فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

{ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد . إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ( {[1939]} ) ولم تكن دعوتي إلى قومي إلا حضهم على عبادة المولى الحميد ، المليك المقتدر ، خالقي وخالقكم وخالق كل شيء ، وكنت حفيظا عليهم بما أمرتهم ، وقت مقامي بينهم ، فلما رفعتني كنت أنت الحافظ عليهم ، والشاهد على أفعالهم والعالم بهم ، ترعاهم دون سواك ، وأنت مطلع على قولي وقولهم ، ومن عصى ومن أطاع ؛ قال الحسن : الوفاة في كتاب الله عز وجل على ثلاثة أوجه : وفاة الموت ، وذلك قوله تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها . . ) ( {[1940]} ) يعني وقت انقضاء أجلها ؛ ووفاة النوم ، قال الله تعالى : { وهو الذي يتوفاهم بالليل . . } ( {[1941]} ) يعني : الذي ينيمكم ؛ ووفاة الرفع ، قال الله تعالى : { يا عيسى إني متوفيك ورافعك . . } .

روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بموعظة فقال : " يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ( كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) ( {[1942]} ) ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام- ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ( {[1943]} ){ . . وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } قال فيقال لي إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " .

أخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قوله عز وجل في إبراهيم : ( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) ( {[1944]} ) .


[1939]:روى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: صل النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فلما أصبح، قلت: يا رسول الله ! ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها ؟ قال:" إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا".
[1940]:من سورة الزمر. من الآية 42.
[1941]:من سورة الأنعام. من الآية 60.
[1942]:ممن سورة الأنبياء. من الآية 104.
[1943]:يعني عيسى عليه السلام.
[1944]:من سورة إبراهيم. الآية 36.