مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (4)

قوله تعالى : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : الفاء في قوله { فإذا لقيتم } يستدعي متعلقا يتعلق به ويترتب عليه ، فما وجه التعلق بما قبله ؟ نقول هو من وجوه : ( الأول ) لما بين أن الذين كفروا أضل الله أعمالهم واعتبار الإنسان بالعمل ، ومن لم يكن له عمل فهو همج فإن صار مع ذلك يؤذي حسن إعدامه { فإذا لقيتم } بعد ظهور أن لا حرمة لهم وبعد إبطال أعمالهم ، فاضربوا أعناقهم ( الثاني ) إذا تبين تباين الفريقين وتباعد الطريقين ، وأن أحدهما يتبع الباطل وهو حزب الشيطان ، والآخر يتبع الحق وهو حزب الرحمن حق القتال عند التحزب ، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم ( الثالث ) أن من الناس من يقول لضعف قلبه وقصور نظره إيلام الحيوان من الظلم والطغيان ، ولاسيما القتل الذي هو تخريب بنيان ، فيقال ردا عليهم : لما كان اعتبار الأعمال باتباع الحق والباطل فمن يقتل في سبيل الله لتعظيم أمر الله لهم من الأجر ما للمصلي والصائم ، فإذا لقيتم الذين كفروا فاقتلوهم ولا تأخذكم بهما رأفة فإن ذلك اتباع للحق والاعتبار به لا بصورة الفعل .

المسألة الثانية : { فضرب } منصوب على المصدر ، أي فاضربوا ضرب الرقاب .

المسألة الثالثة : ما الحكمة في اختيار ضرب الرقبة على غيرها من الأعضاء نقول فيه : لما بين أن المؤمن ليس يدافع إنما هو دافع ، وذلك أن من يدفع الصائل لا ينبغي أن يقصد أولا مقتله بل يتدرج ويضرب على غير المقتل ، فإن اندفع فذاك ولا يترقى إلى درجة الإهلاك ، فقال تعالى ليس المقصود إلا دفعهم عن وجه الأرض ، وتطهير الأرض منهم ، وكيف لا والأرض لكم مسجد ، والمشركون نجس ، والمسجد يطهر من النجاسة ، فإذا ينبغي أن يكون قصدكم أولا إلى قتلهم بخلاف دفع الصائل ، والرقبة أظهر المقاتل لأن قطع الحلقوم والأوداج مستلزم للموت لكن في الحرب لا يتهيأ ذلك ، والرقبة ظاهرة في الحرب ففي ضربها حز العنق وهو مستلزم للموت بخلاف سائر المواضع ، ولاسيما في الحرب ، وفي قوله { لقيتم } ما ينبئ عن مخالفتهم الصائل لأن قوله { لقيتم } يدل على أن القصد من جانبهم بخلاف قولنا لقيكم ، ولذلك قال في غير هذا الموضع { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } .

المسألة الرابعة : قال هاهنا { ضرب الرقاب } بإظهار المصدر وترك الفعل ، وقال في الأنفال { فاضربوا فوق الأعناق } ] بإظهار الفعل ، وترك المصدر ، فهل فيه فائدة ؟ نقول نعم ولنبينها بتقديم مقدمة ، وهي أن المقصود أولا في بعض السور قد يكون صدور الفعل من فاعل ويتبعه المصدر ضمنا ، إذ لا يمكن أن يفعل فاعل إلا ويقع منه المصدر في الوجود ، وقد يكون المقصود أولا المصدر ولكنه لا يوجد إلا من فاعل فيطلب منه أن يفعل ، مثاله من قال : إني حلفت أن أخرج من المدينة .

فيقال له : فاخرج ، صار المقصود منه صدور الفعل منه والخروج في نفسه غير مقصود الانتفاء ، ولو أمكن أن يخرج من غير تحقق الخروج منه لما كان عليه إلا أن يخرج لكن من ضرورات الخروج أن يخرج ، فإذا قال قائل ضاق بي المكان بسبب الأعداء فيقال له مثلا الخروج يعني الخروج فاخرج فإن الخروج هو المطلوب حتى لو أمكن الخروج من غير فاعل لحصل الغرض لكنه محال فيتبعه الفعل ، إذا عرفت هذا فنقول في الأنفال الحكاية عن الحرب الكائنة وهم كانوا فيها والملائكة أنزلوا لنصرة من حضر في صف القتال فصدور الفعل منه مطلوب ، وهاهنا الأمر وارد وليس في وقت القتال بدليل قوله تعالى : { فإذا لقيتم } والمقصود بيان كون المصدر مطلوبا لتقدم المأمور على الفعل قال : { فضرب الرقاب } وفيما ذكرنا تبيين فائدة أخرى وهي أن الله تعالى قال هناك { واضربوا منهم كل بنان } وذلك لأن الوقت وقت القتال فأرشدهم إلى المقتل وغيره إن لم يصيبوا المقتل ، وهاهنا ليس وقت القتال فبين أن المقصود القتل وغرض المسلم ذلك .

