مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (52)

ولما بين الله تعالى كيفية أقسام الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام ، قال : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } والمراد به القرآن وسماه روحا ، لأنه يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر .

ثم قال تعالى : { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } واختلف العلماء في هذه الآية مع الإجماع على أنه لا يجوز أن يقال الرسل كانوا قبل الوحي على الكفر ، وذكروا في الجواب وجوها ( الأول ) { ما كنت تدري ما الكتاب } أي القرآن { ولا الإيمان } أي الصلاة ، لقوله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي صلاتكم ( الثاني ) أن يحمل هذا على حذف المضاف ، أي { ما كنت تدري ما الكتاب } ومن أهل الإيمان ، يعني من الذي يؤمن ، ومن الذي لا يؤمن ( الثالث ) { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } حين كنت طفلا في المهد ( الرابع ) الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به . وإنه قبل النبوة ما كان عارفا بجميع تكاليف الله تعالى ، بل إنه كان عارفا بالله تعالى ، وذلك لا ينافي ما ذكرناه ( الخامس ) صفات الله تعالى على قسمين : منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقل ، ومنها ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية . فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوة .

ثم قال تعالى : { ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } واختلفوا في الضمير في قوله { ولكن جعلناه } منهم من قال إنه راجع إلى القرآن دون الإيمان لأنه هو الذي يعرف به الأحكام ، فلا جرم شبه بالنور الذي يهتدي به ، ومنهم من قال إنه راجع إليهما معا ، وحسن ذلك لأن معناهما واحد كقوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } .

ثم قال : { نهدي به من نشاء من عبادنا } وهذا يدل على أنه تعالى بعد أن جعل القرآن نفسه في نفسه هدى كما قال : { هدى للمتقين } فإنه قد يهدي به البعض دون البعض وهذه الهداية ليست إلا عبارة عن الدعوة وإيضاح الأدلة لأنه تعالى قال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } وهو يفيد العموم بالنسبة إلى الكل وقوله { نهدي به من نشاء من عبادنا } يفيد الخصوص فثبت أن الهداية بمعنى الدعوة عامة والهداية في قوله { نهدي به من نشاء من عبادنا } خاصة والهداية الخاصة غير الهداية العامة فوجب أن يكون المراد من قوله { نهدي به من نشاء من عبادنا } أمرا مغايرا لإظهار الدلائل ولإزالة الأعذار ، ولا يجوز أيضا أن يكون عبارة عن الهداية إلى طريق الجنة لأنه تعالى قال : { ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } أي جعلنا القرآن نورا نهدي به من نشاء ، وهذا لا يليق إلا بالهداية التي تحصل في الدنيا ، وأيضا فالهداية إلى الجنة عندكم في حق البعض واجب ، وفي حق الآخرين محظور ، وعلى التقديرين فلا يبقى لقوله { من نشاء من عبادنا } فائدة ، فثبت أن المراد أنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ولا اعتراض عليه فيه .

ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } فبين تعالى أنه كما أن القرآن يهدي فكذلك الرسول يهدي ، وبين أنه يهدي إلى صراط مستقيم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (52)

( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان . ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا . وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم . صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض . ألا إلى الله تصير الأمور ) .

( وكذلك ) . بمثل هذه الطريقة ، وبمثل هذا الاتصال . ( أوحينا إليك ) . . فالوحي تم بالطريقة المعهودة ، ولم يكن أمرك بدعا . أوحينا إليك ( روحاً من أمرنا ) . . فيه حياة ، يبث الحياة ويدفعها ويحركها وينميها في القلوب وفي الواقع العملي المشهود . ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) . . هكذا يصور نفس رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو أعلم بها ، قبل أن تتلقى هذا الوحي . وقد سمع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن الكتاب وسمع عن الإيمان ، وكان معروفاً في الجزيرة العربية أن هناك أهل كتاب فيمن معهم ، وأن لهم عقيدة ، فليس هذا هو المقصود . إنما المقصود هو اشتمال القلب على هذه الحقيقة والشعور بها والتأثر بوجودها في الضمير . وهذا ما لم يكن قبل هذا الروح من أمر الله الذي لابس قلب محمد - عليه صلوات الله .

( ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء ) . . وهذه طبيعته الخالصة . طبيعة هذا الوحي . هذا الروح . هذا الكتاب . إنه نور . نور تخالط بشاشته القلوب التي يشاء لها الله أن تهتدي به ، بما يعلمه من حقيقتها ، ومن مخالطة هذا النور لها .

( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) . . وهناك توكيد على تخصيص هذه المسألة ، مسألة الهدى ، بمشيئة الله سبحانه ، وتجريدها من كل ملابسة ، وتعليقها بالله وحده يقدرها لمن يشاء بعلمه الخاص ، الذي لا يعرفه سواه ؛ والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] واسطة لتحقيق مشيئة الله ، فهو لا ينشى ء الهدى في القلوب ؛ ولكن يبلغ الرسالة ، فتقع مشيئة الله .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (52)

{ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } يعني ما أوحي إليه ، وسماه روحا لأن القلوب تحيا به ، وقيل جبريل والمعنى أرسلناه إليك بالوحي . { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } أي قبل الوحي ، وهو دليل على أنه لم يكن متعبدا قبل النبوة بشرع . وقيل المراد هو الإيمان بما لا طريق إليه إلا السمع . { ولكن جعلناه } أي الروح أو الكتاب أو الإيمان . { نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } بالتوفيق للقبول والنظر فيه . { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } هو الإسلام ، وقرئ " لتهدي " أي ليهديك الله .