مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} (52)

{ فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } .

اعلم أنه تعالى لما حكى بشارة مريم بولد مثل عيسى واستقصى في بيان صفاته وشرح معجزاته وترك ههنا قصة ولادته ، وقد ذكرها في سورة مريم على الاستقصاء ، شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات ، وأظهر لهم تلك الدلائل فهم بماذا عاملوه فقال تعالى : { فلما أحس عيسى منهم } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : الإحساس عبارة عن وجدان الشيء بالحاسة وههنا وجهان أحدهما : أن يجري اللفظ على ظاهره ، وهو أنهم تكلموا بالكفر ، فأحس ذلك بإذنه والثاني : أن نحمله على التأويل ، وهو أن المراد أنه عرف منهم إصرارهم على الكفر ، وعزمهم على قتله ، ولما كان ذلك العلم علما لا شبهة فيه ، مثل العلم الحاصل من الحواس ، لا جرم عبر عن ذلك العلم بالإحساس .

المسألة الثانية : اختلفوا في السبب الذي به ظهر كفرهم على وجوه الأول : قال السدي : أنه تعالى لما بعثه رسولا إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم إلى دين الله فتمردوا وعصوا فخافهم واختفي عنهم ، وكان أمر عيسى عليه السلام في قومه كأمر محمد صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فكان مستضعفا ، وكان يختفي من بني إسرائيل كما اختفي النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، وفي منازل من آمن به لما أرادوا قتله ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام خرج مع أمه يسيحان في الأرض ، فاتفق أنه نزل في قرية على رجل فأحسن ذلك الرجل ضيافته وكان في تلك المدينة ملك جبار فجاء ذلك الرجل يوما حزينا ، فسأله عيسى عن السبب فقال : ملك هذه المدينة رجل جبار ومن عادته أنه جعل على كل رجل منا يوما يطعمه ويسقيه هو وجنوده ، وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر علي ، فلما سمعت مريم عليها السلام ذلك ، قالت : يا بني ادع الله ليكفي ذلك ، فقال : يا أماه إن فعلت ذلك كان شر ، فقالت : قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه فقال عيسى عليه السلام : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ، فلما فعل ذلك دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخا ، وما في الخوابي خمرا ، فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذا الخمر ؟ فتعلل الرجل في الجواب فلم يزل الملك يطالبه بذلك حتى أخبره بالواقعة فقال : إن من دعا الله حتى جعل الماء خمرا إذا دعا أن يحيي الله تعالى ولدي لا بد وأن يجاب ، وكان ابنه قد مات قبل ذلك بأيام ، فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك ، فقال عيسى : لا نفعل ، فإنه إن عاش كان شرا ، فقال : ما أبالي ما كان إذا رأيته ، وإن أحييته تركتك على ما تفعل ، فدعا الله عيسى ، فعاش الغلام ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح واقتتلوا ، وصار أمر عيسى عليه السلام مشهورا في الخلق ، وقصد اليهود قتله ، وأظهروا الطعن فيه والكفر به .

والقول الثاني : إن اليهود كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في التوراة ، وأنه ينسخ دينهم ، فكانوا من أول الأمر طاعنين فيه ، طالبين قتله ، فلما أظهر الدعوة اشتد غضبهم ، وأخذوا في إيذائه وإيحاشه وطلبوا قتله .

والقول الثالث : إن عيسى عليه السلام ظن من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان أنهم لا يؤمنون به وأن دعوته لا تنجح فيهم فأحب أن يمتحنهم ليتحقق ما ظنه بهم فقال لهم { من أنصارى إلى الله } فما أجابه إلا الحواريون ، فعند ذلك أحس بأن من سوى الحواريين كافرون مصرون على إنكار دينه وطلب قتله .