المسألة الخامسة : { حتى } لبيان غاية الأمر لا لبيان غاية القتل أي حتى إذا أثخنتموهم لا يبقى الأمر بالقتل ، ويبقى الجواز ولو كان لبيان القتل لما جاز القتل ، والقتل جائز إذا التحق المثخن بالشيخ الهرم ، والمراد كما إذا قطعت يداه ورجلاه فنهى عن قتله .

قوله تعالى : { فشدوا الوثاق } أمر إرشاد .

قوله تعالى : { فإما منا بعد وإما فداء } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : ( إما ) وإنما للحصر وحالهم بعد الأسر غير منحصر في الأمرين ، بل يجوز القتل والاسترقاق والمن والفداء ، نقول هذا إرشاد فذكر الأمر العام الجائز في سائر الأجناس ، والاسترقاق غير جائز في أسر العرب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم فلم يذكر الاسترقاق ، وأما القتل فلأن الظاهر في المثخن الإزمان ، ولأن القتل ذكره بقوله { فضرب الرقاب } فلم يبق إلا الأمران .

المسألة الثانية : منا وفداء منصوبان لكونهما مصدرين تقديره : فإما تمنون منا وإما تفدون فداء وتقديم المن على الفداء إشارة إلى ترجيح حرمة النفس على طلب المال ، والفداء يجوز أن يكون مالا يكون وأن يكون غيره من الأسرى أو شرطا يشرط عليهم أو عليه وحده .

المسألة الثالثة : إذا قدرنا الفعل وهو تمنون أو تفدون على تقدير المفعول ، حتى نقول إما تمنون عليهم منا أو تفدونهم فداء ، نقول لا لأن المقصود المن والفداء لا عليهم وبهم كما يقول القائل : فلان يعطي ويمنع ولا يقال يعطي زيدا ويمنع عمرا لأن غرضه ذكر كونه فاعلا لا بيان المفعول ، وكذلك هاهنا المقصود إرشاد المؤمنين إلى الفضل .

قوله تعالى : { حتى تضع الحرب أوزارها } .

وفي تعلق { حتى } وجهان : ( أحدهما ) تعلقها بالقتل أي اقتلوهم حتى تضع ( وثانيهما ) بالمن والفداء ، ويحتمل أن يقال متعلقة بشدوا الوثاق وتعلقها بالقتل أظهر وإن كان ذكره أبعد ، وفي الأوزار وجهان ( أحدهما ) السلاح ( والثاني ) الآثام وفيه مسائل :

المسألة الأولى : إن كان المراد الإثم ، فكيف تضع الحرب الإثم والإثم على المحارب ؟ وكذلك السؤال في السلاح لكنه على الأول أشد توجها ، فيقول تضع الحرب الأوزار لا من نفسها ، بل تضع الأوزار التي على المحاربين والسلاح الذي عليهم .

المسألة الثانية : هل هذا كقوله تعالى : { واسئل القرية } حتى يكون كأنه قال حتى تضع أمة الحرب أو فرقة الحرب أوزارها ؟ نقول ذلك محتمل في النظر الأول ، لكن إذا أمعنت في المعنى تجد بينهما فرقا ، وذلك لأن المقصود من قوله { حتى تضع الحرب أوزارها } الحرب بالكلية بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر يحارب حزبا من أحزاب الإسلام ، ولو قلنا حتى تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة ويتركوا الحرب وهي باقية بمادتها كما تقول خصومتي ما انفصلت ولكني تركتها في هذه الأيام ، وإذا أسندنا الوضع إلى الحرب يكون معناه إن الحرب لم يبق .

المسألة الثالثة : لو قال حتى لا يبقى حزب أو ينفر من الحرب هل يحصل معنى قوله { حتى تضع الحرب أوزارها } نقول لا والتفاوت بين العبارتين مع قطع النظر عن النظم ، بل النظر إلى نفس المعنى كالتفاوت بين قولك انقرضت دولة بني أمية ، وقولك لم يبق من دولتهم أثر ، ولا شك أن الثاني أبلغ ، فكذلك هاهنا قوله تعالى : { أوزارها } معناه آثارها فإن من أوزار الحرب آثارها .

