مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (154)

قوله تعالى : { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور } .

في كيفية النظم وجهان : الأول : أنه تعالى لما وعد نصر المؤمنين على الكافرين ، وهذا النصر لا بد وأن يكون مسبوقا بإزالة الخوف عن المؤمنين ، بين في هذه الآية أنه تعالى أزال الخوف عنهم ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى ينجز وعده في نصر المؤمنين . الثاني : أنه تعالى بين أنه نصر المؤمنين أولا ، فلما عصى بعضهم سلط الخوف عليهم ، ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلب من كان صادقا في إيمانه مستقرا على دينه بحيث غلب النعاس عليه .

واعلم أن الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فريقان : أحدهما : الذين كانوا جازمين بأن محمدا عليه الصلاة والسلام نبي حق من عند الله وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وكانوا قد سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان ، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال ، فلا جرم كانوا آمنين ، وبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس ، فإن النوم لا يجيء مع الخوف ، فمجيء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية ، فقال ههنا في قصة أحد في هؤلاء { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا } وقال في قصة بدر { إذ يغشاكم النعاس أمنة منه } ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس ، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة ، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته عليه الصلاة والسلام ، وما حضروا إلا لطلب الغنيمة ، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم ، ثم إنه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين ، فقال في صفة المؤمنين : { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال الواحدي : «الأمنة » مصدر كالأمن ، ومثله من المصادر : العظمة والغلبة ، وقال الجبائي : يقال : أمن فلان يأمن أمنا وأمانا .

المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : قرئ ( أمنة ) بسكون الميم ، لأنها المرة من الأمن .

المسألة الثالثة : في قوله تعالى : { نعاسا } وجهان : أحدهما : أن يكون بدلا من أمنة ، والثاني : إن يكون مفعولا ، وعلى هذا التقدير ففي قوله : { أمنة } وجوه : أحدها : أن تكون حالا منه مقدمة عليه ، كقولك : رأيت راكبا رجلا ، وثانيها : أن يكون مفعولا له بمعنى نعستم أمنة ، وثالثها : أن يكون حالا من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة .

ثم قال تعالى : { يغشى طائفة منكم } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : قد ذكرنا أن هذه الطائفة هم المؤمنون الذين كانوا على البصيرة في إيمانهم قال أبو طلحة ، غشينا النعاس ونحن في مصافنا ، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه . ثم يسقط فيأخذه ، وعن الزبير قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف ، فأرسل الله علينا النوم ، وإني لأسمع قول معتب بن قشير : والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا . وقال عبد الرحمن بن عوف : ألقى النوم علينا يوم أحد ، وعن ابن مسعود : النعاس في القتال أمنة ، والنعاس في الصلاة من الشيطان ، وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا ، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله .

واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد : أحدها : أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد ، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيمانا مع إيمانهم ، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو ووثوقهم بأن الله منجز وعده ، وثانيها : أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال ، والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة ، وثالثها : أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم ، فيشتد الخوف والجبن في قلوبهم ، ورابعها : أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم ، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم ، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى ، ومن الناس من قال : ذكر النعاس في هذا الموضع كناية عن غاية الأمن ، وهذا ضعيف لأن صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا عند قيام الدليل المعارض ، فكيف يجوز ترك حقيقة اللفظ مع اشتمالها على هذه الفوائد والحكم .

المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي { تغشى } بالتاء ردا إلى الأمنة ، والباقون بالياء ردا ، إلى النعاس ، وهو اختيار أبي حاتم وخلف وأبي عبيد .

واعلم أن الأمنة والنعاس كل واحد منهما يدل على الآخر ، فلا جرم يحسن رد الكناية إلى أيهما شئت ، كقوله تعالى : { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلى في البطون } وتغلي ، إذا عرفت جوازهما فنقول : مما يقوي القراءة بالتاء أن الأصل الأمنة ، والنعاس بدل ، ورد الكناية إلى الأصل أحسن ، وأيضا الأمنة هي المقصود ، وإذا حصلت الأمنة حصل النعاس لأنها سببه ، فإن الخائف لا يكاد ينعس ، وأما من قرأ بالياء فحجته أن النعاس هو الغاشي ، فإن العرب يقولون غشينا النعاس ، وقلما يقولون غشيني من النعاس أمنة ، وأيضا فإن النعاس مذكور بالغشيان في قوله : { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } وأيضا : النعاس يلي الفعل ، وهو أقرب في اللفظ إلى ذكر الغشيان من الأمنة فالتذكير أولى .

ثم قال تعالى : { وطائفة قد أهمتهم أنفسهم } وفيه مسألتان .

المسألة الأولى : هؤلاء هم المنافقون عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما ، كان همهم خلاص أنفسهم ، يقال : همني الشيء أي كان من همي وقصدي ، قال أبو مسلم : من عادة العرب أن يقولوا لمن خاف ، قد أهمته نفسه ، فهؤلاء المنافقون لشدة خوفهم من القتل طار النوم عنهم ، وقيل المؤمنون ، كان همهم النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانهم من المؤمنين ، والمنافقون كان همهم أنفسهم وتحقيق القول فيه : أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه ، صار غافلا عما سواه ، فلما كان أحب الأشياء إلى الإنسان نفسه ، فعند الخوف على النفس يصير ذاهلا عن كل ما سواها ، فهذا هو المراد من قوله : { أهمتهم أنفسهم } وذلك لأن أسباب الخوف وهي قصد الأعداء كانت حاصلة والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد الله ووعد رسوله ما كان معتبرا عندهم ، لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم ، فلا جرم عظم الخوف في قلوبهم .

المسألة الثانية : «طائفة » رفع بالابتداء وخبره «يظنون » وقيل خبره «أهمتهم أنفسهم » ثم إنه تعالى وصف هذه الطائفة بأنواع من الصفات .