أما قوله تعالى : { قال من أنصارى إلى الله } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : في الآية أقوال الأول : أن عيسى عليه السلام لما دعا بني إسرائيل إلى الدين ، وتمردوا عليه فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بجماعة من صيادي السمك ، وكان فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا ابنا زيدي وهم من جملة الحواريين الاثني عشر فقال عيسى عليه السلام : الآن تصيد السمك ، فإن تبعتني صرت بحيث تصيد الناس لحياة الأبد ، فطلبوا منه المعجزة ، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئا فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى ، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق منه ، واستعانوا بأهل سفينة أخرى ، وملؤوا السفينتين ، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام .

والقول الثاني : أن قوله { من أنصارى إلى الله } إنما كان في آخر أمره حين اجتمع اليهود عليه طلبا لقتله ، ثم ههنا احتمالات الأول : أن اليهود لما طلبوه للقتل وكان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثنى عشر من الحواريين : أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ؟ .

فأجابه إلى ذلك بعضهم وفيما تذكره النصارى في إنجيلهم : أن اليهود لما أخذوا عيسى سل شمعون سيفه فضرب به عبدا كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه ، فقال له عيسى : حسبك ثم أخذ أذن العبد فردها إلى موضعها ، فصارت كما كانت ، والحاصل أن الغرض من طلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه .

والاحتمال الثاني : أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة أخرى { فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } [ الصف : 14 ] .

المسألة الثانية : قوله { إلى الله } فيه وجوه الأول : التقدير : من أنصاري حال ذهابي إلى الله أو حال التجائي إلى الله والثاني : التقدير : من أنصاري إلى أن أبين أمر الله تعالى ، وإلى أن أظهر دينه ويكون إلى ههنا غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي ، ويظهر أمر الله تعالى الثالث : قال الأكثرون من أهل اللغة إلى ههنا بمعنى مع قال تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } [ النساء : 2 ] أي معها ، وقال صلى الله عليه وسلم : « الذود إلى الذود إبل » أي مع الذود .

قال الزجاج : كلمة { إلى } ليست بمعنى مع فإنك لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن تقول : ذهب زيد مع عمرو لأن { إلى } تفيد الغاية و { مع } تفيد ضم الشيء إلى الشيء ، بل المراد من قولنا أن { إلى } ههنا بمعنى { مع } هو أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي وكذلك المراد من قوله { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } [ النساء : 2 ] أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم ، وكذلك قوله عليه السلام : « الذود إلى الذود إبل » معناه : الذود مضموما إلى الذود إبل والرابع : أن يكون المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ضحى « اللهم منك وإليك » أي تقربا إليك ، ويقول الرجل لغيره عند دعائه إياه { إلى } أي انضم إلى ، فكذا ههنا المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله تعالى الخامس : أن يكون { إلى } بمعنى اللام كأنه قال : من أنصاري لله نظيره قوله تعالى : { قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق } [ يونس : 35 ] والسادس : تقدير الآية : من أنصاري في سبيل الله . و ( إلى ) بمعنى ( في ) جائز ، وهذا قول الحسن .

أما قوله تعالى : { قال الحواريون نحن أنصار الله } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : ذكروا في لفظ { الحواري } وجوها الأول : أن الحواري اسم موضوع لخاصة الرجل ، وخالصته ، ومنه يقال للدقيق حواري ، لأنه هو الخالص منه ، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير : « إنه ابن عمتي ، وحواري من أمتي » والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود ، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم .

القول الثاني : الحواري أصله من الحور ، وهو شدة البياض ، ومنه قيل للدقيق حواري ، ومنه الأحور ، والحور نقاء بياض العين ، وحورت الثياب : بيضتها ، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم ؟ فقال سعيد بن جبير : لبياض ثيابهم ، وقيل كانوا قصارين ، يبيضون الثياب ، وقيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحا لهم ، وإشارة إلى نقاء قلوبهم ، كالثوب الأبيض ، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب ، طاهر الذيل ، إذا كان بعيدا عن الأفعال الذميمة ، وفلان دنس الثياب : إذا كان مقدما على ما لا ينبغي .