المسألة الرابعة : وقت وضع أوزار الحرب متى هو ؟ نقول فيه أقوال حاصلها راجع إلى أن ذلك الوقت هو الوقت الذي لا يبقى فيه حزب من أحزاب الإسلام وحزب من أحزاب الكفر وقيل ذلك عند قتال الدجال ونزول عيسى عليه السلام .

قوله تعالى : { ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم } .

في معنى ذلك وجهان : ( أحدهما ) الأمر ذلك والمبتدأ محذوف ويحتمل أن يقال ذلك واجب أو مقدم ، كما يقول القائل إن فعلت فذاك أي فذاك مقصود ومطلوب ، ثم بين أن قتالهم ليس طريقا متعينا بل الله لو أراد أهلكهم من غير جند .

قوله تعالى : { ولكن ليبلو بعضكم ببعض } .

أي ولكن ليكلفكم فيحصل لكم شرف باختياره إياكم لهذا الأمر . فإن قيل ما التحقيق في قولنا التكليف ابتلاء وامتحان والله يعلم السر وأخفى ، وماذا يفهم من قوله { ولكن ليبلو بعضكم ببعض } ؟ نقول فيه وجوه ( الأول ) أن المراد منه يفعل ذلك فعل المبتلين أي كما يفعل المبتلى المختبر ، ومنها أن الله تعالى يبلو ليظهر الأمر لغيره إما للملائكة وإما للناس ، والتحقيق هو أن الابتلاء والامتحان والاختبار فعل يظهر بسببه أمر غير متعين عند العقلاء بالنظر إليه قصدا إلى ظهوره ، وقولنا فعل يظهر بسببه أمر ظاهر الدخول في مفهوم الابتداء ، لأن ما لا يظهر بسببه شيء أصلا لا يسمى ابتلاء ، أما قولنا أمر غير متعين عند العقلاء ، وذلك لأن من يضرب بسيفه على القثاء والخيار لا يقال إنه يمتحن ، لأن الأمر الذي يظهر منه متعين وهو القطع والقد بقسمين ، فإذا ضرب بسيفه سبعا يقال يمتحن بسيفه ليدفع عن نفسه وقد يقده وقد لا يقده ، وأما قولنا ليظهر منه ذلك فلأن من يضرب سبعا بسيفه ليدفعه عن نفسه لا يقال إنه ممتحن لأن ضربه ليس لظهور أمر متعين ، إذا علم هذا فنقول الله تعالى إذا أمرنا بفعل يظهر بسببه أمر غير متعين ، وهو إما الطاعة أو المعصية في العقول ليظهر ذلك يكون ممتحنا ، وإن كان عالما به لكون عدم العلم مقارنا فينا لابتلائنا فإذا ابتلينا وعدم العلم فينا مستمر أمرنا وليس من ضرورات الابتلاء ، فإن قيل الابتلاء فائدته حصول العلم عند المبتلى ، فإذا كان الله تعالى عالما فأية فائدة فيه ؟ نقول ليس هذا سؤال يختص بالابتلاء ، فإن قول القائل : لم ابتلى كقول القائل لم عاقب الكافر وهو مستغن ، ولم خلق النار محرقة وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضر ؟ وجوابه : لا يسأل عما يفعل ، ونقول حينئذ ما قاله المتقدمون إنه لظهور الأمر المتعين لإله ، وبعد هذا فنقول : المبتلى لا حاجة له إلى الأمر الذي يظهر من الابتلاء ، فإن الممتحن للسيف فيما ذكرنا من الصورة لا حاجة له إلى قطع ما يجرب السيف فيه حتى أنه لو كان محتاجا ، كما ضربنا من مثال دفع السبع بالسيف لا يقال إنه يمتحن وقوله { ليبلو بعضكم ببعض } إشارة إلى عدم الحاجة تقريرا لقوله { ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم } .

قوله تعالى : { والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم } .

قرئ قتلوا وقاتلوا والكل مناسب لما تقدم ، أما من قرأ قتلوا فلأنه لما قال : { فضرب الرقاب } ومعناه فاقتلوهم بين ما للقاتل بقوله { والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم } ردا على من زعم أن القتل فساد محرم إذ هو إفناء من هو مكرم ، فقال عملهم ليس كحسنة الكافر يبطل بل هو فوق حسنات الكافر أضل الله أعمال الكفار ، ولن يضل القاتلين ، فكيف يكون القتل سيئة ، وأما من قرأ { قاتلوا } فهو أكثر فائدة وأعم تناولا ، لأنه يدخل فيه من سعى في القتل سواء قتل أو لم يقتل ، وأما من قرأ { والذين قتلوا } على البناء للمفعول فنقول هي مناسبة لما تقدم من وجوه ( أحدها ) هو أنه تعالى لما قال : { فضرب الرقاب } أي اقتلوا والقتل لا يتأتى إلا بالإقدام وخوف أن يقتل المقدم يمنعه من الإقدام ، فقال لا تخافوا القتل فإن من يقتل في سبيل الله له من الأجر والثواب ما لا يمنع المقاتل من القتال بل يحثه عليه ( وثانيها ) هو أنه تعالى لما قال : { ليبلو بعضكم ببعض } والمبتلى بالشيء له على كل وجه من وجوه الأثر الظاهر بالابتلاء حال من الأحوال ، فإن السيف الممتحن تزيد قيمته على تقدير أن يقطع وتنقص على تقدير أن لا يقطع فحال المبتلين ماذا فقال إن قتل فله أن لا يضل عمله ويهدى ويكرم ويدخل الجنة ، وأما إن قتل فلا يخفى أمره عاجلا وآجلا ، وترك بيانه على تقدير كونه قاتلا لظهوره وبين حاله على تقدير كونه مقتولا ( وثالثها ) هو أنه تعالى لما قال : { ليبلوكم } ولا يبتلي الشيء النفيس بما يخاف منه هلاكه ، فإن السيف المهند العضب الكبير القيمة لا يجرب بالشيء الصلب الذي يخاف عليه منه الانكسار ، ولكن الآدمي مكرم كرمه الله وشرفه وعظمه ، فلماذا ابتلاه بالقتال وهو يفضي إلى القتل والهلاك إفضاء غير نادر ، فكيف يحسن هذا الابتلاء ؟ فنقول القتل ليس بإهلاك بالنسبة إلى المؤمن فإنه يورث الحياة الأبدية فإذا ابتلاه بالقتال فهو على تقدير أن يقتل مكرم وعلى تقدير أن لا يقتل مكرم هذا إن قاتل وإن لم يقاتل ، فالموت لا بد منه وقد فوت على نفسه الأجر الكبير .

وأما قوله تعالى : { فلن يضل أعمالهم } قد علم معنى الإضلال ، بقي الفرق بين العبارتين في حق الكافر والضال قال { أضل } وقال في حق المؤمن الداعي { لن يضل } ، لأن المقاتل داع إلى الإيمان لأن قوله { حتى تضع الحرب أوزارها } قد ذكر أن معناه حتى لم يبق إثم بسبب حرب ، وذلك حيث يسلم الكافر فالمقاتل يقول إما أن تسلم وإما أن تقتل ، فهو داع والكافر صاد وبينهما تباين وتضاد فقال في حق الكافر أضل بصيغة الماضي ، ولم يقل يضل إشارة إلى أن عمله حيث وجد عدم ، وكأنه لم يوجد من أصله ، وقال في حق المؤمن فلن يضل ، ولم يقل ما أضل إشارة إلى أن عمله كلما ثبت عليه أثبت له ، فلن يضل للتأبيد وبينهما غاية الخلاف ، كما أن بين الداعي والصاد غاية التباين والتضاد ، فإن قيل ما معنى الفاء في قوله { فلن يضل } ؟ جوابه لأن في قوله تعالى : { والذين قتلوا } معنى الشرط .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (4)

فضرب الرقاب : فاضربوا رقابهم ضرباً واقتلوهم .

أثخنتموهم : أكثرتم فيهم القتل .

فشدّوا الوثاق : فأسِروهم واربطوهم . الوثاق بفتح الواو وكسرها ما يوثق به .

فإما منّاً بعدُ وإما فداء : فإما أن تطلقوا سراحهم بدون فداء ، وإما أن يفدوا أنفسهم بشيء من المال .

حتى تضع الحرب أوزارها : حتى تنتهي الحرب ، الأوزار : أثقال الحرب من سلاح وغيره .

ثم بعد ذلك ذكر الله تعالى هنا وجوبَ القتال وأذِن به بعد أن استقر المؤمنون في المدينة ، وبدأوا في تأسيس الدولة الإسلامية . وتبين هذه الآية والآياتُ التي قبلها مشروعيةَ القتال للدفاع عن العقيدة والوطن . فإذا لقيتم الذين كفروا في الحرب فاضرِبوا رقابَهم ، حتى إذا أضعفتموهم بكثرة القتل فيهم فأحكِموا قيد الأسرى ، وبعد ذلك لكم الخيار : إما أن تُطلقوا الأسرى أو بعضَهم بغير فداء وتمنُّوا عليهم بذلك ، وإما أن تأخذوا منهم الفدية ، أو تبادلوا بهم بالمسلمين ممن يقع في الأسر . وليكن هذا شأنكم مع الكافرين حتى تنتهي الحرب وتضع أوزارها .