الصفة الأولى : من صفاتهم قوله تعالى : { يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في هذا الظن احتمالان : أحدهما : وهو الأظهر : هو أن ذلك الظن أنهم كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقا في دعواه لما سلط الكفار عليه وهذا ظن فاسد ، أما على قول أهل السنة والجماعة ، فلأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه ، فإن النبوة خلعة من الله سبحانه يشرف عبده بها ، وليس يجب في العقل أن المولى إذا شرف عبده بخلعة أن يشرفه بخلعة أخرى ، بل له الأمر والنهي كيف شاء بحكم الإلهية ، وأما على قول من يعتبر المصالح في أفعال الله وأحكامه ، فلا يبعد أن يكون لله تعالى في التخلية بين الكافر والمسلم ، بحيث يقهر الكافر المسلم ، حكم خفية وألطاف مرعية ، فإن الدنيا دار الامتحان والابتلاء ، ووجوه المصالح مستورة عن العقول ، فربما كانت المصلحة في التخلية بين الكافر والمؤمن حتى يقهر الكافر المؤمن ، وربما كانت المصلحة في تسليط الفقر والزمانة على المؤمنين . قال القفال : لو كان كون المؤمن محقا يوجب زوال هذه المعاني لوجب أن يضطر الناس إلى معرفة المحق بالجبر ، وذلك ينافي التكليف واستحقاق الثواب والعقاب ، بل الإنسان إنما يعرف كونه محقا بما معه من الدلائل والبينات ، فأما القهر فقد يكون من المبطل للمحق ، ومن المحق للمبطل ، وهذه جملة كافية في بيان أنه لا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة على أن صاحبها على الحق . الثاني : أن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون إله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ، وينكرون النبوة والبعث ، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله يقويهم وينصرهم .

المسألة الثانية : { غير الحق } في حكم المصدر ، ومعناه : يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به ( وظن الجاهلية ) بدل منه ، والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق : أديان كثيرة ، وأقبحها مقالات أهل الجاهلية ، فذكر أولا أنهم يظنون بالله غير الظن الحق ، ثم بين أنهم اختاروا من أقسام الأديان التي غير حقة أركها وأكثرها بطلانا ، وهو ظن أهل الجاهلية ، كما يقال : فلان دينه ليس بحق ، دينه دين الملاحدة .

المسألة الثالثة : في قوله : { ظن الجاهلية } قولان : أحدهما : أنه كقولك : حاتم الجود ، وعمر العدل ، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية ، والثاني : المراد ظن أهل الجاهلية .

الصفة الثانية : من الصفات التي ذكرها الله تعالى لهؤلاء المنافقين قوله تعالى : { يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله } .

واعلم أن قوله { هل لنا من الأمر من شيء } حكاية للشبهة التي تمسك أهل النفاق بها ، وهو يحتمل وجوها : الأول : أن عبد الله بن أبي لما شاوره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة ، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم ، فغضب عبد الله بن أبي من ذلك ، فقال عصاني وأطاع الولدان ، ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ورجع عبد الله بن أبي قيل له : قتل بنو الخزرج ، فقال : هل لنا من الأمر من شيء ، يعني أن محمدا لم يقبل قولي حين أمرته بأن يسكن في المدينة ولا يخرج منها ، ونظيره ما حكاه الله عنهم أنهم قالوا : { لو أطاعونا ما قتلوا } والمعنى : هل لنا من أمر يطاع وهو استفهام على سبيل الإنكار .

الوجه الثاني في التأويل : أن من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لعدوه قالوا : عليه الأمر ، فقوله : { هل لنا من الأمر من شىء } أي هل لنا من الشيء الذي كان يعدنا به محمد ، وهو النصرة والقوة شيء وهذا استفهام على سبيل الإنكار ، وكان غرضهم منه الاستدلال بذلك على أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان كاذبا في ادعاء النصرة والعصمة من الله تعالى لأمته ، وهذا استفهام على سبيل الإنكار . الثالث : أن يكون التقدير : أنطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء ، والغرض منه تصبير المسلمين في التشديد في الجهاد والحرب مع الكفار ، ثم إن الله سبحانه أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { قل إن الأمر كله لله } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ( كله ) برفع اللام ، والباقون بالنصب ، أما وجه الرفع فهو أن قوله : ( كله ) مبتدأ وقوله : ( لله ) خبره ، ثم صارت هذه الجملة خبرا لأن ، وأما النصب فلأن لفظة «كل » للتأكيد ، فكانت كلفظة أجمع ، ولو قيل : إن الأمر أجمع ، لم يكن إلا النصب ، فكذا إذا قال «كله » .

المسألة الثانية : الوجه في تقرير هذا الجواب ما بينا : أنا إذا قلنا بمذهب أهل السنة لم يكن على الله اعتراض في شيء من أفعاله في الإماتة والإحياء ، والفقر والإغناء والسراء والضراء ، وإن قلنا بمذهب القائلين برعاية المصالح ، فوجوه المصالح مخفية لا يعلمها إلا الله تعالى ، فربما كانت المصلحة في إيصال السرور واللذة ، وربما كانت في تسليط الأحزان والآلام ، فقد اندفعت شبهة المنافقين من هذا الوجه .

المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع المحدثات بقضاء الله وقدره ، وذلك لأن المنافقين قالوا : إن محمدا لو قبل منا رأينا ونصحنا ، لما وقع في هذه المحنة ، فأجاب الله عنه بأن الأمر كله لله ، وهذا الجواب : إنما ينتظم لو كانت أفعال العباد بقضاء الله وقدره ومشيئته إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب دافعا لشبهة المنافقين ، فثبت أن هذه الآية دالة على ما ذكرنا . وأيضا فظاهر هذه الآية مطابق للبرهان العقلي ، وذلك لأن الموجود ، إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته ، فثبت أن كل ما سوى الله تعالى مستند إلى إيجاده وتكوينه ، وهذه القاعدة لا اختصاص لها بمحدث دون محدث ، أو ممكن دون ممكن ، فتدخل فيه أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم ، وذلك هو المراد بقوله : { قل إن الأمر كله لله } وهذا كلام في غاية الظهور لمن وفقه الله للإنصاف .

ثم أنه تعالى قال : { يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك } .

واعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : { هل لنا من الأمر من شيء } ، وهذا الكلام محتمل ، فلعل قائله كان من المؤمنين المحقين ، وكان غرضه منه إظهار الشفقة ، وانه متى يكون الفرج ؟ ومن أين تحصل النصرة ؟ ولعله كان من المنافقين ، وإنما قاله طعنا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام فبين تعالى في هذه الآية أن غرض هؤلاء من هذا الكلام هذا القسم الثاني ، والفائدة في هذا التنبيه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم متحرزا عن مكرهم وكيدهم .

النوع الثالث : من الأشياء التي حكى الله عن المنافقين ، قولهم : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا . وفيه إشكال ، وهو أن لقائل أن يقول : ما الفرق بين هذا الكلام وبين ما تقدم من قوله : { هل لنا من الأمر من شيء } ويمكن أن يجاب عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى لما حكى عنهم قولهم : { هل لنا من الأمر من شيء } فأجاب عنه بقوله : { الأمر كله لله } واحتج المنافقون على الطعن في هذا الجواب بقولهم : لو كان لنا من الأمر شيء لما خرجنا من المدينة وما قتلنا ههنا ، فهذا يدل على أنه ليس الأمر كما قلتم من أن الأمر كله لله ، وهذا هو بعينه المناظرة الدائرة بين أهل السنة وأهل الاعتزال فإن السني يقول : الأمر كله في الطاعة والمعصية والإيمان والكفر بيد الله ، فيقول المعتزلي : ليس الأمر كذلك ، فإن الإنسان مختار مستقل بالفعل ، إن شاء آمن ، وإن شاء كفر ، فعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام شبهة مستقلة بنفسها ، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله الله تعالى جوابا عن الشبهة الأولى .