القول الثالث : قال الضحاك : مر عيسى عليه السلام بقوم من الذين كانوا يغسلون الثياب ، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا ، والذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري ، وهو القصار فعربت هذه اللفظة فصارت حواري ، وقال مقاتل بن سليمان : الحواريون : هم القصارون ، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلا على خواص الرجل وبطانته .

المسألة الثانية : اختلفوا في أن هؤلاء الحواريين من كانوا ؟ .

فالقول الأول : إنه عليه السلام مر بهم وهم يصطادون السمك فقال لهم «تعالوا نصطاد الناس » قالوا : من أنت ؟ قال : «أنا عيسى ابن مريم ، عبد الله ورسوله » فطلبوا من المعجز على ما قال فلما أظهر المعجز آمنوا به ، فهم الحواريون .

القول الثاني : قالوا : سلمته أمه إلى صباغ ، فكان إذا أراد أن يعلمه شيئا كان هو اعلم به منه وأراد الصباغ أن يغيب لبعض مهماته ، فقال له : ههنا ثياب مختلفة ، وقد علمت على كل واحد علامة معينة ، فاصبغها بتلك الألوان ، بحيث يتم المقصود عند رجوعي ، ثم غاب فطبخ عيسى عليه السلام جبا واحدا ، وجعل الجميع فيه وقال : «كوني بإذن الله كما أريد » فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال : قد أفسدت علي الثياب ، قال : «قم فانظر » فكان يخرج ثوبا أحمر ، وثوبا أخضر ، وثوبا أصفر كما كان يريد ، إلى أن أخرج الجميع على الألوان التي أرادها ، فتعجب الحاضرون منه ، وآمنوا به فهم الحواريون .

القول الثالث : كان الحواريون اثني عشر رجلا اتبعوا عيسى عليه السلام ، وكانوا إذا قالوا : يا روح الله جعنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، فيخرج لكل واحد رغيفان ، وإذا عطشوا قالوا يا روح الله : عطشنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، فيخرج الماء فيشربون ، فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا ، وإذا شئنا سقيتنا ، وقد آمنا بك فقال : «أفضل منكم من يعمل بيده ، ويأكل من كسبه » فصاروا يغسلون الثياب بالكراء ، فسموا حواريين .

القول الرابع : أنهم كانوا ملوكا قالوا وذلك أن واحدا من الملوك صنع طعاما ، وجمع الناس عليه ، وكان عيسى عليه السلام على قصعة منها ، فكانت القصعة لا تنقص ، فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك ، فقال : تعرفونه ، قالوا : نعم ، فذهبوا بعيسى عليه السلام ، قال : من أنت ؟ قال : أنا عيسى بن مريم ، قال فإني أترك ملكي وأتبعك فتبعه ذلك الملك مع أقاربه ، فأولئك هم الحواريون قال القفال : ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك ، وبعضهم من صيادي السمك ، وبعضهم من القصارين ، والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام ، وأعوانه ، والمخلصين في محبته ، وطاعته ، وخدمته .

المسألة الثالثة : المراد من قوله { نحن أنصار الله } أي نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه ، لأن نصرة الله تعالى في الحقيقة محال ، فالمراد منه ما ذكرناه .

أما قوله { آمنا بالله } فهذا يجري مجرى ذكر العلة ، والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله ، لأجل أنا آمنا بالله ، فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله ، والذب عن أوليائه ، والمحاربة مع أعدائه .

ثم قالوا : { واشهد بأنا مسلمون } وذلك لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم ، إشهاد لله تعالى أيضا ، ثم فيه قولان الأول : المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك ، والذب عنك ، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه الثاني : أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام ، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} (52)

33

ومن بشارة الملائكة لمريم بابنها المنتظر ، وصفاته ورسالته ومعجزاته وكلماته ، هذه التي ذكرت ملحقة بالبشارة . . ينتقل السياق مباشرة إلى إحساسه - عليه السلام - بالكفر من بني إسرائيل ، وإلى طلبه الأنصار لإبلاغ دين الله :

( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال : من أنصاري إلى الله ؟ قال الحواريون : نحن أنصار الله ، آمنا بالله ، واشهد بأنا مسلمون . ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) .