ثم بين الله تعالى أن هذه هي السنّة التي أرادها من حرب المشركين ، ولو شاء لانتقم منهم بلا حرب ولا قتال ، ولكنه ليختبر المؤمنين بالكافرين شرع الجهاد .

قراءات :

قرأ أهل البصرة وحفص : والذين قُتلوا . بضم القاف وكسر التاء . والباقون والذين قاتلوا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (4)

والفاء في قوله تعالى : { فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ } لترتيب ما في حيزها من الأمر على ما قبلها فإن ضلال أعمال الكفرة وخيبتهم وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم مما يوجب أن يترتب على كل من الجانبين ما يليق به من الأحكام أي إذا كان الأمر كذلك فإذا لقيتموهم في المحارب { فَضَرْبَ الرقاب } وقال الزمخشري : { لَقِيتُمُ } من اللقاء وهو الحرب و { ضُرِبَ } نصب على المصدرية لفعل محذوف والأصل أضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر وأنيب منابه مضافاً إلى المفعول ، وحذف الفعل الناصب في مثل ذلك مما أضيف إلى معموله واجب ، وهو أحد مواضع يجب فيها الحذف ذكرت في مطولات كتب النحو ، وليس منها نحو ضرباً زيداً على ما نص عليه ابن عصفور .

وذكر غير واحد أن فيما ذكر اختصاراً وتأكيداً ولا كلام في الاختصار ، وأما التأكيد فظاهر القول به أن المصدر بعد حذف عامله مؤكد ، وقال الحمصي في حواشي التصريح : إن المصدر في ذلك مؤكد في الأصل وأما الآن فلا لأنه صار بمنزلة الفعل الذي سد هو مسده فلا يكون مؤكداً بل كل مصدر ثار بدلاً من اللفظ بالفعل لا يكون مؤكداً ولا مبيناً لنوع ولا عدد ، و { ضربَ الرقاب } مجاز مرسل عن القتل ، وعبر به عنه إشعاراً بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقبة حيث أمكن وتصويراً له بأشنع صورة لأن ضرب الرقبة فيه إطارة الرأس الذي هو أشرف أعضاء البدن ومجمع حواسه وبقاء البدن ملقى على هيئة منكرة والعياذ بالله تعالى ، وذكر أن في التعبير المذكور تشجيع المؤمنين وأنهم منهم بحيث يتمكنون من القتل بضرب أعناقهم في الحرب { حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ } أي أوقعتم القتل بهم بشدة وكثرة على أن ذلك مستعار من ثخن المائعات لمنعه عن الحركة ، والمراد حتى إذ أكثرتم قتلهم وتمكنتم من أخذ من لم يقتل { فَشُدُّواْ الوثاق } أي فأسروهم واحفظوهم ، فالشد وكذا ما بعد في حق من أسر منهم بعد اثخانهم لا للمثخن إذ هو بالمعنى السابق لا يشد ولا يمن عليه ولا يفدي لأنه قد قتل أو المعنى حتى إذا أثقلتموهم بالجراح ونحوه بحيث لا يستطيعون النهوض فأسروهم واحفظوهم ؛ فالشد وكذا ما بعد في حق المثخن لأنه بهذا المعنى هو الذي لم يصل إلى حد القتل لكن ثقل عن الحركة فصار كالشيء الثخين الذي لم يسل ولم يستمر في ذهابه ، والاثخان عليه مجاز أيضاً ، و { الوثاق } في الأصل مصدر كالخلاص وأريد به هنا ما يوثق به . وقرئ { الوثاق } بالكسر وهو اسم لذلك ، ومجيء فعال اسم آلة كالحزام والركاب نادر على خلاف القياس ، وظاهر كلام البعض أن كلا من المفتوح والمكسور اسم لما يوثق به ، ولعل المراد بيان المراد هنا .

{ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } أي فاما تمنون منا وإما تفدون فداء ، والكلام تفصيل لعاقبة مضمون ما قبله من شد الوثاق ، وحذف الفعل الناصب للمصدر في مثل ذلك واجب أيضاً ، ومنه قوله :

لأجهدن فاما درء واقعة *** ثخشى وإما بلوغ السؤال والامل

وجوز أبو البقاء كون كل من { مِنَّا } و { فداء } مفعولا به لمحذوف أي أولوهم منا أو أقبلوا منهم فداء ، وليس كما قال أبو حيان اعراب نحوي ، وقرأ ابن كثير في رواية شبل { وَأَمَّا فدى } بالفتح والقصر كعصا . وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته ، قال الشهاب : ولا عبرة به فإن فيه أربع لغات الفتح والكسر مع المد والقصر ولغة خامسة البناء مع الكسر كما حكاه الثقات انتهى ، وفي الكشف نقلاً عن الصحاح الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور . ومن العرب من يكسر الهمزة أي يبنيه على الكسر إذا جاور لام الجر خاصة لأنه اسم فعل بمعنى الدعاء ، وأنشد الأصمعي بين النابغة :

مهلاً فداء لك *** وهذا الكسر مع التنوين كما صرح به في البحر ، وظاهر الآية على ما ذكره السيوطي في أحكام القرآن العظيم امتناع القتل بعد الأسر وبه قال الحسن . وأخرج ابن جرير . وابن مردويه عنه أنه قال : أتى الحجاج بأسارى فدفع إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رجلاً يقتله فقال ابن عمر : ليس بهذا أمرنا إنما قال الله تعالى : { حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } وفي حكم الأساري خلاف فذهب الأكثرون إلى أن الإمام بالخيار إن شاء قتلهم إن لم يسلموا لأنه صلى الله عليه وسلم قتل صبرا عقبة بن أبي معيط . وطعيمة بن عدى . والنضر بن الحرث التي قالت فيه أخته أبياتاً منها تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم :

ما كان ضرك لو مننت وربما *** من الفتى وهو المغيظ المحنق

وون في قتلهم حسم مادة فسادهم بالكلية ، وليس ولحاد من الغزاة أن يقتل أسيراً بنفسه فإن فعل بلا ملجيء كخوف شر الأسير كان للإمام أن يعزره إذا وقع على خلاف مقصوده ولكن لا يضمن شيئاً ، وإن شاء استرقهم لأن فيه دفع شرهم مع وفور المصلحة لأهل الإسلام ، وإن شاء تركهم ذمة أحراراً للمسلمين كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه ذلك في أهل السواد الا أسارى مشركي العرب والمرتدين فإنهم لا تقبل منهم جزية ولا يجوز استراقاتهم بل الحكم فيهم إما الإسلام أو السيف ، وإن أسلم الأساري بعد الأسر لا يقتلهم لاندفاع شرهم بالإسلام ، ولكن يجوز استراقاتهم فإن الإسلام لا ينافي الرق جزاء على الكفر الأصلي وقد وجد بعد انعقاد سبب الملك وهو الاستيلاء على الحربي غير المشرك من العرب ، بخلاف ما لو أسلموا من قبل الأخذ فإنهم يكونون أحراراً لأنه اسلام قبل انعقاد سبب الملك فيهم ، ولا يفادي بالاساري في احدى الروايتين عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه لما في ذلك من معونة الكفر لأنه يعود الأسير الكافر حرباً علينا ، ودفع شر حرابته خيرم ن استنقاذا لمسلم لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء في حقه فقط ، والضرر بدفع أسيرهم إليهم يعود على جماعة المسلمين .

والرواية الأخرى عنه أنه يفادي وهو قول محمد . وأبي يوسف . والإمام الشافعي . ومالك . وأحمد إلا بالنساء فإنه لا يجوز المفاداة بهن عندهم ، ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم ، وهذه رواية السير الكبير ، قيل : وهو أظهر الروايتين عن الإمام أبي حنيفة ، وقال أبو يوسف : تجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة لا بعدها ، وعند محمد تجوز بكل حال . ووجه ما ذكره الأئمة من جواز المفاداة أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر للانتفاع به ولأن حرمته عظيمة وما ذكر من الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إليهم يدفعه ظاهراً المسلم الذي يتخلص منهم لأنه ضرر شخص واحد فيقوم بدفعه واحد مثله ظاهراً فيتكافئان وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله تعالى فإن فيها زيادة ترجيح .