والوجه الثاني : أن يكون المراد من قوله : { هل لنا من الأمر من شيء } هو أنه هل لنا من النصرة التي وعدنا بها محمد شيء ، ويكون المراد من قوله : { لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا } هو ما كان يقوله عبد الله بن أبي من أن محمدا لو أطاعني وما خرج من المدينة ما قتلنا ههنا .

واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه :

الوجه الأول من الجواب : قوله : { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } والمعنى أن الحذر لا يدفع القدر ، والتدبير لا يقاوم التقدير ، فالذين قدر الله عليهم القتل لا بد وأن يقتلوا على جميع التقديرات ، لأن الله تعالى لما أخبر أنه يقتل ، فلو لم يقتل لانقلب علمه جهلا ؛ وقد بينا أيضا أنه ممكن فلا بد من انتهائه إلى إيجاد الله تعالى ، فلو لم يجد لانقلبت قدرته عجزا ، وكل ذلك محال ، ومما يدل على تحقيق الوجوب كما قررنا قوله : { الذين كتب عليهم القتل } وهذه الكلمة تفيد الوجوب ، فإن هذه الكلمة في قوله : { كتب عليكم الصيام } { كتب عليكم القصاص } تفيد وجوب الفعل ، وها هنا لا يمكن حملها على وجوب الفعل ، فوجب حملها على وجوب الوجود وهذا كلام في غاية الظهور لمن أيده الله بالتوفيق . ثم نقول للمفسرين : فيه قولان : الأول : لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم القتل إلى مضاجعهم ومصارعهم حتى يوجد ما علم الله أنه يوجد ، والثاني : كأنه قيل للمنافقين لو جلستم في بيوتكم وتخلفتم عن الجهاد لخرج المؤمنون الذين كتب عليهم قتال الكفار إلى مضاجعهم ، ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم .

الوجه الثاني في الجواب عن تلك الشبهة : قوله : { وليبتلى الله ما في صدوركم } وذلك لأن القوم زعموا أن الخروج إلى تلك المقاتلة كان مفسدة ، ولو كان الأمر إليهم لما خرجوا إليها ، فقال تعالى : بل هذه المقاتلة مشتملة على نوعين من المصلحة : أن يتميز الموافق من المنافق ، وفي المثل المشهور : لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين ، ومعنى الابتلاء في حق الله تعالى قد مر تفسيره مرارا كثيرة .

فإن قيل : لم ذكر الابتلاء وقد سبق ذكره في قوله : { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } .

قلنا : لما طال الكلام أعاد ذكره ، وقيل الابتلاء الأول هزيمة المؤمنين ، والثاني سائر الأحوال .

والوجه الثالث في الجواب : قوله : { وليمحص ما في قلوبكم } وفيه وجهان : أحدهما : أن هذه الواقعة تمحص قلوبكم عن الوساوس والشبهات ، والثاني : أنها تصير كفارة لذنوبكم فتمحصكم عن تبعات المعاصي والسيآت ، وذكر في الابتلاء الصدور ، وفي التمحيص القلوب ، وفيه بحث ثم قال : { والله عليم بذات الصدور } .

واعلم أن ذات الصدور هي الأشياء الموجودة في الصدور ، وهي الأسرار والضمائر ، وهي ذات الصدور ، لأنها حالة فيها مصاحبة لها ، وصاحب الشيء ذوه وصاحبته ذاته ، وإنما ذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفي عليه ما في الصدور ، أو غير ذلك ، لأنه عالم بجميع المعلومات وإنما ابتلاهم إما لمحض الإلهية ، أو للاستصلاح .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (154)

121

ولقد أعقب هول الهزيمة وذعرها ، وهرجها ومرجها ، سكون عجيب . سكون في نفوس المؤمنين الذين ثابوا إلى ربهم ، وثابوا إلى نبيهم . لقد شملهم نعاس لطيف يستسلمون إليه مطمئنين !

والتعبير عن هذه الظاهرة العجيبة يشف ويرق وينعم ، حتى ليصور بجرسه وظله ذلك الجو المطمئن الوديع :

( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ) . .

وهي ظاهرة عجيبة تشي برحمة الله التي تحف بعباده المؤمنين ؛ فالنعاس حين يلم بالمجهدين المرهقين المفزعين ، ولو لحظة واحدة ، يفعل في كيانهم فعل السحر ، ويردهم خلقا جديدا ، ويسكب في قلوبهم الطمأنينة ، كما يسكب في كيانهم الراحة . بطريقة مجهولة الكنه والكيف ! أقول هذا وقد جربته في لحظة كرب وشدة . فأحسست فيه رحمة الله الندية العميقة بصورة تعجز عن وصفها العبارة البشرية القاصرة !

روى الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد ابن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال : " رفعت رأسي يوم أحد ، وجعلت أنظر ، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت جحفته من النعاس " .

وفي رواية أخرى عن أبي طلحة : " غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه " . .

أما الطائفة الأخرى ؛ فهم ذوو الإيمان المزعزع ، الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم ، والذين لم يتخلصوا من تصورات الجاهلية ، ولم يسلموا أنفسهم كلها لله خالصة ، ولم يستسلموا بكليتهم لقدره ، ولم تطمئن قلوبهم إلى أن ما أصابهم إنما هو ابتلاء للتمحيص ، وليس تخليا من الله عن أوليائه لأعدائه ، ولا قضاء منه - سبحانه - للكفر والشر والباطل بالغلبة الأخيرة والنصر الكامل :

( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية . يقولون : هل لنا من الأمر من شيء ؟ ) . .

أن هذه العقيدة تعلم أصحابها - فيما تعلم - أن ليس لهم في أنفسهم شيء ، فهم كلهم لله ؛ وأنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له ، ويتحركون له ، ويقاتلون له ، بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد ، وأنهم يسلمون أنفسهم لقدره ، فيتلقون ما يأتيهم به هذا القدر في رضى وفي تسليم ، كائنا هذا القدر ما يكون .

