مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (161)

قوله تعالى : { وما كان لنبي أن بغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي في كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } .

اعلم أنه تعالى لما بالغ في الحث على الجهاد أتبعه بذكر أحكام الجهاد . ومن جملتها المنع من الغلول ، فذكر هذه الآية في هذا المعنى وفيها مسائل :

المسألة الأولى : الغلول هو الخيانة ، وأصله أخذ الشيء في الخفية ، يقال أغل الجزار والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخيانة ، والغل الحقد الكامن في الصدر . والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الثياب ، والغلل الماء الذي يجري في أصول الشجرة لأنه مستتر بالأشجار وتغلل الشيء إذا تخلل وخفى ، وقال عليه الصلاة والسلام : " من بعثناه على عمل فغل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه " وقال : " هدايا الولاة غلول " وقال : " ليس على المستعير غير المغل ضمان " وقال : " لا إغلال ولا إسلال " وأيضا يقال : أغله إذا وجده غالا ، كقولك : أبخلته وأفحمته . أي وجدته كذلك .

المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ( يغل ) بفتح الياء وضم الغين ، أي ما كان للنبي أن يخون ، وقرأ الباقون من السبعة «يغل » بضم الياء وفتح الغين ، أي ما كان للنبي أن يخان .

واختلفوا في أسباب النزول ، فبعضها يوافق القراءة الأولى . وبعضها يوافق القراءة الثانية .

أما النوع الأول : ففيه روايات : الأولى : أنه عليه الصلاة والسلام غنم في بعض الغزوات وجمع الغنائم ، وتأخرت القسمة لبعض الموانع ، فجاء قوم وقالوا : ألا تقسم غنائمنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عنكم منه درهما أتحسبون أني أغلكم مغنمكم " فأنزل الله هذه الآية . الثاني : أن هذه الآية نزلت في أداء الوحي ، كان عليه الصلاة والسلام يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتم ، فسألوه أن يترك ذلك فنزلت هذه الآية . الثالث : روى عكرمة وسعيد بن جبير : أن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر ، فقال بعض الجهال لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها فنزلت هذه الآية . الرابع : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق آخر أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي عليه الصلاة والسلام من الغنائم بشيء زائد فنزلت هذه الآية . الخامس : روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث طلائع فغنموا غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع فنزلت هذه الآية . السادس : قال الكلبي ومقاتل : نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلبا للغنيمة وقالوا : نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم : من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر ، فقال عليه الصلاة والسلام : " ظننتم أنا نغل فلا نقسم لكم " فنزلت هذه الآية .

واعلم أن على الرواية الأولى المراد من الآية النهي عن أن يكتم الرسول شيئا من الغنيمة عن أصحابه لنفسه ، وعلى الروايات الثلاثة يكون المقصود نهيه عن الغلول ، بأن يعطى للبعض دون البعض .

وأما ما يوافق القراءة الثانية : فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقعت غنائم هوازن في يده يوم حنين ، غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية . واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم أمر الغلول وجعله من الكبائر ، عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين » وعن عبد الله بن عمرو : أن رجلا كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم ، يقال له : كركرة فمات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «هو في النار » فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء وعباءة قد غلهما ، وقال عليه الصلاة والسلام : «أدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة » وروي رويفع بن ثابت الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا حتى إذا أخلقه رده » وروي أنه صلى الله عليه وسلم جعل سلمان علي الغنيمة فجاءه رجل وقال يا سلمان كان في ثوبي خرق فأخذت خيطا من هذا المتاع فخطته به ، فهل علي جناح ؟ فقال سلمان : كل شيء بقدره فسل الرجل الخيط من ثوبه ثم ألقاه في المتاع ، وروي أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين من المغنم ، فقال أصبت هذا يوم خيبر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم « شراك أو شراكان من نار » ورمى رجل بسهم في خيبر ، فقال القوم لما مات : هنيئا له الشهادة فقال عليه الصلاة والسلام : «كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة التي أخذها من الغنائم قبل قسمتها لتلتهب عليه نارا » واعلم أنه يستثنى عن هذا النهي حالتان .

