان قادرا على الكفر وعلى الإيمان معا امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح ، وذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل ، وإن حصل من قبله تعالى ، فلما كان هو الخالق للداعية الموجبة للظفر ، فقد خلقه للنار قطعا . الرابع : أنه تعالى لو خلقه للجنة وأعانه على اكتساب تحصيل ما يوجب دخول الجنة ، ثم قدرنا أن العبد سعى في تحصيل الكفر الموجب للدخول في النار ، فحينئذ حصل مراد العبد ، ولم يحصل مراد الله تعالى ، فيلزم كون العبد أقدر وأقوى من الله تعالى ، وذلك لا يقوله عاقل ، والخامس : أن العاقل لا يريد الكفر والجهل الموجب لاستحقاق النار ، وإنما يريد الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الثواب والدخول في الجنة ، فلما حصل الكفر والجهل على خلاف قصد العبد وضد جهده واجتهاده ، وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد ، بل يجب أن يكون حصوله من قبل الله تعالى .

فإن قالوا : العبد إنما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفاسد الباطل ، لأنه اشتبه الأمر عليه وظن أنه هو الاعتقاد الحق الصحيح .

فنقول : فعلى هذا التقدير : إنما وقع في هذا الجهل لأجل ذلك الجهل المتقدم ، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السابق لجهل آخر لزم التسلسل وهو محال ، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر ، فقد توجه الإلزام وتأكد الدليل والبرهان ، فثبت أن هذه البراهين العقلية ناطقة بصحة ما دل عليه صريح قوله سبحانه وتعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } قالت المعتزلة : لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لأن كثيرا من الآيات دالة على أنه أراد من الكل الطاعة . والعبادة والخير والصلاح . قال تعالى : { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله } وقال : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } وقال : { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا } وقال : { هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور } وقال : { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } وقال : { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } وقال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } وأمثال هذه الآيات كثيرة ، ونحن نعلم بالضرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن ، فعلمنا أنه لا يمكن حمل قوله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } على ظاهره .

الوجه الثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها } وهو تعالى إنما ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو كانوا مخلوقين للنار ، ولما كانوا قادرين على الإيمان البتة وعلى هذا التقدير : فيقبح ذمهم على ترك الإيمان .

الوجه الثالث : وهو أنه تعالى لو خلقهم للنار لما كان له على أحد من الكفار نعمة أصلا ، لأن منافع الدنيا بالقياس إلى العذاب الدائم ، كالقطرة في البحر ، وكان كمن دفع إلى إنسان حلوا مسموما فإنه لا يكون منعما عليه ، فكذا ههنا . ولما كان القرآن مملوء من كثرة نعمة الله على كل الخلق ، علمنا أن الأمر ليس كما ذكرتم .

الوجه الرابع : أن المدح والذم ، والثواب والعقاب ، والترغيب والترهيب يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه .

الوجه الخامس : لو أنه تعالى خلقهم للنار ، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النار ، لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم .

الوجه السادس : أن قوله : { ولقد ذرأنا لجهنم } متروك الظاهر ، لأن جهنم اسم لذلك الموضع المعين ، ولا يجوز أن يكون الموضع المعين مرادا منه ، فثبت أنه لا بد وأن يقال : إن ما أراد الله تعالى بخلقهم منهم محذوف ، فكأنه قال : ولقد ذرأنا لكي يكفروا فيدخلوا جهنم ، فصارت الآية على قولهم متروكة الظاهر ، فيجب بناؤها على قوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } لأن ظاهرها يصح دون حذف .