ثم أنه قد ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرج مسلم . وأبو داود . والترمذي . وعبد بن حميد . وابن جرير عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين ويحتج لمحمد بما أخرجه مسلم أيضاً عن إياس بن سلمة عن أبيه سلمة قال : خرجنا مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه أمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق فقال : يا سلمة هب لي المرأة يعني التي نقله أبو بكر إياها فقلت : يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوباً ، ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق فقال : «يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك » فقلت : هي لك يا رسول الله فوالله ما كشفت لها ثوباً فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففدى بها ناساً من المسلمين أسروا بمكة ، ولا يفادي بالأسير إذا أسلم وهو بأيدينا لأنه لا يفيد إلا إذا طابت نفسه وهو مأمون على إسلامه فيجوز لأنه يفيد تخليص مسلم من غير إضرار بمسلم آخر ، وأما المفاداة بمال فلا تجوز في المشهور من مذهب الحنفية لما بين في المفاداة بالمسلمين من ردهم حرباً علينا .

وفي «السير الكبير » أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة ، قيل : استدلالاً بأساري بدر فإنه لا شك في احتياج المسلمين بل في شدة حاجتهم إذ ذاك فليكن محمل المفاداة الكائنة في بدر بالمال ، وأما المن على الأساري وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء فلا يجوز عند أبي حنيفة . ومالك . وأحمد ، وأجازه الإمام الشافعي لأنه صلى الله عليه وسلم من على جماعة من أسرى بدر منهم أبو العاص بن أبي الربيع على ما ذكره ابن إسحق بسنده . وأبو داود من طريقه إلى عائشة لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنائه عليها فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك رق لها رقة شديدة وقال لأصحابه : " إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرنا وتردوا لها الذي لها " ففعلوا ذلك مغتبطين به ، ورواه الحاكم وصححه وزاد «وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي زينب إليه ففعل » ومن صلى الله عليه وسلم على ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي سيد أهل اليمامة ثم أسلم وحسن إسلامه ، وحديثه في «صحيح مسلم » عن أبي هريرة ، ويكفي ما ثبت في «صحيح البخاري » من قوله عليه الصلاة والسلام : " لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتني يعني أساري بدر لتركتهم له " فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر وهو الصادق المصدوق بأنه يطلقهم لو سأله المطعم ، والإطلاق على ذلك التقدير لا يثبت إلا وهو جائز شرعاً لمكان العصمة ، وكونه لم يقع لعدم وقوع ما علق عليه لا ينفي جوازه شرعاً .

واستدل أيضاً بالآية التي نحن فيها فإن الله تعالى خير فيها بين المن والفداء ، والظاهر أن المراد بالمن الإطلاق مجاناً ؛ وكون المراد المن عليهم بترك القتل وإبقاءهم مسترقين أو تخليتهم لقبول الجزية وكونهم من أهل الذمة خلاف الظاهر ، وبعض النفوس يجد طعم الإلاء أحلى من هذا المن .

وأجاب بعض الحنفية بأن الآية منسوخة بقوله تعالى : { اقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] من سورة براءة فإنه يقتضي عدم جواز المن وكذا عدم جواز الفداء وهي آخر سورة نزلت في هذا الشأن ، وزعم أن ما وقع من المن والفداء إنما كان في قضية بدر وهي سابقة عليها وإن كان شيء من ذلك بعد بدر فهو أيضاً قبل السورة .

والقول بالنسخ جاء عن ابن عباس . وقتادة . والضحاك . ومجاهد في روايات ذكرها الجلال السيوطي في «الدر المنثور » ، وقال العلامة ابن الهمام : قد يقال إن ذلك يعني ما في سورة براءة في حق غير الأساري بدليل جواز الاسترقاق فيهم فيعلم أن القتل المأمور به في حق غيرهم ، وما ذكره في جواز الاسترقاق ليس على إطلاقه إذ لا يجوز كما علمت استرقاق مشركي العرب { حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا } أي آلاتها وأثقالها من السلاح وغيره ، قال الأعشى :

وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا

ومن نسج داود موضونة *** تساق إلى الحرب عيراً فعيرا

وهي في الأصل الأحمال فاستعيرت لما ذكر استعارة تصريحية ، ويجوز أن يكون في { الحرب } استعارة مكنية بأن تشبه بإنسان يحمل حملاً على رأسه أو ظهره ويثبت لها ما أثبت تخييلاً ، وكلام الشكاف أميل إليه ، وقيل : هي أحمال المحارب أضيفت للحرب تجوزاً في النسبة الإضافية وتغليباً لها على الكراع ، وإسناد الوضع للحرب مجازي أيضاً وليس بذاك . وعد بعض الأماثل الكلام تمثيلاً ، والمراد حتى تنقضي الحرب وقال : يجوز أن يكون إرادة ذلك من باب المجاز المتفرع على الكناية كما في قوله :