الحالة الأولى : أخذ الطعام وأخذ علف الدابة بقدر الحاجة ، قال عبد الله بن أبي أوفى : أصبنا طعاما يوم حنين ، فكان الرجل يأتي فيأخذ منه قدر الكفاية ثم ينصرف ، وعن سلمان أنه أصاب يوم المدائن أرغفة وجبنا وسكينا ، فجعل يقطع من الجبن ويقول : كلوا على اسم الله .

الحالة الثانية : إذا احتاج إليه ، روي عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلا من المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به .

المسألة الثالثة : أما القراءة بفتح الياء وضم الغين ، بمعنى : ما كان لنبي أن يخون ، فله تأويلان : الأول : أن يكون المراد أن النبوة والخيانة لا يجتمعان ، وذلك لأن الخيانة سبب للعار في الدنيا والنار في الآخرة ، فالنفس الراغبة فيها تكون في نهاية الدناءة ، والنبوة أعلى المناصب الإنسانية فلا تليق إلا بالنفس التي تكون في غاية الجلالة والشرف ، والجمع بين الصفتين في النفس الواحدة ممتنع ، فثبت أن النبوة والخيانة لا تجتمعان ، فنظير هذه الآية قوله : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } يعني : الإلهية واتخاذ الولد لا يجتمعان ، وقيل : اللام منقولة ، والتقدير : وما كان النبي ليغل ، كقوله : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } أي ما كان الله ليتخذ ولدا .

الوجه الثاني : في تأويل هذه الآية على هذه القراءة أن يقال : إن القوم قد التمسوا منه أن يخصهم بحصة زائدة من الغنائم ، ولا شك أنه لو فعل ذلك لكان ذلك غلولا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية مبالغة في النهي له عن ذلك ، ونظيره قوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } وقوله : { ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين } فقوله : { وما كان لنبى أن يغل } أي ما كان يحل له ذلك ، وإذا لم يحل له لم يفعله ، ونظيره قوله : { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا } أي ما يحل لنا .

وإذا عرفت تأويل الآية على هذه القراءة فنقول : حجة هذه القراءة وجوه : أحدها : أن أكثر الروايات في سبب نزول هذه الآية أنهم نسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الغلول ، فبين الله بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به . وثانيها : أن ما هو من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل كقوله : { ما كان لنا أن نشرك بالله }و { ما كان ليأخذ أخاه } { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } وقل أن يقال : ما كان زيد ليضرب ، وإذا كان كذلك وجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب ، ويؤكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة ، وقال : ليس في الكلام ما كان لك أن تضرب ، بضم التاء . وثالثها : أن هذه القراءة اختيار ابن عباس : فقيل له إن ابن مسعود يقرأ ( يغل ) فقال ابن عباس : كان النبي يقصدون قتله ، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة ؟ وأما القراءة الثانية وهي ( يغل ) بضم الياء وفتح الغين ففي تأويلها وجهان : الأول : أن يكون المعنى : ما كان للنبي أن يخان .

واعلم أن الخيانة مع كل أحد محرمة ، وتخصيص النبي بهذه الحرمة فيه فوائد : أحدها : أن المجني عليه كلما كان أشرف وأعظم درجة كانت الخيانة في حقه أفحش ، والرسول أفضل البشر فكانت الخيانة في حقه أفحش . وثانيها : أن الوحي كان يأتيه حالا فحالا ، فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا . وثالثها : أن المسلمين كانوا في غاية الفقر في ذلك الوقت فكانت تلك الخيانة هناك أفحش .

الوجه الثاني : في التأويل : أن يكون من الإغلال : أن يخون ، أي ينسب إلى الخيانة ، قال المبرد تقول العرب : أكفرت الرجل جعلته كافرا ونسبته إلى الكفر ، قال العتبي : لو كان هذا هو المراد لقيل : يعلل ، كما قيل : يفسق ويفجر ويكفر ، والأولى : أن يقال : إنه من أغللته ، أي وجدته غالا ، كما يقال أبخلته وأفحمته ، أي وجدته كذلك . قال صاحب «الكشاف » : وهذه القراءة بهذا التأويل يقرب معناها من معنى القراءة الأولى ، لأن هذا المعنى لهذه القراءة هو أنه لا يصح أن يوجد النبي غالا ، لأنه يوجد غالا إلا إذا كان غالا .