الوجه السابع : أنه إذا كان المراد أنه إذا ذرأهم لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم ، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللام للعاقبة ، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار ، ونحن قد قلناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار ، فكان قولنا أولى ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وتقريره : أنه لما كانت عاقبة كثير من الجن والإنس ، هي الدخول في نار جهنم ، جائز ذكر هذه اللام بمعنى العاقبة ، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشعر : أما القرآن فقوله تعالى : { وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست } ومعلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك ، لكنهم لما قالوا ذلك ، حسن ورود هذا اللفظ ، وأيضا قال تعالى : { ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك } وأيضا قال تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } وهم ما التقطوه لهذا الغرض إلا أنه لما كانت عاقبة أمرهم ذلك ، حسن هذا اللفظ ، وأما الشعر فأبيات قال :

وللموت تغدوا الوالدات سخالها *** كما لخراب الدهر تبنى المساكن

وقال :

أموالنا لذوي الميراث نجمعها *** ودورنا لخراب الدهر نبنيها

وقال :

له ملك ينادي كل يوم *** لدوا للموت وابنو للخراب

وقال :

وأم سماك فلا تجزعي *** فللموت ما تلد الوالدة

هذا منتهى كلام القوم في الجواب .

واعلم أن المصير في التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل امتناع العقل حمل هذا اللفظ على ظاهره ، وأما لما ثبت بالدليل أنه لا حق إلا ما دل عليه ظاهر اللفظ ، كان المصير إلى التأويل في مثل هذا المقام عبثا . وأما الآيات التي تمسكوا بها في إثبات مذهب المعتزلة ، فهي : معرضة بالبحار الزاخرة المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة ، ومن جملتها ما قبل هذه الآية وهو قوله : { من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون } وهو صريح مذهبنا ، وما بعد هذه الآية وهو قوله : { والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين } ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس ، إلا ما يقوي قولنا ويشيد مذهبنا ، كان كلام المعتزلة في وجوب تأويل هذه الآية ضعيفا جدا .

أما قوله تعالى : { لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في خلق الأعمال فقالوا : لا شك أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا ، ولا شك أنه كانت لهم أعين يبصرون بها المرئيات ، وآذان يسمعون بها الكلمات ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية تقييدها بما يرجع إلى الدين ، وهو أنهم ما كانوا يفقهون بقلوبهم ما يرجع إلى مصالح الدين ، وما كانوا يبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين .

وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت أنه تعالى كلفهم بتحصيل الدين مع أن قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ما كانت صالحة لذلك ، وهو يجري مجرى المنع عن الشيء والصد عنه مع الأمر به ، وذلك هو المطلوب قالت المعتزلة لو كانوا كذلك ، لقبح من الله تكليفهم ، لأن تكليف من لا قدرة له على العمل قبيح غير لائق بالحكيم . فوجب حمل الآية على أن المراد منه أنهم بكثرة الإعراض عن الدلائل وعدم الالتفات إليها صاروا مشبهين بمن لا يكون له قلب فاهم ولا عين باصرة ولا أذن سامعة .

والجواب : أن الإنسان إذا تأكدت نفرته عن شيء ، صارت تلك النفرة المتأكدة الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدال على صحة الشيء ، ومانعة عن إبصار محاسنه وفضائله ، وهذه حالة وجدانية ضرورية يجدها كل عاقل من نفسه . ولهذا السبب قالوا في المثل المشهور -حبك الشيء يعمي ويصم .

إذا ثبت هذا فنقول : إن أقواما من الكفار بلغوا في عداوة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي بغضه وفي شدة النفرة عن قبول دينه والاعتراف برسالته هذا المبلغ وأقوى منه ، والعلم الضروري حاصل بأن حصول البغض والحب في القلب ليس باختيار الإنسان ، بل هو حاصل في القلب شاء الإنسان أم كره .

إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أن حصول هذه النفرة والعداوة في القلب ليس باختيار العبد ، وثبت أنه متى حصلت هذه النفرة والعداوة في القلب ، فإن الإنسان لا يمكنه مع تلك النفرة الراسخة والعداوة الشديدة تحصيل الفهم والعلم ، وإذا ثبت هذا ثبت القول بالجبر لزوما لا محيص عنه . ونقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خطبة في تقرير هذا المعنى وهو في غاية الحسن . روى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب «مناقب الشافعي » رضي الله تعالى عنه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها ، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع ، وإن هاج له الطمع أهلكه الحرص ، وإن أهلكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط ، وإن ناله الخوف شغله الحزن وإن أصابته المصيبة قتله الجزع ، وإن وجد مالا أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد وأقول : هذا الفصل في غاية الجلالة والشرف ، وهو كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر ، لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب ، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها ، وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر ، وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في كتاب «الإحياء » فصلا في تقرير مذهب الجبر .