فألقت عصاها واستقر بها النوى *** فإنه كنى به عن انقضاء السفر والإقامة ، وقيل : الأوزار جمع وزر بمعنى إثم وهو هنا الشرك والمعاصي ، { وَتَضَعُ } بمعنى تترك مجازاً ، وإسناده للحرب مجاز أو بتقدير مضاف ، والمعنى حتى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم ، وفيه أنه لا يستحسن إضافة الأوزار بمعنى الآثام إلى الحرب ، و { حتى } عند الشافعي عليه الرحمة ومن قال نحو قوله : غاية للضرب ، والمعنى اضربوا أعناقهم حتى تنقضي الحرب ، وليس هذا بدلاً من الأول ولا تأكيداً له بناء على ما قرروه من أن حتى الداخلة على إذا الشرطية ابتدائية أو غاية للشد أو للمن والفداء معاً أو للمجمع من قوله تعالى : { فَضَرْبَ الرقاب } الخ بمعنى أن هذه الأحكام جارية فيهم حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم ، وقيل : بنزول عيسى عليه السلام ، وروى ذلك عن سعيد بن جبير . والحسن ، وفي الحديث ما يؤيده . أخرج أحمد . والنسائي . وغيرهما عن سلمة بن نفيل قال : بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل فقال : يا رسول الله إن الخيل قد سيبت ووضع السلاح وزعم أقوام أن لا قتال وإن قد وضعت الحرب أوزارها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كذبوا فالآن جاء القتال ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله لا يضرهم من خالفهم يزيغ الله تعالى قلوب قوم ليرزقهم منهم وتقاتلون حتى تقوم الساعة ولاتزال الخيل معقوداً في نواصيها الخير حتى تقوم الساعة ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج » وهي عند من يقول : لا من ولا فداء اليوم غاية للمن والفداء إن حمل على الحرب على حرب بدر بجعل تعريفه للعهد ، والمعنى المن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها ، وغاية للضرب والشد إن حملت على الجنس ، والمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب أوزارها بأن لا يبقى للمشركين شوكة ، ولا تجعل غاية للمن والفداء مع إرادة الجنس .

وفي زعم جوازه والتزام النسخ كلام فتأمل { ذلك } أي الأمر ذلك أو افعلوا ذلك فهو في محل رفع خبر مبتدأ محذوف أو في محل نصب مفعول لفعل كذلك ، والإشارة إلى ما دل عليه قوله تعالى : { فَضَرْبَ الرقاب } الخ لا إلى ما تقدم من أول السورة إلى ههنا لأن افعلوا لا يقع على جميع السالف وعلى الرفع ينفك النظم الجليل إن لم يحمل عليه لأن ما بعد كلام فيهم { وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ } لانتقم منهم ببعض أسباب الهلاك من خسف أو رجفة أو غرق أو موت جارف { ولكن لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } ولكن أمركم سبحانه بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم فينالوا الثواب ويخلد في صحف الدهر ما لهم من الفضل الجسيم والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم عز وجل ببعض انتقامه سبحانه فيتعظ به بعض منهم ويكون سبباً لاسلامه ؛ واللام متعلق بالفعل المقدر الذي ذكرناه { والذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله } أي استشهدوا .

وقرأ الجمهور { قَاتَلُواْ } أي جاهدوا ، والجحدري بخلاف عنه { قاتلوا } بفتح القاف والتاء بلا ألف ، وزيد بن ثابت . والحسن . وأبو رجاء . وعيسى . والجحدري أيضاً { قاتلوا } بالبناء للمفعول وشد التاء .

/ { فَلَن يُضِلَّ أعمالهم } فلن يضيعها سبحانه ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه { يُضِلَّ } مبنياً للمفعول { أعمالهم } بالرفع على النيابة عن الفاعل . وقرئ { يُضِلَّ } بفتح الياء من ضل { أعمالهم } بالرفع على الفاعلية . والآية قال قتادة : كما أخرجه عنه ابن جرير . وابن أبي حاتم ذكرنا لنا أنها نزلت في يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب وقد فشت فيهم الجراحات والقتل وقد نادى المشركون يومئذ أعل هبل ونادى المسلمون الله أعلى وأجل فنادى المشركون يوم بيوم بدر وإن الحرب سجال لنا عزى ولا عزى لكن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الله مولانا ولا مولى لكم إن القتلى مختلفة أما قتلانا فأحياء مرزوقون وأما قتلاكم ففي النار يعذبون » ومنه يعلم وجه قراءة { قاتلوا } بصيغة التفعيل .