قوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } .
المسألة الأولى : في هذا الموضع إشكال ، وهو أن الله تعالى حكى عن اليهود أنهم قالوا ذلك ، ولا شك في أن الله تعالى صادق في كل ما أخبر عنه ، ونرى اليهود مطبقين متفقين على أنا لا نقول ذلك ولا نعتقده البتة ، وأيضا المذهب الذي يحكى عن العقلاء لابد وأن يكون معلوم البطلان بضرورة العقل ، والقول بأن يد الله مغلولة قول باطل ببديهة العقل ، لأن قولنا ( الله ) اسم لموجود قديم ، وقادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه ، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته مقيدة وقاصرة ، وإلا فكيف يمكنه مع القدرة الناقصة حفظ العالم وتدبيره .
إذا ثبت هذا فنقول : حصل الإشكال الشديد في كيفية تصحيح هذا النقل وهذه الرواية فنقول : عندنا فيه وجوه : الأول : لعل القوم إنما قالوا هذا على سبيل الإلزام ، فإنهم لما سمعوا قوله تعالى : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } قالوا : لو احتاج إلى القرض لكان فقيرا عاجزا ، فلما حكموا بأن الإله الذي يستقرض شيئا من عباده فقير مغلول اليدين ، لا جرم حكى الله عنهم هذا الكلام . الثاني : لعل القوم لما رأوا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية الشدة والفقر والحاجة قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء : إن إله محمد فقير مغلول اليد ، فلما قالوا ذلك حكى الله عنهم هذا الكلام الثالث : قال المفسرون : اليهود كانوا أكثر الناس مالا وثروة ، فلما بعث الله محمدا وكذبوا به ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالت اليهود : يد الله مغلولة ، أي مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل ، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة والمحنة يقول مثل هذه الألفاظ . الرابع : لعله كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة ، وهو أنه تعالى موجب لذاته ، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد وسنن واحد ، وأنه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه التي عليها تقع ، فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغل اليد . الخامس : قال بعضهم : المراد هو قول اليهود : إن الله لا يعذبنا إلا بقدر الأيام التي عبدنا العجل فيها ، إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم إلا في هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة ، واستوجبوا اللعن بسبب فساد العبارة وعدم رعاية الأدب ، وهذا قول الحسن ، فثبت أن هذه الحكاية صحيحة على كل هذه الوجوه والله أعلم .
المسألة الثانية : غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن البخل والجود ، ومنه قوله تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } قالوا : والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لاسيما لدفع المال ولإنفاقه ، فأطلقوا اسم السبب على المسبب ، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل . فقيل للجواد : فياض الكف مبسوط اليد ، وبسط البنان تره الأنامل . ويقال للبخيل : كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل .
فإن قيل : فلما كان قوله { يد الله مغلولة } المراد منه البخل وجب أن يكون قوله { غلت أيديهم } المراد منه أيضا البخل لتصح المطابقة ، والبخل من الصفات المذمومة التي نهى الله تعالى عنها ، فكيف يجوز أن يدعو عليهم بذلك ؟
قلنا : قوله { يد الله مغلولة } عبارة عن عدم الممكنة من البذل والإعطاء ، ثم إن عدم المكنة من الإعطاء تارة يكون لأجل البخل وتارة يكون لأجل الفقر ، وتارة يكون لأجل العجز ، فكذلك قوله { غلت أيديهم } دعاء عليهم بعدم القدرة والمكنة ؛ سواء حصل ذلك بسبب العجز أو الفقر أو البخل ، وعلى هذا التقدير فإنه يزول الإشكال .
المسألة الثالثة : قوله { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } فيه وجهان : الأول : أنه دعاء عليهم ، والمعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء كما علمنا الاستثناء في قوله { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين } وكما علمنا الدعاء على المنافقين في قوله { فزادهم الله مرضا } وعلى أبي لهب في قوله { تبت يدا أبى لهب } الثاني : أنه إخبار . قال الحسن : غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة ، أي شدت إلى أعناقهم جزاء لهم على هذا القول .
فإن قيل : فإذا كان هذا الغل إنما حكم به جزاء لهم على هذا القول ، فكان ينبغي أن يقال : فغلت أيديهم .
