مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ} (72)

قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات فبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون }

اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال الناس ، ذكره الله تعالى ليستدل به على وجود الإله المختار الحكيم ، وليكون ذلك تنبيها على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم ، فقوله : { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } قال بعضهم : المراد أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم ، وهذا ضعيف ، لأن قوله : { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } خطاب مع الكل ، فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الدليل ، { من أنفسكم } مثل قوله : { فاقتلوا أنفسكم } وقوله : { فسلموا على أنفسكم } أي بعضكم على بعض ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا } قال الأطباء وأهل الطبيعة : التفاوت بين الذكر والأنثى إنما كان لأجل أن كل من كان أسخن مزاجا فهو الذكر ، وكل من كان أكثر بردا ورطوبة فهو المرأة . ثم قالوا : المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الذكر ، ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكرا تاما في الذكورة ، وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم ، كان الولد أنثى تاما في الأنوثة ، وإن انصب إلى الخصية اليمنى ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم ، كان الولد ذكرا في طبيعة الإناث . وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم ، كان هذا الولد أنثى في طبيعة الذكور .

واعلم أن حاصل هذا الكلام أن الذكورة علتها الحرارة واليبوسة ، والأنوثة علتها البرودة والرطوبة ، وهذه العلة في غاية الضعف ، فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان مزاجه في غاية البرودة ، ولو كان الموجب للذكورة والأنوثة ذلك لامتنع ذلك ، فثبت أن خالق الذكر والأنثى هو الإله القديم الحكيم ، وظهر بالدليل الذي ذكرنا صحة قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } .

ثم قال تعالى : { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } قال الواحدي : أصل الحفدة من الحفد وهو الخفة في الخدمة والعمل . يقال : حفد حفدا وحفودا وحفدانا إذا أسرع ، ومنه في دعاء القنوت وإليك نسعى ونحفد ، والحفدة جمع الحافد ، والحافد كل من يخف في خدمتك ويسرع في العمل بطاعتك ، يقال في جمعه الحفد بغير هاء كما يقال الرصد ، فمعنى الحفدة في اللغة الأعوان والخدام ، ثم يجب أن يكون المراد من الحفدة في هذه الآية الأعوان الذين حصلوا للرجل من قبل المرأة ، لأنه تعالى قال : { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } فالأعوان الذين لا يكونون من قبل المرأة لا يدخلون تحت هذه الآية .

إذا عرفت هذا فنقول : قيل هم الأختان ، وقيل : هم الأصهار ، وقيل : ولد الولد ، والأولى دخول الكل فيه ، لما بينا أن اللفظ محتمل لكل بحسب المعنى المشترك الذي ذكرناه .

ثم قال تعالى : { ورزقكم من الطيبات } لما ذكر تعالى إنعامه على عبيده بالمنكوح وما فيه من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة ، سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب والأشربة . أو كانت من الحيوان ، ثم قال : { أفبالباطل يؤمنون } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني بالأصنام ، وقال مقاتل : يعني بالشيطان ، وقال عطاء : يصدقون أن لي شريكا وصاحبة وولدا : { وبنعمة الله هم يكفرون } والمراد منه أنهم يحرمون على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة ويبيحون لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم : وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب ، يعني لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة ، وبإنعام الله في تحليل الطيبات ، وتحريم الخبيثات يجحدون ويكفرون ؟ والله أعلم .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ} (72)

شرح الكلمات :

{ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } : إذ حواء خلقت من آدم وسائر النساء من نطف الرجال .

{ وحفدة } : أي : خدماً من زوجه ، وولد ، وولد ولد ، وخادم وختن .

{ أفبالباطل يؤمنون } ، أي : بعبادة الأصنام يؤمنون .

المعنى :

/د71

أما الآية ( 72 ) فيقول تعالى فيها مقرراً إنعامه تعالى على المشركين بعد توبيخهم على إهمال عقولهم في الآية الأولى وكفرهم بنعم ربهم فيقول : { والله } ، أي : وحده { جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات } ، أي : جعل لكم من أنفسكم أزواجا ، أي : بشريات من جنسكم ، تسكنون إليهن وتتفاهمون معهن ، وتتعاونون بحكم الجنسية ، وهي نعمة عظمى ، وجعل لكم من أولئك الأزواج بنين بطريق التناسل والولادة ، وحفدة أيضاً ، والمراد من الحفدة : كل من يحفد ، أي : يسرع في خدمتك وقضاء حاجتك ، من زوجتك وولدك وولد ولدك وختنك ، أي : صهرك ، وخادمك ؛ إذ الكل يحفدون لك ، أي : يسارعون في خدمتك بتسخير الله تعالى لك ، وثالثاً : { ورزقكم من الطيبات } ، أي : حلال الطعام والشراب على اختلافه وتنوع مذاقه وطعمه ولذته . هذا هو الله الذي تدعون إلى عبادته وحده فتكفرون ، فأصبحتم بذلك تؤمنون بالباطل وهي الأصنام ، وعبادتها ، وتكفرون بالمنعم ونعمه ، ولذا استحقوا التوبيخ والتقريع ، فقال تعالى : { أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون } ؟ إذ عدم عبادتهم للمنعم عز وجل هو عين كفرانهم بنعمة الله تعالى .

الهداية :

- وجوب شكر الله تعالى على نعمه ، وذلك بذكره وشكره وإخلاص ذلك له .