مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

ثم قال تعالى حكاية عن عيسى { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربى وربكم } أن مفسرة والمفسر هو الهاء في به الراجع إلى القول المأمور به والمعنى ما قلت لهم إلا قولا أمرتني به وذلك القول هو أن أقول لهم : اعبدوا الله ربي وربكم . واعلم أنه كان الأصل أن يقال : ما أمرتهم إلا بما أمرتني به إلا أنه وضع القول موضع الأمر ، نزولا على موجب الأدب الحسن ، لئلا يجعل نفسه وربه أمرين معا ، ودل على الأصل بذكر أن المفسرة .

ثم قال تعالى : { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } أي كنت أشهد على ما يفعلون ما دمت مقيما فيهم .

{ فلما توفيتني } والمراد منه ، وفاة الرفع إلى السماء ، من قوله { إني متوفيك ورافعك إلى } .

{ كنت أنت الرقيب عليهم } قال الزجاج : الحافظ عليهم المراقب لأحوالهم .

{ وأنت على كل شيء شهيد } يعني أنت الشهيد لي حين كنت فيهم وأنت الشهيد عليهم بعد مفارقتي لهم ، فالشهيد الشاهد ويجوز حمله على الرؤية ، ويجوز حمله على العلم ، ويجوز حمله على الكلام بمعنى الشهادة فالشهيد من أسماء الصفات الحقيقية على جميع التقديرات .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

{ فلما توفيتني }فلما أخذتني وافيا بالرفع إلى السماء حيا ، إنجاء لي مما دبروه من قتلى ، من التوفي وهو أخذ الشيء وافيا أي كاملا . وقد جاء التوفي بهذا المعنى في قوله تعالى : { يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا }{[134]} . ولا يصح أن يحمل على الإماتة ، لأن إماتة عيسى في وقت حصار أعدائه له ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها . ورفعه إلى السماء بعد الموت جثة هامدة سخف من القول . وقد نزه الله السماء أن تكون قبورا لجثت الموتى . وإن كان الرفع بالروح فقط ، فأي مزية لعيسى في ذلك على سائر الأنبياء ، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة . فالحق أنه عليه السلام رفع إلى السماء حيا بجسده ، وقد جعله الله وأمه آية ، والله على كل شيء قدير . { للرقيب عليهم }الحفيظ عليهم ، المراقب لأعمالهم ، الذي لا يغيب عنه شيء من أحوالهم . والله أعلم .


[134]:آية 55 آل عمران ص 109