ثم قال فإن قيل : إني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت ، وإن شئت الترك تركت ، فيكون فعلي حاصلا بي لا بغيري ثم قال : وهب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول : وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئا شئته ، وإن شئت أن لا تشاء لم تشأه ، ما أظنك أن تقول ذلك ، وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له : بل شئت أو لم تشأ فإنك تشاء ذلك الشيء ، وإذا شئته فشئت أو لم تشأ فعلته ، فلا مشيئتك به ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك فالإنسان مضطر في صورة مختار .

المسألة الثانية : احتج العلماء بقوله تعالى : { لهم قلوب لا يفقهون بها } على أن محل العلم هو القلب ، لأنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم ، وهذا إنما يصح لو كان محل الفهم والفقه هو القلب ، والله أعلم .

أما قوله : { أولئك كالأنعام بل هم أضل } فتقريره أن الإنسان وسائر الحيوانات متشاركة في قوى الطبيعة الغاذية والنامية والمولدة ، ومتشاركة أيضا في منافع الحواس الخمس الباطنة والظاهرة وفي أحوال التخيل والتفكر والتذكر ، وإنما حصل الامتياز بين الإنسان وبين سائر الحيوانات في القوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به : فلما أعرض الكفار عن اعتبار أحوال العقل والفكر ومعرفة الحق والعمل بالخير كانوا كالأنعام .

ثم قال : { بل هم أضل } لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل ، والإنسان أعطي القدرة على تحصيلها ، ومن أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة على تحصيلها كان أخص حالا ممن لم يكتسبها مع العجز عنها . فلهذا السبب قال تعالى : { بل هم أضل } وقال حكيم الشعراء :

الروح عند إله العرش مبدؤه *** وتربة الأرض أصل الجسم والبدن

قد ألف الملك الحنان بينهما *** ليصلحا لقبول الأمر والمحن

فالروح في غربة والجسم في وطن *** فاعرف ذمام الغريب النازح الوطن

وقيل في تفسير قوله : { بل هم أضل } وجوه أخرى فقيل : لأن الأنعام مطيعة لله تعالى والكافر غير مطيع ، وقال مقاتل : هم أخطأ طريقا من الأنعام ، لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره ، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه . وقال الزجاج : { بل هم أضل } لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيل منافعها وتحترز عن مضارها ، وهؤلاء الكفار وأهل العناد أكثرهم يعلمون أنهم معاندون ومع ذلك فيصرون عليه ، ويلقون أنفسهم في النار وفي العذاب ، وقيل إنها تفر أبدا إلى أربابها ، ومن يقوم بمصالحها ، والكافر يهرب عن ربه وإلهه الذي أنعم عليه بنعم لا حد لها . وقيل : لأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد ، فأما إذا كان معها مرشد قلما تضل ، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب وهم يزدادون في الضلال ثم إنه تعالى ختم الآية فقال : { أولئك هم الغافلون } قال عطاء : عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَـٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ} (179)

{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا } كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله بطريق التذييل ، والذرأ بالهمزة الخلق وبذلك فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره أي والله تعالى لقد خلقنا { لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } وهم المصرون على الكفر في علمه سبحانه وتعالى ، واللام للعاقبة عند الكثير كما في قوله تعالى : { رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ } [ يونس : 88 ] وقول الشاعر :