المسألة الرابعة : قد ذكرنا أن الغلول هو الخيانة ، إلا أنه في عرف الاستعمال صار مخصوصا بالخيانة في الغنيمة ، وقد جاء هذا أيضا في غير الغنيمة ، قال صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بأكبر الغلول الرجلان يكون بينهما الدار والأرض فإن اقتطع أحدهما من صاحبه موضع حصاة طوقها من الأرضين السبع " وعلى هذا التأويل يكون المعنى كونه صلوات الله وسلامه عليه مبرأ عن جميع الخيانات ، وكيف لا نقول ذلك والكفار كانوا يبذلون له الأموال العظيمة لترك ادعاء الرسالة فكيف يليق بمن كان كذلك وكان أمينا لله في الوحي النازل إليه من فوق سبع سماوات أن يخون الناس !

ثم قال تعالى : { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } وفيه وجهان : الأول : وهو قول أكثر المفسرين إجراء هذه الآية على ظاهرها ، قالوا : وهي نظير قوله في مانع الزكاة { يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا } ويدل عليه قوله : " لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك " وعن ابن عباس أنه قال : يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ، ثم يقال له : انزل إليه فخذه فينزل إليه ، فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه . قال المحققون : والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته .

الوجه الثاني : أن يقال : ليس المقصود منه ظاهره ، بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل والتصوير ، ونظيره قوله تعالى : { إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله } فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر : بل المقصود إثبات أن الله تعالى لا يعزب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، فكذا ههنا المقصود تشديد الوعيد ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجهين : الأول : قال أبو مسلم : المراد أن الله تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه ، لأنه لا يخفى عليه خافية . الثاني : قال أبو القاسم الكعبي : المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء ، واعلم أن هذا التأويل يحتمل إلا أن الأصل المعتبر في علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة ، إلا إذا قام دليل يمنع منه ، وههنا لا مانع من هذا الظاهر ، فوجب إثباته .

ثم قال تعالى : { ثم توفى كل نفس ما كسبت } وفيه سؤالان :

السؤال الأول : هلا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل بما قبله ؟

والجواب : الفائدة في ذكر هذا العموم أن صاحب الغلول إذا علم أن ههنا مجازيا يجازي كل أحد على عمله سواء كان خيرا أو شرا ، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب .

السؤال الثاني : المعتزلة يتمسكون بهذا في إثبات كون العبد فاعلا ، وفي إثبات وعيد الفساق .

أما الأول : فلأنه تعالى أثبت الجزاء على كسبه ، فلو كان كسبه خلقا لله لكان الله تعالى يجازيه على ما خلقه فيه .

وأما الثاني : فلأنه تعالى قال في القاتل المتعمد : { فجزاؤه جهنم } وأثبت في هذه الآية أن كل عامل يصل إليه جزاؤه فيحصل من مجموع الآيتين القطع بوعيد الفساق .

والجواب : أما سؤال الفعل فجوابه المعارضة بالعلم ، وأما سؤال الوعيد فهذا العموم مخصوص في صورة التوبة ، فكذلك يجب أن يكون مخصوصا في صورة العفو للدلائل الدالة على العفو .

ثم قال تعالى : { وهم لا يظلمون } قال القاضي : هذا يدل على أن الظلم ممكن في أفعال الله وذلك بأن ينقص من الثواب أو يزيد في العقاب ، قال : ولا يتأتى ذلك إلا على قولنا دون قول من يقول من المجبرة : إن أي شيء فعله تعالى فهو عدل وحكمة لأنه المالك .

الجواب : نفي الظلم عنه لا يدل على صحته عليه ، كما أن قوله : { لا تأخذه سنة ولا نوم } لا يدل على صحتهما عليه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (161)

121

ثم يعود إلى الحديث عن النبوة وخصائصها الخلقية ؛ ليمد من هذا المحور خيوطا في التوجيه للأمانة ، والنهي عن الغلول ، والتذكير بالحساب ، وتوفية النفوس دون إجحاف :

( وما كان لنبي أن يغل . ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة . ثم توفى كل نفس ما كسبت ، وهم لا يظلمون ) . .