وهنا فجوة كبيرة في السياق . فإنه لم يذكر أن عيسى قد ولد بالفعل ؛ ولا أن أمه واجهت به القوم فكلمهم في المهد ؛ ولا أنه دعا قومه وهو كهل ؛ ولا أنه عرض عليهم هذه المعجزات التي ذكرت في البشارة لأمه [ كما جاء في سورة مريم ] . . وهذه الفجوات ترد في القصص القرآني ، لعدم التكرار في العرض من جهة ، وللاقتصار على الحلقات والمشاهد المتعلقة بموضوع السورة وسياقها من جهة أخرى . .

والأن لقد أحس عيسى الكفر من بني إسرائيل - بعد ما أراهم كل تلك المعجزات التي لا تتهيأ لبشر ؛ والتي تشهد بأن الله وراءها ، وأن قوة الله تؤيدها ، وتؤيد من جاءت على يده . ثم على الرغم من أن المسيح جاء ليخفف عن بني إسرائيل بعض القيود والتكاليف . .

عندئذ دعا دعوته :

( قال : من أنصاري إلى الله ) ؟ . .

من أنصاري إلى دين الله ودعوته ومنهجه ونظامه ؟ من أنصاري إلى الله لأبلغ إليه ، وأؤدي عنه ؟

ولا بد لكل صاحب عقيدة ودعوة من أنصار ينهضون معه ، ويحملون دعوته ، ويحامون دونها ، ويلغونها إلى من يليهم ، ويقومون بعده عليها . .

( قال الحواريون : نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ) .

فذكروا الإسلام بمعناه الذي هو حقيقة الدين ، وأشهدوا عيسى - عليه السلام - على إسلامهم هذا وانتدابهم لنصرة الله . . أي نصرة رسوله ودينه ومنهجه في الحياة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} (52)

{ فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر } شروع في بيان مآل أحواله عليه السلام ، وقيل : يحتمل أن يكون كله من قبل الملائكة شرحاً لطرف منها داخلاً تحت القول ، ويحتمل أن يكون الكلام قد تم عند قوله تعالى : { وَرَسُولاً إلى بَنِى إسراءيل } [ آل عمران : 49 ] ولا يكون { أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } [ آل عمران : 49 ] متعلقاً بما قبله ، ولا يكون داخلاً تحت القول ويكون المحذوف هناك فجاء عيسى كما بشر الله تعالى رسولاً إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم الآية ، والفاء هنا مفصحة بمثل القدر هناك على التقدير الثاني ، وأصل الإحساس الإدراك بإحدى الحواس الخمس الظاهرة ، وقد استعير هنا استعارة تبعية للعلم بلا شبهة ، وقيل : إنه مجاز مرسل عن ذلك ، من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم والداعي لذلك أن الكفر مما لا يحس ، والقول بأن المراد إحساس آثار الكفر ليس بشيء ، والمراد من الكفر إصرارهم عليه وعتوهم فيه مع العزيمة على إيقاع مكروه به عليه السلام ، وقد صح أنه عليه السلام لقي من اليهود قاتلهم الله تعالى شدائد كثيرة .

أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «كان اليهود يجتمعون على عيسى عليه السلام ويستهزءون به ويقولون له : يا عيسى ما أكل فلان البارحة وما ادخر في بيته لغد ؟ا فيخبرهم ويسخرون منه حتى طال ذلك به وبهم وكان عيسى عليه السلام ليس له قرار ولا موضع يعرف إنما هو سائح في الأرض فمر ذات يوم بامرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فسألها فقالت : ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها فصلى عيسى ركعتين ثم نادى يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبر . ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب فقالت : يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين ؟ يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا يا روح الله سل ربي أن يردني إلى الآخرة وأن يهون عليَّ كرب الموت/ فدعا ربه فقبضها إليه فاستوت عليها الأرض فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً » وروي عن مجاهد أنهم أرادوا قتله ولذلك استنصر قومه ، و من لابتداء الغاية ، متعلق بأحس أي ابتدأ الإحساس من جهتهم ؛ وجوز أبو البقاء أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الكفر أي لما أحس الكفر حال كونه صادراً منهم .

{ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله } المقول لهم الحواريون كما يشير إليه آية الصف ( 14 ) { كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ } الآية . وكونه جميع بني إسرائيل لقوله تعالى :

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ أنصار الله كَمَا } [ الصف : 14 ] ليس بشيء ؛ إذ الآية ليست بنص في المدعى إذ يكفي في تحقق الانقسام بلوغ الدعوة إلى الجميع ، و الأنصار جمع نصير كالأشراف جمع شريف ، وقال قوم : هو جمع نصر ، وضعفه أبو البقاء إلا أن يقدر فيه مضاف أي من صاحب نصري ، أو تجعله مصدراً وصف به ، والجار والمجرور إما أن يتعلق بمحذوف وقع حالاً من الياء وهي مفعول به معنى ، والمعنى من ينصرني حال كوني ملتجئاً إلى الله تعالى أو ذاهباً إلى الله ، وإما أن يتعلق بأنصاري مضمناً معنى الإضافة أي من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله في نصري ، وفي «الكشاف » في تفسير سورة الصف ما حاصله مما يخالف ما ذكره هنا أن إضافة أنصار للياء إضافة ملابسة أي من حزبي ومشاركي في توجهي لنصرة الله تعالى ليطابق جوابهم الآتي ولا يصح أن يكون معناه من ينصرني مع الله لعدم المطابقة ، وفيه أن عدم المطابقة غير مسلم ؛ إذ نصرة الله تعالى في الجواب ليست على ظاهرها بل لا بد من تجوز ، أو إضمار في نصرهم لله تعالى ، ويضمر ما تحصل به المطابقة ، نعم كون { إلى } بمعنى مع لا يخلو عن شيء فقد ذكر الفراء أنها إنما تكون كذلك إذا ضم شيء إلى آخر نحو الذود إلى الذود إبل أي إذا ضممته إليه صار إبلاً ، ألا تراك تقول قدم زيد ومعه مال ، ولا تقول : وإليه وكذا نظائره فالسالم عن هذا الحمل من التفاسير مع اشتماله على قلة الاضمار أولى ، و { مِنْ } هنا اختار بعضهم كون إلى بمعنى اللام ، وآخرون كونها بمعنى في . وقال في «الكشف » : لعل الأشبه في معنى الآية والله تعالى أعلم ، أن يحمل على معنى من ينصرني منهياً نصره إلى الله تعالى كما يقتضيه حرف الانتهاء دون تضمين ، كأنه عليه السلام طلب منهم أن ينصروه لله تعالى لا لغرض آخر مدمجاً أن نصرة الله تعالى في نصرة رسوله ، وجوابهم المحكي عنهم بقوله سبحانه :

{ قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله } شديد الطباق له كأنهم قالوا : نحن ناصروك لأنه نصر الله تعالى للغرض الذي رمز إليه ، ولو قالوا مكانه : نحن أنصارك لما وقع هذا الموقع انتهى . وأنت تعلم أن جعل { إلى } بمعنى اللام ، أو في التعليليتين يحصل طلبة المسيح التي أشير إليها على وجه ، لعله أقل تكلفاً مما ذكر ، وكأن اختيار ذلك لما قاله الزجاج من أنه لا يجوز أن يقال : إن بعض الحروف من حروف المعاني بمعنى الآخر لكن الحرفين قد يتقاربان في الفائدة في ظن الضعيف العلم باللغة أن معناهما واحد وليس بذلك فليفهم ، و الحواريون جمع حواري يقال : فلان حواري فلان أي خاصته من أصحابه وناصره ، وليس الحواري جمعاً ككراسي على ما وهم بل هو مفرد منصرف كما صرح به المحققون ، وذكر العلامة التفتازاني أنه مفرد وألفه من تغييرات النسب ؛ وفيه أن الألف إذا زيدت في النسبة وغيرت بها تخفف الياء في الأفصح في أمثاله ، والحواري بخلافه ؛ لأن تخفيف يائه شاذ كما صرحوا به ، وبه قرئ في الآية ، وأصله من التحوير أي التبييض ، ومنه الخبز الحواري الذي نخل مرة بعد أخرى ؛ والحواريات للحضريات نساء المدن والقرى لما أنه يغلب فيهن البياض لعدم البروز للشمس ، ويطلق الحواري على القصار أيضاً لأنه/ يبيض الثياب وهو بلغة النبط ، هواري بضم الهاء وتشديد الواو وفتح الراء قاله الضحاك واختلف في سبب تسمية أولئك القوم بذلك فقيل : سموا بذلك لبياض ثيابهم وهو المروي عن سعيد بن جبير وقيل : لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب للناس وهو المروي عن مقاتل وجماعة وقيل : لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم وإليه يشير كلام قتادة وفي تعيين أنهم من أي الطوائف من الناس خلاف أيضاً فقيل : قوم كانوا يصطادون السمك فيهم يعقوب ، وشمعون ، ويوحنا فمر بهم عيسى عليه السلام فقال لهم : أنتم تصيدون السمك فإن اتبعتموني صرتم بحيث تصيدون الناس بالحياة الأبدية ؟ فقالوا له من أنت ؟ قال : عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله فطلبوا منه المعجزة ، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة فما اصطاد شيئاً فأمر عيسى عليه السلام بإلقائها في الماء مرة أخرى ففعل فاصطاد ما ملأ سفينتين فعند ذلك آمنوا به عليه السلام ، وقيل : هم اثنا عشر رجلاً ، أو تسعة وعشرون من سائر الناس اتبعوا عيسى عليه السلام وكانوا إذا جاعوا قالوا : يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان ، وإذا عطشوا قالوا : عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئنا أسقيتنا وقد آمنا بك ؟ فقال : أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكراء ويأكلون ، وقيل : إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه وكان عيسى عليه السلام على قصعة فكانت القصعة لا تنقص فذكر ذلك للملك فذهب إليه الملك مع أقاربه فقالوا له : من أنت ؟ قال : عيسى ابن مريم فقال الملك : إني تارك ملكي ومتبعك فتبعه مع أقاربه فأولئك هم الحواريون ، وقيل : إن أمه دفعته إلى صباغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً وجده أعلم به منه فغاب الصباغ يوماً لمهم وقال له : ههنا ثياب مختلفة وقد جعلت على كل منها علامة فاصبغها بتلك الألوان فطبخ عيسى عليه السلام حباً واحداً وجعل الجميع فيه ، وقال : كوني بإذن الله كما أريد فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال : أفسدت على الثياب قال : قم فانظر فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما كان يريد فتعجب الحاضرون منه وآمنوا به وكانوا الحواريين ، ونقل جمع عن القفال أنه يجوز أن يكون بعضهم من الملوك ، وبعضهم من الصيادين ، وبعضهم من القصارين ، وبعضهم من الصباغين ، وبعضهم من سائر الناس وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام والمخلصين في محبته وطاعته .

والاشتقاق كيف كانوا هو الاشتقاق ، ومأخذه إما أن يؤخذ حقيقياً وإما أن يؤخذ مجازياً وهو الأوفق بشأن أولئك الأنصار ، وقيل : إنه مأخوذ من حار بمعنى رجع ومنه قوله تعالى : { إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } [ الإنشقاق : 14 ] وكأنهم سموا بذلك لرجوعهم إلى الله تعالى .