له ملك ينادي كل يوم *** لدوا للموت وابنوا للخراب

وفي «الكشاف » أنهم جعلوا لإغراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه وأنه لا يتأتى منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخولها ، وأشار إلى أن ذلك تذييل لقصة اليهود بعد ما عد من قبائحهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل : إنهم من الذين لا ينجع فيهم الإنذار فدعهم واشتغل بأمر نفسك ومن هو على دينك في لزوم التوحيد ، والآية على ما قال من باب الكناية الإيمائية عند القطب قدس سره ويفهم كلامه أن الذي دعا الزمخشري إلى ذلك لزوم كون الكفر مراداً لله تعالى إذا أريد الظاهر وهو خلاف مذهبه ، وأنت تعلم أن الكثير من أهل السنة تأولوا الآية بحمل اللام على ما علمت لقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ * لِيَعْبُدُون } [ الذاريات : 56 ] فإن تعليل الخلق بالعباد يأبى تعليله بجهنم ودخولها ، نعم ذهب ابن عطية منا إلى الحمل على الظاهر وكون اللام للتعليل ، وادعى أناس أن التأويل مخالف للأحاديث الواردة في الباب كبعض الأحاديث السابقة في آية أخذ الميثاق ، وما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن قتادة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ثم أخذ الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي قال قائل : فعلى ماذا العمل ؟ قال : على موافقة القدر " وما أخرجه محيي السنة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت : أدرك النبي صلى الله عليه وسلم جنازة صبي من صبيان الأنصار فقلت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما يدريك إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم " إلى غير ذلك .

وإلى هذا ذهب الطيبي وأيده بما أيده وادعى أن فائدة القسم التنبيه على قلع شبه من عسى أن يتصدى لتأويل الآية وتحريف النص القاطع ، ونقل عن الإمام أن الآية حجة لصحة مذهب أهل السنة في مسألة خلق الأعمال إرادة الكائنات لأنه سبحانه وتعالى صرح بأنه جل وعلا خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم ولا مزيد لبيان الله تعالى ، ولا يخفى أن الحمل على الظاهر مخالف لظاهر الآية التي ذكرناها ، وفي الكتاب الكريم كثير مما يوافقها على أن التعليل الحقيقي لأفعاله تعالى يمنع عنه في المشهور الإمام الأشعري وأصحابه .

وقال بعض الجلة : المراد بالكثير الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة ولكن لا بطريق الجبر من غير أن يكون من قبلهم ما يؤدي إلى ذلك بل لعلمه سبحانه وتعالى بأنهم لا يصرفون اختيارهم نحو الحق أبداً بل يصرون على الباطل من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم من الآيات والنذر ، فبهذا الاعتبار جعل خلقهم مغياً بجهنم كما أن جمع الفريقين باعتبار استعدادهم الكامل الفطري للعبادة وتمكنهم التام منها جعل خلقهم مغياً بها كما نطق به قوله سبحانه وتعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] انتهى ، وعندي أنه لا محيص من التأويل في هذا المقام فتدبر ولا تغفل ، ثم إن الجار الأول متعلق بما عنده وتقديمه على المفعول الصريح لما في توابعه من نوع طول يؤدي توسيطه بما بينهما وتأخيرهم عنهما إلى الإخلال بجزالة النظم الجليل ، والجار الثاني متعلق بمحذوف وقع صفة لكثير ، وتقديم الجن لأنهم أعرف من الإنس في الاتصاف بما ذكر من الصفات وأكثر عدداً وأقدم خلقاً ولا يشكل أنهم خلقوا من النار فلا يشق عليهم دخولها ولا يضرهم شيئاً لأنا نقول في دفع ذلك على علاته خلقهم من النار بمعنى أن الغالب عليهم الجزء الناري لا يأبى تضررهم بها فإن الإنس خلقوا من الطين ويتضررون به ، ويوضح ذلك أن حقيقة النار لم تبق فيهم على ما هي عليه قبل خلقهم منها كما أن حقيقة الطين لم تبق في الإنس على ما هي عليه قبل خلقهم منها على أن المخلوق من نار هو البدن والمعذب هو الروح وليست مخلوقة منها وعذاب الروح في قالب ناري معقول كعذابها في قالب طيني ، وقوله تعالى : { لَهُمْ قُلُوبٌ } في محل النصب على أنه صفة أخرى لكثير ، وقوله سبحانه وتعالى : { لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } في محل الرفع على أنه صفة لقلوب مبينة لكونها غير معهودة مخالفة لسائر أفراد الجنس فاقدة لما ينبغي أن يكون أو هي مؤكدة لما يفيده تنكيرها وإبهامها من كونها كذلك ، وأريد بالقلب اللطيفة الإنسانية ، وبالفقه الفهم وهو المعنى اللغوي له ، يقال : فقه بالكسر أي فهم وفقه بالضم إذا صار فقيهاً أي فهماً أو عالماً بالفقه بالمعنى العرفي المبين في كتب الأصول ، والفعل هنا متعد إلا أنه حذف مفعوله للتعميم أي لهم قلوب ليس من شأنها أن يفهموا بها شيئاً مما شأنه أن يفهم فيدخل فيه ما يليق بالمقام من الحق ودلائله دخولاً أولياً ، وكذا الكلام في قوله جل وعلا : { وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } فيقال : المراد لا يبصرون بها شيئاً من المبصرات فيندرج فيه الشواهد التكوينية الدالة على الحق اندراجاً أولياً ، وكذا يقال في قوله تبارك وتعالى : { وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } حيث يراد لا يسمعون بها شيئاً من المسموعات فيتناول الآيات التنزيلية على طرز ما سلف ، وأمر الوصفية في الأخيرين مثله في الأول ، والمراد بالإبصار والسماع المنفيين ما يختص بالعقلاء من الإدراك على ما هو وظيفة الثقلين لا ما يتناول مجرد الإحساس بالشبح والصوت كما هو وظيفة الإنعام ، وجاء في كلامهم نحو فلان لا يسمع الخنا أي لا يعتني به ولا يصرف سمعه إليه ولا يقبله ، ومن ذلك قول الشاعر :