فأما الذين تهمهم أنفسهم ، وتصبح محور تفكيرهم وتقديرهم ، ومحور اهتمامهم وانشغالهم . . فهؤلاء لم تكتمل في نفوسهم حقيقة الإيمان . ومن هؤلاء كانت تلك الطائفة الأخرى التي يتحدث عنها القرآن في هذا الموضع . طائفة الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم ، فهم في قلق وفي أرجحة ، يحسون أنهم مضيعون في أمر غير واضح في تصورهم ، ويرون أنهم دفعوا إلى المعركة دفعا ولا إرادة لهم فيها ؛ وهم مع ذلك يتعرضون للبلاء المرير ، ويؤدون الثمن فادحا من القتل والقرح والألم . . وهم لا يعرفون الله على حقيقته ، فهم يظنون بالله غير الحق ، كما تظن الجاهلية . ومن الظن غير الحق بالله أن يتصوروا أنه - سبحانه - مضيعهم في هذه المعركة ، التي ليس لهم من أمرها شيء ، وإنما دفعوا إليها دفعا ليموتوا ويجرحوا ، والله لا ينصرهم ولا ينقذهم ؛ إنما يدعهم فريسة لأعدائهم ، ويتساءلون :

( هل لنا من الأمر من شيء ؟ ) .

وتتضمن قولتهم هذه الاعتراض على خطة القيادة والمعركة . . ولعلهم ممن كان رأيهم عدم الخروج من المدينة ؛ ممن لم يرجعوا مع عبد الله بن أبي . . ولكن قلوبهم لم تكن قد استقرت واطمأنت . .

وقبل أن يكمل السياق عرض وساوسهم وظنونهم ، يبادر بتصحيح الأمر وتقرير الحقيقة فيما يتساءلون فيه ، ويرد على قولتهم : ( هل لنا من الأمر من شيء ؟ ) .

( قل : إن الأمر كله لله ) . .

فلا أمر لأحد . لا لهم ولا لغيرهم . ومن قبل قال الله لنبيه [ ص ] ( ليس لك من الأمر شيء ) . فأمر هذا الدين ، والجهاد لإقامته وتقرير نظامه في الأرض ، وهداية القلوب له . . كلها من أمر الله ، وليس للبشر فيها من شيء ، إلا أن يؤدوا واجبهم ، ويفوا ببيعتهم ، ثم يكون ما يشاؤه الله كيف يكون !

ويكشف كذلك خبيئة نفوسهم قبل أن يكمل عرض وساوسهم وظنونهم :

( يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ) . .

فنفوسهم ملأى بالوساوس والهواجس ، حافلة بالاعتراضات والاحتجاجات ؛ وسؤالهم : ( هل لنا من الأمر من شيء ) . . يخفي وراءه شعورهم بأنهم دفعوا إلى مصير لم يختاروه ! وأنهم ضحية سوء القيادة ، وأنهم لو كانوا هم الذين يديرون المعركة ما لاقوا هذا المصير .

( يقولون : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) . .

وهو الهاجس الذي يجيش في النفوس التي لم تخلص للعقيدة ، حينما تصطدم في موقعة بالهزيمة ، وحينما تعاني آلام الهزيمة ! حين ترى الثمن أفدح مما كانت تظن ؛ وأن الثمرة أشد مرارة مما كانت تتوقع ؛ وحين تفتش في ضمائرها فلا ترى الأمر واضحا ولا مستقرا ؛ وحين تتخيل أن تصرف القيادة هو الذي القى بها في هذه المهلكة ، وكانت في نجوة من الأمر لو كان أمرها في يدها ! وهي لا يمكن - بهذا الغبش في التصور - أن ترى يد الله وراء الأحداث ، ولا حكمته في الابتلاء . إنما المسألة كلها - في اعتبارها - خسارة في خسارة ! وضياع في ضياع !

هنا يجيئهم التصحيح العميق للأمر كله . لأمر الحياة والموت . ولأمر الحكمة الكامنة وراء الابتلاء :

( قل : لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . وليبتلي الله ما في صدوركم ، وليمحص ما في قلوبكم ، والله عليم بذات الصدور )

قل لو كنتم في بيوتكم ؛ ولم تخرجوا للمعركة تلبية لنداء القيادة ، وكان أمركم كله لتقديركم . . لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . . إن هنالك أجلا مكتوبا لا يستقدم ولا يستأخر . وإن هنالك مضجعا مقسوما لا بد أن يجيء إليه صاحبه فيضجع فيه ! فإذا حم الأجل ، سعى صاحبه بقدميه إليه ، وجاء إلى مضجعه برجليه ، لا يسوقه أحد إلى أجله المرسوم ، ولا يدفعه أحد إلى مضجعه المقسوم !

ويا للتعبير العجيب . . " إلى مضاجعهم " . . فهو مضجع إذن ذلك الرمس الذي تستريح فيه الجنوب ، وتسكن فيه الخطى ، وينتهي إليه الضاربون في الأرض . . مضجع يأتون إليه بدافع خفي لا يدركونه ولا يملكونه ، إنما هو يدركهم ويملكهم ؛ ويتصرف في أمرهم كما يشاء . والاستسلام له أروح للقلب ، وأهدأ للنفس ، وأريح للضمير !

إنه قدر الله . ووراءه حكمته :

( وليبتلي الله ما في صدوركم ، وليمحص ما في قلوبكم ) . .

فليس كالمحنة محك يكشف ما في الصدور ، ويصهر ما في القلوب ، فينفي عنها الزيف والرياء ، ويكشفها على حقيقتها بلا طلاء . . فهو الابتلاء والاختبار لما في الصدور ، ليظهر على حقيقته ، وهو التطهير والتصفية للقلوب ، فلا يبقى فيها دخل ولا زيف . وهو التصحيح والتجلية للتصور ؛ فلا يبقى فيه غبش ولا خلل :

( والله عليم بذات الصدور ) .

وذات الصدور هي الأسرار الخفية الملازمة للصدور ، المختبئة فيها ، المصاحبة لها ، التي لا تبارحها ولا تتكشف في النور ! والله عليم بذات الصدور هذه . ولكنه - سبحانه - يريد أن يكشفها للناس ، ويكشفها لأصحابها أنفسهم ، فقد لا يعلمونها من أنفسهم ، حتى تنفضها الأحداث وتكشفها لهم !