ولقد كان من بين العوامل التي جعلت الرماة يزايلون مكانهم من الجبل ، خوفهم ألا يقسم لهم رسول الله [ ص ] من الغنائم ! كذلك كان بعض المنافقين قد تكلموا بأن بعض غنائم بدر من قبل قد اختفت ؛ ولم يستحوا أن يهمسوا باسمه [ ص ] في هذا المجال .

فهنا يأتي السياق بحكم عام ينفي عن الأنبياء عامة إمكان أن يغلوا . . أي أن يحتجزوا شيئا من الأموال والغنائم أو يقسموا لبعض الجند دون بعض ، أو يخونوا إجمالا في شيء :

( وما كان لنبي أن يغل ) . .

ما كان له . فهو ليس من شأنه أصلا ولا من طبعه ولا من خلقه . فالنفي هنا نفي لإمكان وقوع الفعل . وليس نفيا لحله أو جوازه . فطبيعة النبي الأمينة العادلة العفيفة لا يتأتى أن يقع منها الغلول ابتداء . . وفي قراءة : " يغل " على بناء الفعل لغير الفاعل . أي لا يجوز أن يخان . ولا أن يخفي عنه أتباعه شيئا . . فيكون نهيا عن خيانة النبي في شيء . وهو يتمشى مع عجز الآية . وهي قراءة الحسن البصري .

ثم يهدد الذين يغلون ، ويخفون شيئا من المال العام أو من الغنائم ، ذلك التهديد المخيف :

( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة . ثم توفى كل نفس ما كسبت ، وهم لا يظلمون ) . .

روى الإمام أحمد . حدثنا سفيان عن الزهري ، سمع عروة يقول : حدثنا أبو حميد الساعدي قال : استعمل رسول الله [ ص ] رجلا من الأزد يقال له ابن اللتيبة . على الصدقة . فجاء فقال : هذا لكم وهذا أهدي إلي . فقام رسول الله [ ص ] على المنبر فقال : " ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول : هذا لكم وهذا أهدي إلي . أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدي إليه أم لا ؟ والذي نفس محمد بيده ، لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته ، وإن بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر " . . ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه . ثم قال : " اللهم هل بلغت ؟ " - ثلاثا - . . [ وأخرجه الشيخان ] وروى الإمام أحمد بإسناده ، عن أبي هريرة قال : قام فينا رسول الله [ ص ] يوما فذكر الغلول ، فعظمه وعظم أمره . ثم قال : " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ، فيقول : يا رسول الله أغثني . فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة ، فيقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت . فيقول : يا رسول الله أغثني . فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك " . . [ وأخرجه الشيخان من حديث أبي حيان ] . .

وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن عدي بن عميرة الكندي . قال : قال رسول الله [ ص ] :

" يا أيها الناس . من عمل لنا منكم عملا ، فكتمنا منه مخيطا فما فوقه ، فهو غل يأتي به يوم القيامة " . . قال : فقام رجل من الأنصار أسود - قال مجاهد : هو سعد بن عبادة كأني أنظر إليه - فقال : يا رسول الله ، أقبل مني عملك . قال : " وما ذاك ؟ " قال : سمعتك تقول : كذاوكذا . قال : " وأنا أقول ذلك الآن . من استعملناه على عمل فليجيء بقليله وكثيره . فما أوتي منه أخذه ؛ وما نهي عنه انتهى " . . [ ورواه مسلم وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي رافع ] . .

وقد عملت هذه الآية القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة عملها في تربية الجماعة المسلمة ؛ حتى أتت بالعجب العجاب ؛ وحتى أنشأت مجموعة من الناس تتمثل فيهم الأمانة والورع والتحرج من الغلول في أية صورة من صوره ، كما لم تتمثل قط في مجموعة بشرية . وقد كان الرجل من أفناء الناس من المسلمين يقع في يده الثمين من الغنيمة ، لا يراه أحد ، فيأتي به إلى أميره ، لا تحدثه نفسه بشيء منه ، خشية أن ينطبق عليه النص القرآني المرهوب ، وخشية أن يلقى نبيه على الصورة المفزعة المخجلة التي حذره أن يلقاه عليها يوم القيامة ! فقد كان المسلم يعيش هذه الحقيقة فعلا . وكانت الآخرة في حسه واقعا ، وكان يرى صورته تلك أمام نبيه وأمام ربه ، فيتوقاها ويفزع أن يكون فيها . وكان هذا هو سر تقواه وخشيته وتحرجه . فالآخرة كانت حقيقة يعيشها ، لا وعدا بعيدا ! وكان على يقين لا يخالجه الشك من أن كل نفس ستوفى ما كسبت ، وهم لا يظلمون . .