قلنا : حذف العطف وإن كان مضمرا إلا أنه حذف لفائدة ، وهي أنه لما حذف كان قوله { غلت أيديهم } كالكلام المبتدأ به ، وكون الكلام مبتدأ به يزيده قوة ووثاقة ؛ لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره ، ونظير هذا الموضع في حذف فاء التعقيب قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا } ولم يقل : فقالوا أتتخذنا هزوا . وأما قوله { ولعنوا بما قالوا } قال الحسن : عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار .
ثم قال تعالى : { بل يداه مبسوطتان } .
واعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات ، فإن الآيات الكثيرة من القرآن ناطقة بإثبات اليد ، فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد . قال تعالى : { يد الله فوق أيديهم } وتارة بإثبات اليدين لله تعالى : منها هذه الآية ، ومنها قوله تعالى لإبليس الملعون { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } وتارة بإثبات الأيدي . قال تعالى : { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } .
إذا عرفت هذا فنقول اختلفت الأمة في تفسير يد الله تعالى ، فقالت المجسمة : إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ءاذان يسمعون بها } وجه الاستدلال أنه تعالى قدح في إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء ، فلو لم تحصل لله هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلها ، ولما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له ، قالوا وأيضا اسم اليد موضوع لهذا العضو ، فحمله على شيء آخر ترك للغة ، وإنه لا يجوز .
واعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم ، والدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة والسكون ، وهما محدثان ، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو متناه في المقدار ، وكل ما كان متناهيا في المقدار فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو مؤلف من الأجزاء ، وكل ما كان كذلك كان قابلا للتركيب والانحلال ، وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما يركبه ويؤلفه ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى جسما ، فيمتنع أن تكون يده عضوا جسمانيا .
وأما جمهور الموحدين فلهم في لفظ اليد قولان : الأول : قول من يقول : القرآن لما دل على إثبات اليد لله تعالى آمنا به ، والعقل لما دل على أنه يمتنع أن تكون يد الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والأبعاض آمنا به ، فأما أن اليد ما هي وما حقيقتها فقد فوضنا معرفتها إلى الله تعالى ، وهذا هو طريقة السلف .
وأما المتكلمون فقالوا : اليد تذكر في اللغة على وجوه : أحدها : الجارحة وهو معلوم ، وثانيها : النعمة ، تقول : لفلان عندي يد أشكره عليها ، وثالثها : القوة ، قال تعالى { أولى الأيدي والأبصار } فسروه بذوي القوى والعقول ، وحكى سيبويه أنهم قالوا : لا يد لك بهذا ، والمعنى سلب كمال القدرة ورابعها : الملك ، يقال : هذه الضيعة في يد فلان ، أي في ملكه . قال تعالى : { الذي بيده عقدة النكاح } أي يملك ذلك ، وخامسها : شدة العناية والاختصاص . قال تعالى : { لما خلقت بيدي } والمراد تخصيص آدم عليه السلام بهذا التشريف ، فإنه تعالى هو الخالق لجميع المخلوقات . ويقال : يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمن له شيئا .
إذا عرفت هذا فنقول : اليد في حق الله يمتنع أن تكون بمعنى الجارحة ، وأما سائر المعاني فكلها حاصلة . وهاهنا قول آخر ، وهو أن أبا الحسن الأشعري رحمه الله زعم في بعض أقواله أن اليد صفة قائمة بذات الله تعالى ، وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء قال : والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه علة لكرامة آدم واصطفائه ، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لامتنع كونه علة للاصطفاء ، لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات ، فلابد من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء ، وأكثر العلماء زعموا أن اليد في حق الله تعالى عبارة عن القدرة وعن النعمة .
فإن قيل : إن فسرتم اليد في حق الله تعالى بالقدرة فهذا مشكل ؛ لأن قدرة الله تعالى واحدة ونص القرآن ناطق بإثبات اليدين تارة ، وبإثبات الأيدي أخرى ، وإن فسرتموها بالنعمة فنص القرآن ناطق بإثبات اليدين ، ونعم الله غير محدودة كما قال تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } .
والجواب : إن اخترنا تفسير اليد بالقدرة كان الجواب عن الإشكال المذكور أن القوم جعلوا قولهم { يد الله مغلولة } كناية عن البخل ، فأجيبوا على وفق كلامهم ، فقيل { بل يداه مبسوطتان } أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من البخل ، بل هو جواد على سبيل الكمال . فإن من أعطى بيده أعطى على أكمل الوجوه ، وأما إن اخترنا تفسير اليد بالنعمة كان الجواب عن الإشكال المذكور من وجهين : الأول : أنه نسبة بحسب الجنس ، ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع لا نهاية لها ، فقيل : نعمتاه نعمة الدين ونعمة الدنيا ، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن ، أو نعمة النفع ونعمة الدفع ، أو نعمة الشدة ونعمة الرخاء . الثاني : أن المراد بالنسبة المبالغة في وصف النعمة ، ألا ترى أن قولهم ( لبيك ) معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة ، وكذلك ( سعديك ) معناه مساعدة بعد مساعدة ، وليس المراد منه طاعتين ولا مساعدتين . فكذلك الآية : المعنى فيها أن النعمة متظاهرة متتابعة ليست كما ادعى من أنها مقبوضة ممتنعة .
ثم قال تعالى : { ينفق كيف يشاء } أي يرزق ويخلق كيف يشاء ، إن شاء قتر ، وإن شاء وسع . وقال { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء } وقال { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } وقال { قل اللهم مالك الملك } إلى قوله { وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير } .
واعلم أن هذه الآية رد على المعتزلة ، وذلك لأنهم قالوا : يجب على الله تعالى إعطاء الثواب للمطيع ، ويجب عليه أن لا يعاقبه ، ويجب عليه أن لا يدخل العاصي الجنة ، ويجب عليه عند بعضهم أن يعاقبه ، فهذا المنع والحجر والقيد يجري مجرى الغل ، فهم في الحقيقة قائلون بأن يد الله مغلولة وأما أهل السنة فهم القائلون بأن الملك ملكه ، وليس لأحد عليه استحقاق ، ولا لأحد عليه اعتراض كما قال { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا } فقوله سبحانه : { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة ، والحمد لله على الدين القويم والصراط المستقيم .
ثم قال تعالى : { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد بالكثير علماء اليهود ، يعني ازدادوا عند نزول ما أنزل إليك من ربك من القرآن والحجج شدة في الكفر وغلوا في الإنكار ، كما يقال : ما زادتك موعظتي إلا شرا . وقيل : إقامتهم على الكفر زيادة منهم في الكفر .
المسألة الثانية : قال أصحابنا : دلت الآية على أنه تعالى لا يراعي مصالح الدين والدنيا لأنه تعالى لما علم أنهم يزدادون عند إنزال تلك الآيات كفرا وضلالا ، فلو كانت أفعاله معللة برعاية المصالح للعباد لامتنع عليه إنزال تلك الآيات ، فلما أنزلها علمنا أنه تعالى لا يراعي مصالح العباد ، ونظيره قوله { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } .
فإن قالوا : علم الله تعالى من حالهم أنهم سواء أنزلها أو لم ينزلها فإنهم يأتون بتلك الزيادة من الكفر ، فلهذا حسن منه تعالى إنزالها .
قلنا : فعلى هذا التقدير لم يكن ذلك الازدياد لأجل إنزال تلك الآيات ، وهذا يقتضي أن تكون إضافة ازدياد الكفر إلى إنزال تلك الآيات باطلا ، وذلك تكذيب لنص القرآن .
ثم قال تعالى : { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } .
واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بين أنهم إنما ينكرون نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها لأجل الحسد ولأجل حب الجاه والتبع والمال والسيادة .
ثم إنه تعالى بين أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة لا جرم أن الله تعالى كما حرمهم سعادة الدين ، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا ، لأن كل فريق منهم بقي مصرا على مذهبه ومقالته ، يبالغ في نصرته ويطعن في كل ما سواه من المذاهب والمقالات تعظيما لنفسه وترويجا لمذهبه ، فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم ، وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضا ويغزو بعضهم بعضا ، وفي قوله { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء } قولان : الأول : المراد منه ما بين اليهود والنصارى من العداوة لأنه جرى ذكرهم في قوله { لا تتخذوا اليهود والنصارى } وهو قول الحسن ومجاهد . الثاني : أن المراد وقوع العداوة بين فرق اليهود ، فإن بعضهم جبرية ، وبعضهم قدرية ، وبعضهم موحدة ، وبعضهم مشبهة ، وكذلك بين فرق النصارى : كالملكانية والنسطورية واليعقوبية .