/خ179

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (154)

{ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ } عطف على { فأثابكم } [ آل عمران : 153 ] والخطاب للمؤمنين حقاً ، والمعنى ثم وهب لكم أيها المؤمنون { مّن بَعْدِ الغم } الذي اعتراكم والتصريح بتأخر الإنزال عنه مع دلالة ثم عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البيان ، وتذكير عظم المنة { أمِنَةً } مصدر كالمنعة وهو مفعول { أَنَزلَ } أي ثم أنزل عليكم أمنا { نُّعَاساً } بدل اشتمال منها ، وقيل : عطف بيان ، وجوز أن يكون نعاساً منصوباً على المفعولية ، وأمنة حال منه ؛ والمراد ذا أمنة ولا يضر كونها من النكرة لتقدمها أو حال من المخاطبين على تقدير مضاف أي ذوي أمنة ، أو على أنه جمع آمن كبار وبررة . وقيل : إن أمنة مفعول له ، لنعاساً ، واعترض بأنه يلزم على ظاهره تقديم معمول المصدر عليه ، وإن التزم تقدير فعل أي نعستم أمنة ، ورد أنه ليس للفعل موقع حسن ، وقيل : إنه مفعول له لأنزل . واعترض بأنه فاسد لاختلال شرطه وهو اتحاد الفاعل إذ فاعل { أَنَزلَ } هو الله تعالى وفاعل الأمنة هو المنزل عليهم ، ورد بأن الأمنة كما يكون مصدراً لمن وقع به الأمن يكون مصدراً لمن أوقعه ، والمراد هنا الثاني كأنه قيل : أنزل عليكم النعاس ليؤمنكم به وحينئذ لا شبهة في اتحاد الفاعل ؛ وقرىء بسكون الميم كأنها لوقوعها في زمن يسير مرة من الأمن فلا ينافي كون المقصود مطلق الأمن وتقديم الظرفين على المفعول الصريح للاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر ، وتخصيص الخوف من بين فنون الغم بالإزالة لأنه المهم عندهم في ذلك المقام ، فقد أخرج ابن جرير عن السدي أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين فواعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بدراً من قابل فقال لهم : نعم ، فتخوف المسلمون أن ينزلوا المدينة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فقال : انظر فإن رأيتهم قد قعدوا على أثقالهم وجنبوا خيولهم فإن القوم ذاهبون ، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجنبوا أثقالهم فإن القوم ينزلون المدينة فاتقوا الله تعالى واصبروا ، ووطنهم على القتال فلما أبصرهم الرسول قعدوا على الأثقال سراعاً عجالاً نادى بأعلى صوته بذهابهم فلما رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فناموا وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم فذلك قوله تعالى : { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ } الخ ، وعن ابن عباس في الآية قال : آمنهم الله تعالى يومئذ بنعاس غشاهم ، وإنما ينعس من يأمن ، والخائف لا ينام . وأخرج خلق كثير عن أنس أن أبا طلحة قال غشينا النعاس يوم أحد ونحن في مصافنا وكنت ممن غشيه النعاس يومئذ فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه ، وفي رواية أخرى عنه أنه قال : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم من أحد إلا وهو يميد تحت حجفته أي ترسه من النعاس ، وعن الزبير بن العوام مثله قيل : وهذه عادة الله تعالى مع المؤمنين جعل النعاس في الحرب علامة للظفر وقد وقع كذلك لعلي كرم الله تعالى وجهه في صفين وهو من الواردات الرحمانية والسكينة الآلهية .

{ يغشى طَائِفَةً مّنْكُمْ } قال ابن عباس : هم المهاجرون وعامة الأنصار ، وفيه إشعار بأنه لم يغش الكل ولا يقدح ذلك في عموم الإنزال للكل ، والجملة في موضع نصب على أنها صفة لنعاساً وقرأ حمزة والكسائي تغشى بالتاء الفوقانية على أن الضمير للأمنة . والظاهر أن الجملة حينئذ مستأنفة وقعت جواباً لسؤال تقديره ما حكم هذه الأمنَة ؟ فأجيب بأنها تغشى طائفة ، وقيل : إنها في موضع الصفة لأمنة ، واعترض بأن الصفة حقها أن تتقدم على البدل وعطف البيان وأن لا يفصل بينها وبين الموصوف بالمفعول له وأن المعهود أن يحدث عن البدل دون المبدل منه .

{ وَطَائِفَةٌ } وهم المنافقون . { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } أي جعلتهم ذويهم وأوقعتهم فيه أو ما يهمهم إلا أنفسهم لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من أهمه بمعنى جعله مهماً له ومقصوداً والحصر مستفاد من المقام ، وذكر بعضهم أن العرب تطلق هذا اللفظ على الخائف الذي شغله هم نفسه عن غيره ، و { طَائِفَةٌ } مبتدأ وجملة { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ } الخ خبره ، وجاز ذلك مع كونها نكرة لوقوعها بعد واو الحال كما في قوله :

سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا *** محياك أخفى ضوء كل شارق

أو لوقوعها موقع التفصيل كما في قوله :

إذا مت كان الناس صنفان : شامت *** وآخر مثن بالذي أنا صانع

وجوز أن تكون الجملة نعتاً لها والخبر حينئذ محذوف أي ومعكم ، أو وهناك طائفة ، وتقدير ومنكم طائفة يقتضي أن يكون المنافقون داخلين في الخطاب بإنزال الأمنة وأياً ما كان فالجملة إما حالية مبينة لفظاعة الهول مؤكدة لعظم النعمة في الخلاص عنه ، وإما مستأنفة مسوقة لبيان حال المنافقين فالواو إما حالية وإما استئنافية وكونها بمعنى إذ ليس بشيء كما نص عليه أبو البقاء .

{ يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق } في موضع الحال من ضمير { أَهَمَّتْهُمْ } لا من { طَائِفَةٌ } وإن تخصصت لما في مجيء الحال من المبتدأ من المقال ، وجوز أن تكون صفة بعد صفة لطائفة ، أو خبراً بعد خبر ، أو هي الخبر و { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ } صفة أو مستأنفة مبينة لما قبلها وغير منصوب على المصدرية المؤكدة ؛ لأنه مضاف إلى مصدر محذوف وهو بحسب ما يضاف إليه أي غير الظن الحق وهو الذي يحق أن يظن به تعالى ، وقال بعضهم : إنه مفعول مطلق نوعي ، وقوله تعالى : { ظَنَّ الجاهلية } بدل مما قبله .

وقال ابن الحاجب : { غَيْرَ الحق } و { ظَنَّ } مصدران أحدهما للتشبيه والآخر تأكيد لغيره أي يقولون غير الحق ومفعولا { يَظُنُّونَ } محذوفان ، أي يظنون أن إخلاف وعده سبحانه حاصل ، وأبو البقاء يجعل { غَيْرَ الحق } مفعولاً أولاً أي أمراً غير الحق ، و { بالله } في موضع المفعول الثاني وإضافة { ظَنَّ } إلى الجاهلية ، قيل : إما من إضافة الموصوف إلى مصدر صفته ، ومعناها الاختصاص بالجاهلية كرجل صدق وحاتم الجود فهي على معنى اللام أي المختص بالصدق والجود فالياء مصدرية والتاء للتأنيث اللازم له ، وإما من إضافة المصدر إلى الفاعل على حذف المضاف أي ظن أهل الجاهلية أي الشرك والجهل بالله تعالى وهي اختصاصية حقيقية أيضاً .

{ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء } أي يقول بعضهم لبعض على سبيل الإنكار : هل لنا من النصر والفتح والظفر نصيب أي ليس لنا من ذلك شيء لأن الله سبحانه وتعالى لا ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم ، أو يقول الحاضرون منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة الاسترشاد : هل لنا من أمر الله تعالى ووعده بالنصر شيء ، واختاره بعض المحققين . والجملة قيل : إما حال أو خبر إثر خبر أو صفة إثر صفة أو مستأنفة مبينة لما قبلها ، أو بدل من { يَظُنُّونَ } وهو بدل الكل بحسب الصدق ، وبدل الاشتمال بحسب المفهوم ، واستشكل بأن قوله : { يَقُولُونَ هَل لَّنَا } الخ تفسير { *ليظنون } وترجمة له ، والاستفهام لا يكون ترجمة للخبر كما لا يصح أن تقول : أخبرني زيد قال : لا تذهب أو أمرني قال : لا تضرب ، أو نهاني قال : اضرب فإن المطابقة بين الحكاية والمحكي واجبة . وحاصل الإشكال أن متعلق الظن النسبة التصديقية ، فكيف يقع استفهام ترجمة له ؟ وأجيب بأن الاستفهام طلب علم فيما يشك ويظن فجاز أن يكون متعلق الظن وتحقيقه أن الظن أو العلم يتعلق بما يقال في جواب ذلك الاستفهام على ما ذكر في باب تعليق أفعال القلوب باستفهام ، ولا يخفى أن هذا إنماهو على تقدير كون الاستفهام حقيقياً ، وأما على تقدير كونه إنكارياً فلا إشكال ، ولا قيل ولا قال ؛ لأنه خبر في تطابق مع ما قبله في الخبرية ، وبعض من جعله إنكارياً ذهب إلى أن المعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا فلم يبق لنا من الأمر شيء ، وقد قال ذلك عبد الله بن أبيّ حين أخبره المنافقون بقتل بني الخزرج ثم قال : والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قيل : وظنهم السوء على هذا تصويبهم رأي عبد الله ومن تبعه ، وقيل : الاستفهام على ظاهره والمعنى هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ، و { مِنْ } الثانية سيف خطيب ، و { شَىْء } في موضع رفع على الابتداء ، وفي خبره كما قال أبو البقاء : وجهان ، أحدهما : { لَنَا } فمن الأمر حال ، والثاني : { مِنَ الأمر } فلنا تبيين وبه تتم الفائدة .

{ قُلْ } يا محمد { إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ } أي إن الشأن والغلبة الحقيقية لحزب الله تعالى ، وأوليائه فينصر رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويخذل أعداءه ويقهرهم وكنى بكون الغلبة لله تعالى عن كونها لأوليائه لكونهم من الله سبحانه بمكان ، أو أن القضاء أو التدبير له تعالى مخصوص به لا يشاركه فيه غيره فيفعل ما يشاء ويجري الأمور حسبما جرى به القلم في سابق القضاء ، وعلى هذا لا كناية في الكلام ، وجاء مؤكداً لما أن الكلام الذي وقع هو في مقابلته كذلك .

واستظهر في «البحر » من هذا الأمر كون الاستفهام فيما تقدمه باقياً على حقيقته ؛ إذ لو كان معناه نفي أن يكون لهم شيء من الأمر لم يجابوا بإثبات أن الأمر كله لله ، اللهم إلا أن يقدر مع جملة النفي جملة ثبوتية ليكون المعنى ليس لنا من الأمر شيء بل لغيرنا ممن حملنا على الخروج وأكرهنا عليه فحينئذ يمكن أن يكون ذلك جواباً لهذا المقدّر ، وفيه أنه لا حاجة إلى هذا التقدير على ذلك التقدير أيضاً أماإذا كان مرادهم نفي نصر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه فواضح لأن في هذا القول إثبات ذلك النصر على أتم وجه ، وأما إذا كان مرادهم أنه لم يبق لهم من الأمر شيء حيث منعوا تدبير أنفسهم فلأن في ذلك النفي إشعاراً بأن لهم تدبيراً وأنهم لو تركوا وتدبيرهم ما غمزت قناتهم وهذا الإثبات متكفل برد ذلك وإبطاله على وجه سترة عليه كما لا يخفى فلا أرى التقدير على ما فيه إلا من ضيق العطن ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب { كُلُّهُ } بالرفع على الابتداء والجار متعلق بمحذوف وقع خبراً له ، والجملة خبر { ءانٍ } ، وأما على قراءة النصب فكل توكيد لاسم { ءانٍ } و { لِلَّهِ } خبرها . وزعم أبو البقاء أنه يجوز أن يكون { كُلُّهُ } بدلاً من { الأمر } وفيه بعد .

{ يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم } أي يضمرون فيها أو يسرون فيما بينهم { مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } أي ما لا يستطيعون إظهاره لك ، والجملة إما استئناف أو حال من ضمير { يَقُولُونَ } وقوله سبحانه : { قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ } اعتراض بين الحال وصاحبها أي يقولون ما يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر ، مبطنين الإنكار والتكذيب وهذا ظاهر على الاحتمال الثاني في الآية الأولى ، والذاهب إلى حمل الاستفهام فيها على الإنكار يتعين عنده الاستئناف أو يجوز الخبرية ونحوها أيضاً على ما مر ، والجملة الجوابية اعتراضية في كل حال سوى احتمال الاستئنافية على الصحيح ، وأما جعل هذه الجملة حالاً من ضمير { قُلْ } والرابط لك ، فلا يخفى حاله .

{ يَقُولُونَ } أي في أنفسهم أو خفية لبعضهم إذ لو كان القول جهاراً لم يكونوا منافقين ، والجملة إما بدل من { يخافون } أو استئناف وقع جواباً عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل : ما الذي أخفوه ؟ فقيل ذلك ، ورجحه بعض المحققين بأنه أكثر فائدة وبأن القول إذا حمل على ظاهره لم يتفاوت القولان لأن قولهم { هَل لَّنَا } للمؤمنين ليس في حال قولهم { لَوْ كَانَ لَنَا } لأصحابهم ، وبدل الحال حال ، وأنت تعلم أن هذا الأخير مبني على أن القول الأول كان للمؤمنين وقد علمت أنه غير متعين ، وقيل : لأنه لا يجتمع قولان من متكلم واحد ، وفيه أن زمان الحال المقارن ليس مبنياً على التضييق كما لا يخفى ، ومن هنا علل بعض الفضلاء نفي المقارنة بترتب هذا على ما قبله وعدل عن هذا التعليل ، فان .

{ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَىْء مَّا قُتِلْنَا * هاهنا } على معنى لو كان لنا شيء من ذلك كما وعد محمد وادعى أن الأمر لله تعالى ولأوليائه { مَّا قُتِلْنَا } فكأن هذا في زعمهم ردّ لما أجيبوا به أولاً ، ويحتمل أن يكون المراد لو كان لنا اختيار وتدبير لم نبرح كما كان رأي ابن أبيّ وأتباعه ، ومعنى { مَّا قُتِلْنَا } ما غلبنا لأن القائلين ليسوا ممن قتل لاستحالته ، ويحتمل أن يكون الإسناد مجازياً بإسناد ما للبعض للكل ، فالمعنى لو كان لنا شيء من ذلك ما قتل من قتل منا في هذه المعركة ، ثم لا يخفى أن القول بالترتب يستدعي سبق نزول الآية الجوابية وسماعهم لها حتى يتأتى القول بزعم ردها بهذه الشبهة الفاسدة ، والظاهر من الآثار عدم نزولها ؛ إذ ذاك ، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن هذه الآية فقال : لما قتل من قتل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أتوا عبد الله بن أبيّ فقالوا له : ما ترى فقال : إنا والله ما نؤامر لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا . وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن جرير وخلق كثير عن الزبير رضي الله تعالى عنه قال : لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا أرسل الله تعالى علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم : { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَىْء مَّا قُتِلْنَا * هاهنا } فحفظتها منه ، وفي ذلك أنزل الله تعالى { ثُمَّ أَنزَلَ } إلى { هاهنا } وقد يقال : إن هذا القول منهم كالاستدلال على القول الأول وإن كلا القولين وقع منهم ابتداءاً وقصه الله تعالى علينا راداً له وهذا ظاهر على تقدير أن يكون الاستفهام إنكارياً وأما على تقدير أن يكون حقيقياً ففيه خفاء فتأمل .

{ قُلْ } يا محمد في جواب ذلك { لَوْ كُنتُمْ } أيها المنافقون { فِى بُيُوتِكُمْ } ومنازلكم بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم { لَبَرَزَ } أي لخرج لسبب من الأسباب الداعية إلى البروز { الذين كُتِبَ } في اللوح المحفوظ أو قدر في سابق علم الله تعالى { عَلَيْهِمُ القتل } في تلك المعركة { إلى مَضَاجِعِهِمْ } أي مصارعهم التي علم الله تعالى وقدر قتلهم فيها وقتلوا هناك البتة فإن قضاء الله تعالى لا يرد وحكمه لا يعقب ، وفيه من المبالغة في ردّ مقالتهم الباطلة ما لا يخفى ، وزعم بعض أن الظاهر الأبلغ أن يراد بمن كتب عليهم القتل ، الكفار القاتلون أي لخرج الذين يقتلون من بين قومهم إلى مضاجع المقتولين ولم ينج أحد منهم مع تحصنهم بالمدينة وتحفظهم في بيوتهم ولا يخفى بعده لما فيه من التفكيك ، ولأن الظاهر من { عَلَيْهِمْ } أنهم مقتولون لا قاتلون ، وقيل : المعنى لو لزمتم منازلكم أيها المنافقون والمرتابون وتخلفتم عن القتال لخرج إلى البراز ، المؤمنون الذين فرض عليهم القتال صابرين محتسبين فيقتلون ويقتلون ، ويؤول إلى قولنا : لو تخلفتم عن القتال لا يتخلف المؤمنون ، والمضاجع جمع مضجع فإن كان بمعنى المرقد فهو استعارة للمصرع ، وإن كان بمعنى محل امتداد البدن مطلقاً للحي والميت فهو حقيقة ، وقرىء { كتب } بالبناء للفاعل ، ونصب { القتل } و { كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال } و { لَبَرَزَ } بالتشديد على البناء للمفعول .

{ وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا في صُدُورِكُمْ } أي ليختبر الله تعالى ما في صدوركم بأعمالكم فإنه قد علمه غيباً ويريد أن يعلمه شهادة لتقع المجازاة عليه قاله الزجاج ، أو ليعاملكم معاملة المبتلي الممتحن قاله غير واحد ، وهو خطاب للمؤمنين واللام للتعليل ومدخولها علة لفعل مقدر قبل معطوف على علل أخرى مطوية للإيذان بكثرتها كأنه قيل : فعل ما فعل لمصالح جمة وليتلي الخ أو لفعل مقدر بعد أي وللابتلاء المذكور فعل ما فعل لا لعدم العناية بشأن أوليائه وأنصار نبيه صلى الله عليه وسلم مثلاً . والعطف على هذا عند بعض المحققين على قوله تعالى : { أَنزَلَ عَلَيْكُم } والفصل بينهما مغتفر لأن الفاصل من متعلقات المعطوف عليه لفظاً أو معنى ، وقيل : إنه لا حذف في الكلام وإنما هو معطوف على قوله تعالى : { لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ } [ آل عمران : 153 ] أي أثابكم بالغم لأمرين : عدم الحزن والابتلاء ، واستبعد بأن توسط تلك الأمور محتاج إلى نكتة حينئذٍ ، وهي غير ظاهرة ، وأبعد منه بل لا يكاد يقبل العطف على قوله تعالى :

{ لِيَبْتَلِيَكُمْ } [ آل عمران : 152 ] أي صرفكم عنهم ليبتليكم وليبتلي ما في صدوركم ، وجعله بعضهم معطوفاً على علة محذوفة وكلتا العلتين { لَبَرَزَ الذين } كأنه قيل لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم لنفاذ القضاء أو لمصالح جمة وللابتلاء .

واعترض بأن الذوق السليم يأباه فإن مقتضى المقام بيان حكمة ما وقع يومئذٍ من الشدة والهول لا بيان حكمة البروز المفروض ، وإنما جعل الخطاب للمؤمنين لأنهم المعتدّ بهم ولأن إظهار حالهم مظهر لغيرهم . وقيل : إنه لهم وللمنافقين أي ليبتلي ما في سرائركم من الإخلاص والنفاق ، وقيل : للمنافقين خاصة لأن سوق الآية لهم .