روى ابن جرير الطبري في تاريخه قال : لما هبط المسلمون المدائن ، وجمعوا الأقباض ، أقبل رجل بحق معه ، فدفعه إلى صاحب الأقباض . فقال والذين معه : ما رأينا مثل هذا قط ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه . فقالوا : هل أخذت منه شيئا ؟ فقال : أما والله لولا الله ما آتيتكم به . فعرفوا أن للرجل شأنا . فقالوا : من أنت ؟ فقال : لا والله لا أخبركم لتحمدوني ، ولا غيركم ليقرظوني ! ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه . فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه ، فسأل عنه فإذا عامر بن عبد قيس . .

وقد حملت الغنائم إلى عمر - رضي الله عنه - بعد القادسية ، وفيها تاج كسرى وإيوانه لا يقومان بثمن . . فنظر - رضي الله عنه - إلى ما أداه الجند في غبطة وقال : " إن قوما أدوا هذا لأميرهم لأمناء " . .

وهكذا ربى الإسلام المسلمين تلك التربية العجيبة التي تكاد أخبارها تحسب في الأساطير .

/خ179

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (161)

{ وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } أي ما صح ولا استقام لنبي من الأنبياء أن يخون في المغنم لأن الخيانة تنافي النبوة وأصل الغل الأخذ بخفية ولذا استعمل في السرقة ثم خص في اللغة بالسرقة من المغنم قبل القسمة وتسمى غلولاً أيضاً ، قيل : وسميت بذلك ؛لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة مجعول فيها غل وهي الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ، ويقال لها : جامعة أيضاً ، وقال الرماني وغيره أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر ، وسميت الخيانة غلولاً لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل ، ومن ذلك الغل للحقد والغليل لحرارة العطش والغلالة للشغار ، والمراد تنزيه ساحة النبي صلى الله عليه وسلم على أبلغ وجه عما ظن به الرماة يوم أحد فقد حكى الواحدي عن الكلبي ومقاتل أن الرماة حين تركوا المركز يومئذٍ طلباً للغنيمة قالوا : نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «ظننتم أنا نغلّ ولا نقسم لكم » ولهذا نزلت الآية ، أو تنزيهه صلى الله عليه وسلم عما اتهمه به بعض المنافقين يوم بدر ، فقد أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير وحسناه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال : نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ، والرواية الأولى : أوفق بالمقام ، وارتباط الآية بما قبلها عليها أتم ؛ لأن القصة أحدية إلا أن فيها إشعاراً بأن غنائم بدر لم تقسم وهو مخالف لما سيأتي في الأنفال وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه ، والرواية الثانية : أولى بالقبول عند أرباب هذا الشأن ، ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في النهي عن الغلول ، فقد أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف » وابن جرير مرسلاً عن الضحاك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع فغنم النبي صلى الله عليه وسلم غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئاً فلما قدمت الطلائع قالوا قسم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقسم لنا فأنزل الله تعالى الآية ، فالمعنى ما كان لنبي أن يعطي قوماً من العسكر ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بين الكل بالسوية ، وعبر سبحانه عن حرمان بعض الغزاة ، بالغلول فطماً عن هذا الفعل بالكلية ، أو تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم ، وجعل بعضهم الكلام على هذا الاحتمال على حدّ { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] خوطب به صلى الله عليه وسلم وأريد غيره ممن يفعل مثل هذا بعد النهي عنه ولا يخفى بعده ، والصيغة على الاحتمال الأول : إخبار لفظاً ومعنى لكنها لا تخلو عن رمز إلى نهي عن اعتقاد ذلك في تلك الحضرة المقدسة وعلى الاحتمال الأخير : خبر أجري مجرى الطلب ، وقد وردت هذه الصيغة نهياً في مواضع من التنزيل كقوله تعالى :

{ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى } [ الأنفال : 67 ] و { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } [ التوبة : 113 ] [ الأحزاب : 53 ] { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله } وكذا للامتناع العقلي كقوله تعالى : { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } [ مريم : 35 ] و { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } [ النحل : 60 ] وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب أن يغل على صيغة البناء للمفعول ، وفي توجيهها ثلاثة أوجه ، أحدها : أن يكون ماضيه أغللته أي نسبته إلى الغلول كما تقول أكفرته أي نسبته إلى الكفر قال الكميت :

وطائفة قد ( أكفرتني ) بحبكم *** وطائفة قالت مسىء ومذنب

والمعنى ما صح لنبي أن ينسبه أحد إلى الغلول ، وثانيها : أن يكون من أغللته إذا وجدته غالاً كقولهم أحمدته وأبخلته وأجبنته بمعنى وجدته كذلك والمعنى ما صح لنبي أن يوجد غالاً ، وثالثها : أنه من غل إلى أن المعنى ما كان لنبي أن يغله غيره أو يخونه ويسرق من غنيمته ، ولعل تخصيص النبي بذلك وإن كان لا يجوز أن يغل غيره من إمام أو أمير إما لعظم خيانته أو لأنه القائم بأمر الغنائم فإذا حرمت الخيانة عليه وهو صاحب الأمر فحرمتها على غيره أولى كذا قيل ، وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى توجيه التخصيص بما ذكر بعد الالتفات إلى سبب النزول والنظر إلى ما سيأتي بعد . ومن الناس من زعم أن الآية نزلت في أداء الوحي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسبّ آلهتهم فسألوه أن يطوي ذلك فأنزل الله تعالى الآية ، ولا يخفى أنه بعيد جداً ولا أدري كيف سند هذه الرواية ولا أظن الخبر إلا موضوعاً ، ويزيده بعداً بل لا يكاد يجوزه قوله تعالى :

{ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } وهو جملة شرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، و ما موصولة والعائد محذوف أي بالذي غله ، وجوز أن تكون حالاً ويكون التقدير في حال علم الغال بعقوبة الغلول ، وظاهر الآثار يدل على أن الإتيان على ظاهره ، فقد أخرج الشيخان ، والبيهقي في «الشعب » عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال : ألا لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك من الله تعالى شيئاً قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك من الله تعالى شيئاً قد أبلغتك » والأخبار بهذا المعنى كثيرة ولعل السر في ذلك أن يفضح به على رؤوس الأشهاد زيادة في عقوبته ، وإلى هذا ذهب الجبائي ، ولا مانع من ذلك عقلاً .

والاستبعاد غير مفيد وقد وقع ما يشعر بالاستبعاد قديماً فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أن رجلاً قال له : أرأيت قول الله تعالى : { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } هذا يغل ألف درهم وألفي درهم يأتي بها أرأيت من يغل مائة بعير أو مائتي بعير كيف يصنع بها ؟ا قال : أريت من كان ضرسه مثل أحد وفخذه مثل ورقان وساقه مثل بيضاء ومجلسه ما بين الربذة إلى المدينة ألا يحمل مثل هذا ، وورد في بعض الأخبار أن الإتيان بالغلول من النار فحينئذٍ يكون في الآية حذف أي يأت بما غل من النار ، فقد أخرج ابن مردويه والبيهقي عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحجر ليزن سبع خلفات فيلقى في جهنم فيهوي فيها سبعين خريفاً ويؤتى بالغلول فيلقى معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي به وهو قول الله عز وجل : { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال لو كنت مستحلاً من الغلول القليل لاستحللت منه الكثير ما من أحد يغل إلا كلف أن يأتي به من أسفل درك جهنم ، وقيل : الإتيان به مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيراً بما عمل عما لزمه من الإثم أي يأت بما احتمل من وباله وإثمه واختاره البلخي وقال : يجوز أن يكون ما تضمنته الأخبار جاء على وجه المثل كأن الله تعالى إذ فضح الغال وعاقبه العقوبة الشديدة جرى مجرى أن يكون آتياً به وحاملاً له وله صوت ، ولا يخفى أن جواب أبي هريرة للرجل يأبى هذا التأويل . وقيل : إن المعاني تظهر في صور جسمانية يوم القيامة كما يؤذن بذلك خبر مجىء الموت في صورة كبش وتلقى القرآن صاحبه في صورة الرجل الشاحب حين ينشق عنه القبر إلى غير ذلك .