فإن قيل : فهذا المعنى حاصل بتمامه بين فرق المسلمين ، فكيف يمكن جعله عيبا على اليهود والنصارى ؟
قلنا : هذه البدع إنما حدثت بعد عصر الصحابة والتابعين ، أما في ذلك الزمان فلم يك شيء من ذلك حاصلا ، فلا جرم حسن من الرسول ومن أصحابه جعل ذلك عيبا على اليهود والنصارى .
ثم قال تعالى : { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } .
وهذا شرح نوع آخر من أنواع المحن عن اليهود ، وهو أنهم كلما هموا بأمر من الأمور رجعوا خائبين خاسرين مقهورين ملعونين كما قال تعالى : { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا } قال قتادة : لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتم من أذل الناس .
ثم قال تعالى : { ويسعون في الأرض فسادا } أي ليس يحصل في أمرهم قوة من العزة والمنعة ، إلا أنهم يسعون في الأرض فسادا ، وذلك بأن يخدعوا ضعيفا ، ويستخرجوا نوعا من المكر والكيد على سبيل الخفية . وقيل : إنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين .
ثم قال تعالى : { والله لا يحب المفسدين } وذلك يدل على أن الساعي في الأرض بالفساد ممقوت عند الله تعالى .
لليد عدة معان منها : اليد الجارحةُ المعروفة ، والنعمة ، إذ يقال : لفلان عندي يد أشكره عليها . والقدرةُ والمُلك ، كما في قوله تعالى { الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } . والمقصود هنا اليد الحقيقة كما يقصدون بذَلك .
غُلَّت أيديهم : أمسكت وانقبضت عن العطاء ، وهو دعاء عليهم بالبخل . يداه مبسوطتان : يعني هو كثير العطاء .
الحرب : ضد السلم ، فهي كل ما يهيج الفتن والقلاقل ، ولو بغير قتل .
بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السالفة بعض مخازيهم الّتي أدت إلى اختلال نظُم مجتمعهم ذكر هنا أفظع مخازيهم وأقبحَها ، وهي جرأتُهم على ربهم ، ووصفُهم إياه بما ليس من صفته ، وإنكار نعمته عليهم . والذي يطالع التلمود ويقرأ ما فيه من جُرأة على الله ومن كلام تقشعرّ له الأبدان ، يعلم خُبثهم وقباحتهم .
وقالت اليهود : اللهُ بخيل لا تنبسط يده بالعطاء ، بل كذبوا إنهم هم البخلاء ، لعنهم الله وأبعدهم من رحمته . إن الله غني سخيّ ينفق كما يشاء ، فهو الجواد المتصرف وفق حكمته . أما تقتير الرزق على بعض العباد فإنه لا ينافي سعة الجود ، فهو سبحانه له الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق .
إن كثيرا من هؤلاء المنكرين سوف يزدادون إمعاناً في الضلال ، حسداً لك يا محمد ، ونقمة على ما أنزله إليك ربّك من كلامه في القرآن .
{ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة } والعداوة ملموسة فيما بينهم وبين النصارى وفيما بينهم أنفسهم . وإن المقام ليضيق عن سَرْد أقوال علماء النصارى وقادتِهم ورؤسائهم في شتم اليهود وإبراز مساوئهم . لذا تجدني أكتفي بذكر بعض هذه الأقوال :
يقول بنيامين فرانكلين في خطابه في المؤتمر الدستوري التأسيسي المنعقد في فيلادلفيا ( الولايات المتحدة ) سنة 1787 م .