وعوراء الكلام صممت عنها *** وإني لو أشاء لها سميع

وفي إعادة الخبر في الجملتين المعطوفتين مع انتظام الكلام بدون ذلك بأن يقال : وأعين لا يبصرون بها وآذان لا يسمعون بها ما لا يخفى من تقرير سوء حالهم ، وكذا في إثبات المشاعر الثلاثة لهم ثم وصف كل بما وصف به دون سلبها عنهم ابتداءً بأن يقال : ليس لهم قلوب يفقهون بها ولا أعين يبصرون بها ولا آذان يسمعون بها ما لا يخفى على ما قيل من الشهادة بكمال رسوخهم في الجهل والغواية ، وتفسير الآية على هذا الوجه واعتبار حذف المفعول لما ذكرنا من الأفعال الثلاثة هو الذي اختاره بعض المحققين لما فه من الإفصاح بكنه حالهم على ما ىشار إليه ، واختار بعضهم التخصيص أي لا يفقهون الحق ودلائله ولا يبصرون ما خلق الله تعالى إبصار اعتبار ولا يسمعون الآيات والمواعظ سماع تأمل وتفكر ، وأياً ما كان فالمراد أنهم لم يصرفوا ما خلق لهم لما خلق له فكأنهم خلقوا كذلك ، ولو أريدت الحقيقة لم يتوجه الذم ولم تقم الحجة ؛ ومن ادعاها قال : إن ذلك بسبب إفاضة الحكيم حسب الاستعداد الأزلي الغير المجعول فالذم بذلك لادلالته على سوء الاستعداد لأنه كالأثر له ، وبالجملة لا تقوم الآية دللاً للجبر الصرف ولو ضم إليها ما قبل ، والجبر المتوسط مما قال به أهل الحق وهو لبن خالص أخرج من بين فرث ودم ، وحاصله عند بعض المشايخ أن العبد مختار مجبور باختاره ، ولعل كلام حجة الإسلام الغزال حث قال من كلام طول : فإن قلت : إني أجد في نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فكون فعلي حاصلاً بي ولا بغيري ، أجبنا وقلنا : هب إنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول : وهل تجد من نفسك إنك إن شئت أن تشاء شئت وإن شئت أن لا تشأ لم تشأ ؟ ما أظنك تقول ذلك وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا ينهاية له فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار انتهى .

يرجع إلى ما ذكرنا ، وقد استوفينا الكلام في هذا البحث في كتابنا الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية وهو لعمري من مشكلات المباحث التي سأل عنها الإيرانون .

