مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (1)

مقدمة السورة:

قوله تعالى : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } .

أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ، فإن آخرها قوله تعالى : { فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } فإن قال قائل كيف يهلك الفاسق وله أعمال صالحة كإطعام الطعام وصلة الأرحام وغير ذلك ؟ مما لا يخلو عنه الإنسان في طول عمره فيكون في إهلاكه إهدار عمله وقد قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } وقال تعالى : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } أي لم يبق لهم عمل ولم يوجد فلم يمتنع الإهلاك ، وسنبين كيف إبطال الأعمال مع تحقيق القول فيه ، وتعالى الله عن الظلم ، وفي التفسير مسائل :

المسألة الأولى : من المراد بقوله { الذين كفروا } ؟ قلنا فيه وجوه ( الأول ) هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر منهم أبو جهل والحرث ابنا هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وغيرهم ( الثاني ) كفار قريش ( الثالث ) أهل الكتاب ( الرابع ) هو عام يدخل فيه كل كافر .

المسألة الثانية : في الصد وجهان ( أحدهما ) صدوا أنفسهم معناه أنهم صدوا أنفسهم عن السبيل ومنعوا عقولهم من اتباع الدليل ( وثانيهما ) صدوا غيرهم ومنعوهم كما قال تعالى عن المستضعفين { قال الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } وعلى هذا بحث : وهو أن إضلال الأعمال مرتب على الكفر والصد ، والمستضعفون لم يصدوا فلا يضل أعمالهم ، فنقول التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه ، ولاسيما إذا كان المذكور أولى بالذكر من غيره وهاهنا الكافر الصاد أدخل في الفساد فصار هو أولى بالذكر أو نقول كل من كفر صار صادا لغيره ، أما المستكبر فظاهر ، وأما المستضعف فلأنه بمتابعته أثبت للمستكبر ما يمنعه من اتباع الرسول فإنه بعد ما يكون متبوعا يشق عليه بأن يصير تابعا ، ولأن كل من كفر صار صادا لمن بعده لأن عادة الكفار اتباع المتقدم كما قال عنهم { إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } أو مقتدون ، فإن قيل فعلى هذا كل كافر صاد فما الفائدة في ذكر الصد بعد الكفر نقول هو من باب ذكر السبب وعطف المسبب عليه تقول أكلت كثيرا وشبعت ، والكفر على هذا سبب الصد ، ثم إذا قلنا بأن المراد منه أنهم صدوا أنفسهم ففيه إشارة إلى أن ما في الأنفس من الفطرة كان داعيا إلى الإيمان ، والامتناع لمانع وهو الصد لنفسه .

المسألة الثالثة : في المصدود عنه وجوه ( الأول ) عن الإنفاق على محمد عليه السلام وأصحابه ( الثاني ) عن الجهاد ( الثالث ) عن الإيمان ( الرابع ) عن كل ما فيه طاعة الله تعالى وهو اتباع محمد عليه السلام ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم على الصراط المستقيم هاد إليه ، وهو صراط الله قال تعالى : { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله } فمن منع من اتباع محمد عليه السلام فقد صد عن سبيل الله .

المسألة الرابعة : في الإضلال وجوه ( الأول ) المراد منه الإبطال ، ووجهه هو أن المراد أنه أضله بحيث لا يجده ، فالطالب إنما يطلبه في الوجود ، وما لا يوجد في الوجود فهو معدوم . فإن قيل كيف يبطل الله حسنة أوجدها ؟ نقول إن الإبطال على وجوه ( أحدها ) يوازن بسيئاتهم الحسنات التي صدرت منهم ويسقطها بالموازنة ويبقي لهم سيئات محضة ، لأن الكفر يزيد على غير الإيمان من الحسنات والإيمان يترجح على غير الكفر من السيئات ( وثانيها ) أبطلها لفقد شرط ثبوتها وإثباتها وهو الإيمان لأنه شرط قبول العمل قال تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } وإذا لم يقبل الله العمل لا يكون له وجود لأن العمل لا بقاء له في نفسه بل هو يعدم عقيب ما يوجد في الحقيقة غير أن الله تعالى يكتب عنده بفضله أن فلانا عمل صالحا وعندي جزاؤه فيبقى حكما ، وهذا البقاء حكما خير من البقاء الذي للأجسام التي هي محل الأعمال حقيقة ، فإن الأجسام وإن بقيت غير أن مآلها إلى الفناء والعمل الصالح من الباقيات عند الله أبدا ، وإذا ثبت هذا تبين أن الله بالقبول متفضل ، وقد أخبر أني لا أقبل إلا من مؤمن فمن عمل وتعب من غير سبق الإيمان فهو المضيع تعبه لا الله تعالى وثالثها : لم يعمل الكافر عمله لوجه الله تعالى فلم يأت بخير فلا يرد علينا قوله { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } وبيانه هو أن العمل لا يتميز إلا بمن له العمل لا بالعامل ولا بنفس العمل ، وذلك لأن من قام ليقتل شخصا ولم يتفق قتله ، ثم قال ليكرمه ولم يتفق الإكرام ولا القتل ، وأخبر عن نفسه أنه قام في اليوم الفلاني لقتله وفي اليوم الآخر لإكرامه يتميز القيامان لا بالنظر إلى القيام فإنه واحد ولا بالنظر إلى القائم فإنه حقيقة واحدة ، وإنما يتميز بما كان لأجله القيام ، وكذلك من قام وقصد بقيامه إكرام الملك وقام وقصد بقيامه إكرام بعض العوام يتميز أحدهما عن الآخر بمنزلة العمل لكن نسبة الله الكريم إلى الأصنام فوق نسبة الملوك إلى العوام فالعمل للأصنام ليس بخير ثم إن اتفق أن يقصد واحد بعمله وجه الله تعالى ومع ذلك يعبد الأوثان لا يكون عمله خيرا ، لأن مثل ما أتى به لوجه الله أتى به للصنم المنحوت فلا تعظيم ( الوجه الثاني ) الإضلال هو جعله مستهلكا وحقيقته هو أنه إذا كفر وأتى للأحجار والأخشاب بالركوع والسجود فلم يبق لنفسه حرمة وفعله لا يبقى معتبرا بسبب كفره ، وهذا كمن يخدم عند الحارس والسايس إذا قام فالسلطان لا يعمل قيامه تعظيما لخسته كذلك الكافر ، وأما المؤمن فبقدر ما يتكبر على غير الله يظهر تعظيمه لله ، كالملك الذي لا ينقاد لأحد إذا انقاد في وقت لملك من الملوك يتبين به عظمته ( الوجه الثالث ) { أضله } أي أهمله وتركه ، كما يقال أضل بعيره إذا تركه مسيبا فضاع .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (1)