«في كل بلد استوطنه اليهود ، انحطّت القيم الأخلاقيّة إلى الدَّرْك الأسفل وشاعت الفوضى واللامسئولية والاحتيالُ في معاملات أبنائه التجارية . هذا بينما ينعزل اليهود متقوقعين على أنفسهم في كتَلٍ وعصابات ، لم نتمكّن من القضاء عليها ولا دمجها في مجتمعنا . لقد هزئ اليهودُ من قِيم ديانتنا المسيحية التي تقوم دولتنا عليها وتعيش بها ، متجاهلين كلَّ أنظمِتنا ومحظوراتِنا ، فمكّنهم ذلك من إقامة دولة لهم داخل دولتنا » إلى أن يقول :
«إنكم إن لم تطردوهم عن ديارنا فلن يمضي أكثرُ من مائتي سنة حتى يصبح أحفادُنا خَدَماً في حقولهم يمدّونهم بثروات بلادنا . . . إن اليهود يشكّلون خطراً عظيماً على هذه البلاد ، وإنني أؤكد على ضرورة طردِهم منها ومنعِهم من الدخول إليها أو الإقامة فيها ، بموجب نصوص دستورية صريحة » .
وقد تحققت نبوءته ، فاليهود هم حكّام الولايات المتحدة الأمريكية دون جدال ، وبأصواتهم في الانتخابات على الأقلّ . هذا سيرينغ ، السفير البريطاني في أمريكا ، يقول في تقريره المؤرخ في 13 تشرين الثاني سنة 1914 من كتاب ادموندسون «أنا أشهد » ص 193 ما يأتي : «يعتبر بول م . واربورغ الألمانيُّ المولد ، اليهودي الأصل ، المسيِّر الوحيدَ لسياسة الولايات المتحدة الاقتصادية والمالية ، إبّان عهد الرئيس ويلسون . ومنذ وفاة ج . ب . مورغن الأب ، قفز أصحاب المصارف اليهودُ في أمريكا إلى أرفع المراكز في السلطة وأعلى مقامات النفوذ ؟ .
ويقول ويليام دادلي بالي ، في الصفحة 9 من كتاب «الإمبراطورية الخفية » ما يأتي «كان للرئيس فرانكلين روزفلت 72 مستشاراً ، منهم 52 من اليهود المهاجرين إلى الولايات المتحدة . والأَهمُّ من ذلك ، أن الإحصاءات الرسمية تدل على أن اليهود يملكون 80 بالمائة من عقارات الولايات المتحدة وأبنيتها ومواردها الطبيعية . كما يشكّل اليهود نسبة 86 بالمائة من مجموع الموظفين في واشنطن » .
هذا إلى كتب كثيرة أُلّفت في هذا الموضوع ، لكن الأمريكان مخدَّرون تحت وطأة رشوة اليهود للمسئولين في البلاد والضغط عليهم بشتّى الوسائل المغرية .
أما الأوربيّون فإنهم تكلّموا عن اليهود وحذّروا منهم كثيراً وانتقدوهم . فهل هناك إلا قَبْضَ الريح من أمل لبعض الحكام ، لا الشعوب العربية ، في أمريكا ! لكن كل ذلك ذهب إدراج الرياح .
{ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله } كلّما همّوا بالكيْد للرسول وللمؤمنين خذلهم الله ونصر رسوله والمؤمنين عليهم . وقد كان اليهود يُغرون المشركين بمحاربة النبيّ والمؤمنين ، بل إن منهم من سعى لتحريض الروم على مهاجمتهم . ومنهم من كان يؤوي أعداء المسلمين ويساعدهم مثل كعب بن الأشرف أحد كبار زعمائهم . وكان هذا عربياً من نبهان من طيّ ، أُمه يهودية ، فاتّخذ اليهودية ديناً له . وكان شاعراً ، فآذى النبيَّ عليه السلام والمسلمين كثيرا إلى أن قُتل .
وما سببُ هذا الكيد وإثارة الفتن إلا الحَسد والعصبيّة من قِبل اليهود ، وخوف الأحبار أن يزيل الإسلام امتيازاتهم العلميّة والدينية التي كانوا يعيشون عن طريق استغلالها في الارتشاء والدجَل على صغار العقول .
{ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً } ، إن ما يأتونه من عداوة الرسول الكريم والمؤمنين ، بنشْر الفساد في الأرض وإثارة الحروب ليس إلا الفساد بعينه . فهم يخافون اجتماع كلمة العرب ، حيث تقوى شوكتهم . وبذلك يذهب نفوذ اليهود الذي يتمتّعون به ، { والله لاَ يُحِبُّ المفسدين } بل يبغضهم ومن ثم لن ينجح سعيهم ، أو يصلُح عملُهم .