{ أولئك } أي الموصوفن بالأوصاف المذكورة { كالانعام } أي في انتفاء الشعور على الوجه المذكور ، وقيل في أن مشاعرهم متوجهة إلى أسباب التعيش مقصورة عليها وكأن وجه الشبه مدرك مما قبل فتكون الجملة كالتأكيد له فلذا فصلت عنه { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } من الأنعام لأنها تدرك ما من شأنها أن تدركه من المنافع والمضار فتجهد في جلبها وسلبها غاية ما يمكنها وهؤلاء ليسوا كذلك حيث لم يميزوا بين المنافع والمضار بل يعكسون الأمر فيتركون النعيم ويقدمون على العذاب الأليم ، وقيل : لأنها إذا زجرت انزجرت وإذا أرشدت إلى طريق اهتدت وهؤلاء لا يهتدون إلى شيء من الخيرات . وقيل : لأنها لم تعط قدرة على تحصيل الفضائل وهؤلاء أعطوا ولم ينتفعوا بما أعطوا ، ولأنها وإن لم تكن مطيعة لم تكن عاصية وهؤلاء عصاة فهم أسوأ حالاً منها . وقال بعضهم : لأنها تعرف صاحبها وتذكره وتطيعه وهؤلاء لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه ولا يطيعونه ، وبالجملة كون هؤلاء أضل مما لا شك فيه ووجوه ذلك كثيرة ولا تنافي بين الخبرين كما لا يخفى .

{ أولئك } أي المنعوتون بما ذكر من مثلية الأنعام والشرية منها { هُمُ الغافلون } أي الكاملون في الغفلة عما فيه صلاحهم . وقال عطاء : عما أعد الله تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب ، وجعل بعضهم هذه الجملة كالبان للجملة قبلها فلذا فصلت عنها .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } وهم مظاهر القهر { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } الأسرار { وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } الحجج الكونية { وَلَهُمْ ءاذان لاَّ يسمعون بِهَا } الآيات التنزيلية فهم صم بكم عمي { أُوْلَئِكَ كالأنعام } ليس لهم هم إلا الأكل والشرب { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } [ الأعراف : 179 ] منها لأنهم لا ينزجرون إذا زجروا ولا يهتدون إذا أرشدوا .

ومما يستبعد من طريق العقل ما نقله الإمام الشعراني عن شيخه علي الخواص قدس سره أن البهائم مكلفون محتجاً بقوله تعالى : { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم } [ الأنعام : 38 ] مع قوله تعالى : { وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } [ فاطر : 24 ] وبما ورد عنه صلى الله عليه وسلم : «إنه ليؤخذ للشاة الجماء من الشاة القرناء »

وهذا وإن كان في الشاة لكن لا قائل بالفرق ، ونقل عنه القول بأن كل ما في الوجود من حيوان ونبات وجماد حي دراك ، ثم قال : فقلت له فهل تشبيه الحق تعالى من ضل من عباده بالأنعام بيان لنقص الأنعام عن الإنسان أم لكمالها في العلم بالله تعالى ؟ فقال رضي الله تعالى عنه : لا أعلم ، ولكني سمعت بعضهم يقول : ليس تشبيههم بالأنعام نقصاً وإنما هو لبيان كمال مرتبتها في العلم بالله عز وجل حتى حارت فيه فالتشبيه في الحقيقة واقع في الحيرة لا في المحار فيه فلا أشد حيرة من العلماء بالله تعالى ، فأعلى ما يصل إليه العلماء في العلم بربهم سبحانه وتعالى مبتدأ البهائم الذي لم تنتقل عن أصله وإن كانت منتقلة في شؤونه بتنقل الشؤون الإلهية لأنها لا تثبت على حال ، ولذلك كان من وصفهم سبحانه وتعالى من هؤلاء القوم أضل سبيلاً من الأنعام لأنهم يريدون الخروج من الحيرة من طريق فكرهم ونظرهم ولا يمكن لهم ذلك ، والبهائم علمت ذلك ووقفت عنده ولم تطل الخروج عنه لشدة علمها بالله تعالى ، وذكر أنها ما سميت بهائم إلا لأن أمرا قد أبهم على غالب الخلق فلم يعرفوه كما عرفه أهل الكشف انتهى .

وهو كلام يورث المؤمن به حسداً للبهائم نفعنا الله تعالى بها وأعاذنا من الحسد .