مقدمة السورة:

سورة محمد مدنية وآياتها ثمان وثلاثون ، نزلت بعد سورة الحديد . وهي مرتبطة بآخر السورة السابقة ، حتى لو أسقطت البسملة من بينهما لكان الكلام متصلا بسابقه لا تنافر فيه . ولها اسم آخر وهو : { سورة القتال } وهو اسم حقيقي لها ، لأن موضوعها القتال . وهو العنصر الأساسي فيها ، والمحور الذي تدور عليه السورة الكريمة .

تبدأ السورة ببيان حقيقة الذين كفروا ، وحقيقة الذين آمنوا ، وأن الله تعالى أبطل أعمال الذين كفروا لأنهم اتبعوا الباطل ، وكفّر عن المؤمنين لأنهم اتبعوا الحق . ثم بينت السورة بإسهاب وجوب الدفاع عن الحق ، وأن جزاء ذلك في الآخرة دخول الجنة ، وحرّضت المؤمنين على نصر دين الله والقتال في سبيله .

وفيها إعلان الحرب من الله تعالى على الذين كفروا ، وقتلهم وأسرهم ، وعلى المؤمنين أن يحاربوهم : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب . . الآية } .

ومع هذا الأمر يبين الله حكمة القتال ويشجع عليه ، وتكريم الاستشهاد في سبيل الله ، وإكرام الشهداء ، والنصر لمن يخوض المعركة انتصارا لله ، وإهلاك الكافرين وإحباط أعمالهم .

ثم بعد ذلك يأتي الحديث عن المنافقين الذين كانوا يؤلفون مع اليهود خطرا كبيرا على المسلمين في المدينة أول الأمر . وتبين السورة هلعهم وجُبنهم وتهافتهم إذا ووجهوا بالقرآن يكلفهم القتال ، وهم يتظاهرون بالإيمان . تفضحهم السورة في تولّيهم للشيطان وتآمرهم مع اليهود ، ويهددهم الله بالعذاب عند الموت ، ومن ثم يحذّر المؤمنين أن يصيبهم مثل ما أصاب أعداءهم { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، ولا تُبطلوا أعمالكم } . وتُختم السورة بما يشبه التهديد للمسلمين إذا بخلوا بإنفاق المال ، والبذل في القتال ، فالله غير عاجز عن أن يُذهبهم ويأتي بخير منهم : { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ، والله الغني وأنتم الفقراء ، وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ، ثم لا يكونوا أمثالكم } .

صدوا عن سبيل الله : صرفوا الناس عن الإسلام .

أضلّ أعمالهم : أبطلها .

قسم الله الناس فريقين : أهلَ الكفر الذين صدّوا الناسَ عن دين الله ، وبيّن أن هؤلاء قد أبطلَ أعمالهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (1)

مقدمة السورة:

سورة محمد

وتسمى سورة القتال وهي مدنية عند الأكثرين ولم يذكروا استثناء وعن ابن عباس وقتادة أنها مدنية إلا قوله تعالى : { وكأين من قرية } إلى آخره فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إليه وقال : أنت أحب بلاد الله تعالى إلي وأنت أحب بلاد الله تعالى إلي ولو لا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك فأنزل الله تعالى ذلك فيكون مكيا بناء على أن ما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أعني ما نزل في سفر الهجرة من المكي اصطلاحا كما يؤخذ من أثر أخرجه عثمان ابن سعيد الدارمي بسنده إلى يحيى بن سلام وعدة آيها أربعون في البصري وثلاث ونفي الكوفي وتسع بالتاء الفوقية وثلاثون فيما عداهما والخلاف في قوله تعالى : { حتى تضع الحرب أوزارها } وقوله تعالى : { لذة للشاربين } ولا يخفى قوة ارتباط أولها بآخر السورة قبلها واتصاله وتلاحمه بحيث لو سقطت من البين البسملة لكانا متصلا واحدا لا تنافر فيه كالآية الواحدة آخذا بعضه بعنق بعض وكان صلى الله تعالى عليه وسلم على ما أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقرؤها في صلاة المغرب وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : نزلت سورة محمد آية في بني أمية ولا أظن صحة الخبر نعم لكفار بني أمية الحظ الأوفر من عمومات الآيات التي في الكفار كما أن لأهل البيت رضي الله تعالى عنهم المعلى والرقيب من عمومات الآيات التي في المؤمنين وأكثر من هذا لا يقال سوى أني أقول : لعن الله تعالى من قطع الأرحام وآذى الآل .

{ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } أي أعرضوا عن الإسلام وسلوك طريقه أو منعوا غيرهم عن ذلك على أن صد لازم أو متعد ، قال في الكشف : والأول أظهر لأن الصد عن سبيل الله هو الاعراض عما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : { قُلْ هذه سَبِيلِى أَدْعُو إلى الله } [ يوسف : 108 ] فيطابق قوله تعالى : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَءامَنُواْ بِمَا نُزّلَ على مُحَمَّدٍ } [ محمد : 2 ] وكثير من الآثار تؤيد الثاني ، وفسر الضحاك { سَبِيلِ الله } ببيت الله عز وجل ، وقال : صدهم عنه منعهم قاصديه وليس بذلك . والآية عامة لكل من اتصف بعنوان الصلة ، وقال ابن عباس : هم أي الذين كفروا وصدوا على الوجه الثاني في { صدوا } المطعون يوم بدر الكبرى ، وكأنه عني من يدخل في العموم دخولاً أولياً ، فإن أولئك كانوا صادين بأموالهم وأنفسهم فصدهم أعظم من صد غيرهم ممن كفر وصد عن السبيل ، وأول من أطعم منهم على ما نقل عن سيرة ابن سيد الناس أبو جهل عليه اللعنة نحر لكفار قريش حين خرجوا من مكة عشرا من الإبل ، ثم صفوان بن أمية نحر تسعا بعسفان ، ثم سهل بن عمرو نحر بقديد عشرا ثم شيبة بن ربيعة وقد ضلوا الطريق نحر تسعا ثم عبتة بن ربيعة نحر عشرا ، ثم مقيس الجمهى بالأبواء نحر تسعا ، ثم العباس نحر عشرا ، والحرث بن عامر نحر تسعا ، وأبو البختري على ماء بدر نحر عشرا ، ومقيس تسعا ؛ ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم ، وقيل : كانوا ستة نفر نبيه . ومنبه ابنا الحجاج . وعتبة . وشيبة ابنا ربيعة . وأبو جهل . والحرث ابنا هشام ، وضم مقاتل إليهم ستة أخرى وهم عامر بن نوفل . وحكيم بن حزام . وزمعة بن الأسود . والعباس بن عبد المطلب . وصفوان بن أمية . وأبو سفيان بن حرب أطعم كل واحد منهم يوماً الاحابيش والجنود يستظهرون بهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا ينافي عد أبي سفيان أن صحت الرواية من أولئك كونه مع العير لأن المراد بيوم بدر زمن وقعتها فيشمل من أطعم في الطريق وفي مدتها حتى انقضت ، وقال مقاتل : هم اثنا عشر رجلاً من أهل الشرك كانوا يصدون الناس عن الإسلام وأمرونهم بالكفر ، وقيل : هم شياطين من أهل الكتاب صدوا من أراد منهم أو من غيرهم عن الدخول في الإسلام .

والموصول مبتدأ خبره قوله تعالى : { الله أَضَلَّ أعمالهم } أي إبطالها وأحبطها وجعلها ضائعة لا أثر لها ولا نفع أصلاً لا بمعنى أنه سبحانه أبطلها وأحبطها بعد أن لم تكن كذلك بل بمعنى أنه عز وجل حكم ببطلانها وضياعها وأريد بها ما كانوا يعملونه من أعمال البر كصلة الأرحام وقرى الأضياف وفك الأساري وغيرها من المكارم .

وجوز أن يكون المعنى جعلها ضلالاً أي غير هدى حيث لم يوفقهم سبحانه لأن يقصدوا بها وجهه سبحانه أو جعلها ضالة أي غير مهتدية على الإسناد المجازي ، ومن قال الآية في المطعمين واضرابهم قال : المعنى إبطال جل وعلا ما عملوه من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالانفاق الذي أنفقوه في سفرهم إلى محاربته عليه الصلاة والسلام وغيره بنصر رسوله صلى الله عليه وسلم وإظهار دينه على الدين كله ، ولعله أوفق بما بعده ، وكذا بما قيل أن الآية نزلت ببدر .