وقد ذكر غير واحد أنه لا يبعد ظهور الأعمال من الطاعات والمعاصي بصور تناسبها فحينئذٍ يمكن أن يقال : إن معصية كل غال تظهر يوم القيامة في صورة غلوله فيأتي بها هناك ، وعليه تكون الأخبار على ظاهرها من غير حاجة إلى ارتكاب التمثيل ، وجواب أبي هريرة لا يأباه ، وإلقاؤه في النار أيضاً غير مشكل وأهل الظاهر لعلهم يقولون : إنه يلقى من غير تعذيب ، وبتقديره لا محذور أيضاً فيه لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء ، وقد ورد في بعض الأخبار أنه تعالى يخلق خلقاً حين قول جهنم :

{ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } [ ق : 30 ] فيضعهم فيها ومع هذا وتسليم صحة الخبر لا بد من القول باستثناء بعض الغلول عن الإلقاء ؛ إذ قد يكون الغلول مصحفاً ولا أظن أحداً يتجاسر على القول بإلقائه .

/ { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي تعطى كل نفس مكلفة جزاء ما عملت من خير أو شر تاماً وافياً ، ففي الكلام مضاف محذوف أو أنه أقيم المكسوب مقام جزائه ، وفي تعليق التوفية بكل مكسوب مع أن المقصود بيان حال الغال عند إتيانه بما غل يوم القيامة من الدلالة على فخامة شأن اليوم والمبالغة في بيان فظاعة حال الغال ما لا يخفى فإنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله لا ينقص منه شيء وإن كان جرمه في غاية القلة والحقارة ، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى وهذا سبب العدول عما يقتضيه الظاهر من نحو ثم يوفى ما كسب لأنه اللائق بما قبله ؛ وقيل : يحتمل أن يكون المراد ثم توفى منه كل نفس لها حق في تلك الغنيمة ما كسبت من نقصان حقها من غله فحينئذٍ يكون النظم على مقتضى الظاهر وكلمة { ثُمَّ } للتفاوت بين حمله ما غل وبين جزائه ، أو للتراخي الزماني أي بعد حمله ما غله بمدة مديدة وجعله منتظراً فيما بين الناس مفتضحاً حاملاً ما غله توفى منه كل نفس ، ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال مما يصان عنه كلام الملك المتعال ، فالحق الذي لا ينبغي العدول عنه هو القول الأول المتضمن لنكتة العدول وأمر { ثُمَّ } عليه ظاهر سواء جعلت للتراخي الزماني ، أو للتراخي الرتبي .

أما الأول : فلأن الإتيان بما غل عند قيامه من القبر على ما هو الظاهر والجزاء بعد ذلك بكثير . وأما الثاني : فلأن جزاء الغال وعقوبته أشدّ فظاعة من حمل ما غله والفضيحة به ، بل لا يبعد أن يكون ذلك الحمل كالعلاوة على الحمل بل يكاد أن يكون نعيماً بالنسبة إلى ما يلقى بعد ، والجملة على كل تقدير معطوفة على الجملة الشرطية { وَهُمْ } : أي كل الناس المدلول عليهم بكل نفس { لاَ يُظْلَمُونَ } أي لا ينقص بمقتضى الحكمة والعدل ثواب مطيعهم ولا يزاد عقاب عاصيهم .

( هذا ومن باب الإشارة ) : { و مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ }( {[204]} ) [ آل عمران : 161 ] لكمال قدسه وغاية أمانته فلم يخف حق الله تعالى عن عباده وأعطى علم الحق لأهل الحق ولم يضع أسراره إلا عند الأمناء من أمته


[204]:- قوله: (وما كان لنبي أن يغل) وقوله: (أفمن اتبع) الخ كذا في خطه رحمه الله، ولا يخفى على من حفظ القرآن ما بينهما كتبه مصححه.