ومن الناس من فسر الحواري بالمجاهد فإن أريد بالجهاد ما هو المتبادر منه أشكل ذلك حيث إنه لم يصح أن عيسى عليه السلام أمر به ؛ وادعاه بعضهم مستدلاً بقوله تعالى : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ أنصار الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أنصارى } [ الصف : 14 ] ولا يخفى أن الآية ليست نصاً في المقصود لجواز أن يراد بالتأييد ، التأييد بالحجة وإعلاء الكلمة ، وإن أريد بالجهاد جهاد النفس بتجريعها مرائر التكاليف لم يشكل ذلك . نعم استشكل أن عيسى عليه السلام إذا لم يكن مأموراً بالقتال فما معنى طلبه الأنصار ؟ وأجيب بأنه عليه السلام لما علم أن اليهود يريدون قتله استنصر للحماية منهم كما قاله الحسن ومجاهد ولم يستنصر للقتال معهم على الإيمان بما جاء به ، وهذا هو الذي لم يؤمر به لا ذلك بل ربما يدعى أن ذلك مأمور به لوجوب المحافظة/ على حفظ النفس ، وقد روي أن اليهود لما طلبوه ليقتلوه قال للحواريين : أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى فيه شبهي فيقتل مكاني ؟ فأجابه إلى ذلك بعضهم ، وفي بعض الأناجيل أن اليهود لما أخذوا عيسى عليه السلام ، سل شمعون سيفه ، فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بإذنه ، فقال له عيسى عليه السلام : حسبك ، ثم أدنى أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت ، وقيل : يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة ولتمييز الموافق من المخالف وذلك لا يستدعي الأمر بالجهاد كما أمر نبينا روح جسد الوجود صلى الله عليه وسلم وهو الظاهر لمن أنصف ، والمراد من أنصار الله ، أنصار دينه ورسوله وأعوانهما على ما هو المشهور .

{ ءامَنَّا بالله } مستند لتلك الدعوى جارية مجرى العلة لها { واشهد } عطف على { مِنَ } ولا يضر اختلافهما إنشائية وإخبارية لما تحقق في محله ، وقيل : إن { مِنَ } لإنشاء الإيمان أيضاً فلا اختلاف { بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي منقادون لما تريده منا ويدخل فيه دخولاً أولياً نصرتهم له ، أو بأن ديننا الإسلام الذي هو دين الأنبياء من قبلك فهو إقرار معنى بنبوة من قبله عليه السلام وهذا طلب منهم شهادته عليه السلام لهم يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم إيذاناً كما قال الكرخي بأن مرمى غرضهم السعادة الأخروية وجاء في المائدة ( 111 ) { بِأَنَّنَا } لأن ما فيها كما قيل أول كلام الحواريين فجاء على الأصل ، وما هنا تكرار له بالمعنى فناسب فيه التخفيف لأن كلاً من التخفيف والتكرار فرع ، والفرع بالفرع أولى .

( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { فَلَمَّا أَحَسَّ } أي شاهد عيسى بواسطة النور الإلهي المشرق عليه { مِنْهُمُ الكفر } أي ظلمته ، أو نفسه فإن المعاني تظهر للكمل على صور مختلفة باختلافها فيرونها . وحكي عن الباز قدس سره أنه قال : إن الليل والنهار يأتياني فيخبراني بما يحدث فيهما ، وعن بعض العارفين أنه يشاهد أعمال العباد كيف تصعد إلى السماء ويرى البلاء النازل منها { قَالَ مَنْ أَنصَارِى } في حال دعوتي { إِلَى الله } سبحانه بأن يلتفت إلى الاشتغال بتكميل نفسه وتهذيب أخلاقها حتى يصلح لتربية الناقصين فينصرني ويعينني في تكميل الناقص وإرشاد الضال { قَالَ الحواريون } المبيضون ثياب وجودهم بمياه العبادة ومطرقة المجاهدة وشمس المراقبة { نَحْنُ أَنْصَارُ الله } أي أعوان الفانين فيه الباقين به ومنهم عيسى عليه السلام { بالله فَإِذَا } الإيمان الكامل { واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 52 ] أي منقادون لأمرك حيث إنه أمر الله سبحانه