مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (92)

ثم إنه تعالى أكد وجوب الوفاء ، وتحريم النقض وقال : { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في المشبه به قولان :

القول الأول : أنها امرأة من قريش يقال لها رايطة ، وقيل ريطة ، وقيل تلقب جعراء وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها فإذا غزلت وأبرمت أمرتهن فنقضن ما غزلن .

والقول الثاني : أن المراد بالمثل الوصف دون التعيين ، لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عنه إذا كان قبيحا ، والدعاء إليه إذا كان حسنا ، وذلك يتم به من دون التعيين .

المسألة الثانية : قوله : { من بعد قوة } أي من بعد قوة الغزل بإبرامها وفتلها .

المسألة الثالثة : قوله : { أنكاثا } قال الأزهري : واحدها : نكث وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم وينسج فإذا أحكمت النسيجة قطعتها ونكثت خيوطها المبرمة ونفشت تلك الخيوط وخلطت بالصوف ثم غزلت ثانية ، والنكث المصدر ، ومنه يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه .

المسألة الرابعة : في انتصاب قوله : { أنكاثا } وجوه : الأول : قال الزجاج : أنكاثا منصوب لأنه بمعنى المصدر لأن معنى نكثت نقضت ، ومعنى نقضت نكثت ، وهذا غلط منه ، لأن الأنكاث جمع نكث وهو اسم لا مصدر فكيف يكون قوله : { أنكاثا } بمعنى المصدر ؟ الثاني : قال الواحدي : أنكاثا مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعا وفرقه أجزاء على معنى جعله أقطاعا وأجزاء فكذا ههنا قوله : نقضت غزلها أنكاثا . أي جعلت غزلها أنكاثا . الثالث : إن قوله : { أنكاثا } حال مؤكدة .

المسألة الخامسة : قال ابن قتيبة : هذه الآية متصلة بما قبلها ، والتقدير : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل المرأة التي غزلت غزلا وأحكمته فلما استحكم نقضته فجعلته أنكاثا .

ثم قال تعالى : { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } قال الواحدي : الدخل والدغل الغش والخيانة . قال الزجاج : كل ما دخله عيب قيل هو مدخول وفيه دخل ، وقال غيره : الدخل ما أدخل في الشيء على فساد .

ثم قال : { أن تكون أمة هي أربى من أمة } أربى أي أكثر من ربا الشيء يربو إذا زاد ، وهذه الزيادة قد تكون في العدد وفي القوة وفي الشرف . قال مجاهد : كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك . وقوله : { أن تكون } معناه أنكم تتخذون أيمانكم دخلا بينكم بسبب أن تكون أمة أربى من أمة في العدد والقوة والشرف . فقوله : { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى : أتتخذون أيمانكم دخلا بينكم بسبب أن أمة أزيد في القوة والكثرة من أمة أخرى .

ثم قال تعالى : { إنما يبلوكم الله به } أي بما يأمركم وينهاكم ، وقد تقدم ذكر الأمر والنهي : { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } فيتميز المحق من المبطل بما يظهر من درجات الثواب والعقاب ، والله أعلم .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (92)

{ ولا تكونوا كالتي نقضت } ، مثل ضرب لناقضي العهود بعد توثيقها . أي : ولا تكونوا فيما تقدمون عليه من النقض كمن أنحت على غزلها بعد إحكامه وإبرامه فنقضته وجعلته{ أنكاثا } ، حماقة منها جمع نكث ، وهو ما نقض ليغزل ثانيا . وفعله من باب قتل . { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } ، أي : لا تكونوا متشبهين بامرأة هذا شأنها ، متخذين أيمانكم وسيلة للغدر والخيانة . أو للفساد بينكم .

والدخل : العيب ، واستعمل فيما يدخل الشيء وليس منه ، ثم كنى به عن الغدر أو للفساد والعداوة المستبطنة . { أن تكون أمة } ، أي : لأجل وجدانكم جماعة أخرى ، { هي أربى من أمة } ، أكثر عددا وأعز نفرا من التي عاهدتموها- وكانت قريش تفعل ذلك- ، بل عليكم الوفاء بالعهد ، وإن قل من عاهدتموهم عن أولئك . و{ أربى } : أزيد عددا وأقوى . يقال : ربا الشيء يربو ، إذا كثر .