وظاهر قوله تعالى : { وَلِيُمَحّصَ مَا في قُلُوبِكُمْ } أي ليخلص ما فيها من الاعتقاد من الوسواس ، يرجح الأول : لأن المنافقين لا اعتقاد لهم ليمحص من الوساوس ويخلص منها ، ولعل القائلين بكون الخطاب للمنافقين فقط أو مع المؤمنين يفسرون التمحيص بالكشف والتمييز أي ليكشف ما في قلوبكم من مخفيات الأمور أو النفاق ويميزها ، إلا أن حمل التمحيص على هذا المعنى يجعل هذه الجملة كالتأكيد لما قبلها وإنما عبر بالقلوب هنا كما قيل : لأن التمحيص متعلق بالاعتقاد على ما أشرنا إليه وقد شاع استعمال القلب مع ذلك فيقال : اعتقد بقلبه ولا تكاد تسمعهم يقولون اعتقد بصدره أو آمن بصدره ، وفي القرآن { أُوْلَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمان } [ المجادلة : 22 ] وليس فيه كتب في صدورهم الإيمان ، نعم يذكر الصدر مع الإسلام كما في قوله تعالى : { أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام } [ الزمر : 22 ] ومن هنا قال بعض السادات : القلب مقر الإيمان ، والصدر محل الإسلام ، والفؤاد مشرق المشاهدة ، واللب مقام التوحيد الحقيقي ، ولعل الآية على هذا تؤول إلى قولنا ليبتلي إسلامكم وليمحص إيمانكم ، وربما يقال عبر بذلك مع التعبير فيما قبل بالصدور للتفنن بناءاً على أن المراد بالجمعين واحد .

{ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أي بما في القلوب التي في الصدور من الضمائر الخفية ووصفت بذلك لأنها لتمكنها من الصدور جعلت كأنها مالكة لها فذات بمعنى صاحبة لا بمعنى ذات الشيء ونفسه ، وفي الآية وعد ووعيد أو أحدهما فقط على الخلاف في الخطاب وفيها تنبيه على أن الله تعالى غني عن الابتلاء وإنما يبرز صورة الابتلاء لحكم يعلمها كتمرين المؤمنين أو إظهار حال المنافقين ، واختار الصدور ههنا لأن الابتلاء الغني عنه سبحانه كان متعلقاً بما فيها والتمحيص على المعنى الأول تصفية وتطهير وليس ذلك مما تشعر به هذه الجملة بأنه سبحانه غني عنه وإنما فعله لحكمة ، نعم إذا أريد به الكشف والتمييز يصح أن يقال : إن هذه الجملة مشعرة بأنه تعالى غني أيضاً . ومن هنا جوّز بعض المحققين كونها حالاً من متعلق الفعلين أي فعل ما فعل للابتلاء والكشف ، والحال أنه تعالى غني عنهما محيط بخفيات الأمور إلا أنه لا يظهر حينئذٍ سر التعبير عن الأسرار والخفيات بذات الصدور دون ذات القلوب مع أن التعبير الثاني أولى بها ؛ لأن القلوب محلها بلا واسطة ومحلية الصدور لها بحسب الظاهر بواسطة القلوب اللهم إلا أن يقال : إن ذات الصدور بمعنى الأشياء التي لا تكاد تفارق الصدور لكونها حالة فيها بل تلازمها وتصاحبها أشمل من ذات القلوب لصدق الأولى على الأسرار التي في القلوب وعلى القلوب أنفسها لأن كلاً من هذين الأمرين ملازم للصدور باعتبار كونه حالاً فيها دون الثانية لأنك لا تصدق إلا على الأسرار لأنها الحالة فيها دون الصدور فحينئذٍ يمكن أن يراد من ذات الصدور هذا المعنى الشامل ويكون التعبير بها لذلك .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً } أي وارداً من ألطافه ظهر في صورة النعاس وهو السكينة الرحمانية { يغشى طَائِفَةً مّنْكُمْ } وهم الصادقون في الطلب { وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } وهم أرباب النفوس فإنهم لا هم لهم سوى حظ نفوسهم واستيفاء لذاتها { يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق } بمقتضى سوء استعدادهم { يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء } أي إن الخلق حالوا بيننا وبين التدبير ولو لم يحولوا لفعلنا ما به صلاحنا { قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ } فهو المتصرف وحده حسبما يقتضيه الاستعداد فلا تدبير مع تدبيره ولا وجود لأحد سواه { يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم } الخبيثة { مَّا لاَ يُبْدُونَ } بزعمهم لك أيها المرشد الكامل { يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَىْء مَّا قُتِلْنَا } بسيف الشهوات { هاهنا } أي في هذه النشأة { قُل لَّوْ كُنتُمْ في بُيُوتِكُمْ } وهي منازل العدم الأصلي قبل ظهور هذه التعينات { لَبَرَزَ } على حسب العلم { الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل } في لوح الأزل { إلى مَضَاجِعِهِمْ } [ آل عمران : 154 ] وهي بيداء الشهوات ، فقد قال سبحانه : { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ في كتاب مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } [ الحديد : 22 ] أي نظهرها بهذا التعين ، وإنما فعل سبحانه ما فعل لحكم شتى { وليبتلي الله } تعالى { مَا في صُدُورِكُمْ } أي ليمتحن ما في استعدادكم من الصدق والإخلاص والتوكل ونحو ذلك من الأخلاق ويخرجها من القوة إلى الفعل { وَلِيُمَحّصَ مَا في قُلُوبِكُمْ } أي يخلص ما برز من مكمن الصدر إلى مخزن القلب من غش الوساوس وخواطر النفس فإن البلاء سوط يسوق الله تعالى به عباده إليه ، ولهذا ورد «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل » ولله تعالى در من قال :

لله در النائبات فإنها *** صدأ اللئام وصيقل الأحرار

ما كنت إلا زبرة فطبعنني *** سيفاً وأطلع صرفهن غراري

وذلك لأنهم حينئذٍ ينقطعون إلى الحق ولا يظهر على كل منهم إلا ما في مكمن استعداده كما قيل : عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان ، والخطاب في كلا الموضعين للمؤمنين ، وقيل : إن الخطاب الأول : للمنافقين ، والثاني : للمؤمنين وأنه سبحانه إنما خص الصدور بالأولين لأن الصدر معدن الغل والوسوسة فهو أوفق بحال المنافقين ، وخص القلوب بالآخرين لأن القلب مقر الإيمان والاطمئنان وهو أوفق بحال المؤمنين وأن نسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب قيل : ولهذا قال سبحانه : { والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } [ آل عمران : 154 ] بناءاً على أن المراد به الترهيب والتحذير عن الاتصال بما لا يرضى من تلك الصفات التي يكون الصدر مكمناً لها