فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (52)

{ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } .

ومثلما أنزلنا من كلامنا على أنبيائنا الذين بعثوا من قبلك أنزلنا عليك وحيا من أمرنا فيه حياة القلوب والعقول فهو روحها .

{ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } .

نعمة الله الكبرى أن هدانا للقرآن والإيمان ، ومن عجيب صنع المولى القدير أن ينزل الذكر الحكيم على نبيّ أميّ ، فتلك معجزة دامغة ، وحجة بالغة : { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون }{[4280]} ولئن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد حفظه الله من الشرك قبل مبعثه ، فهو بهذا مؤمن ؛ لكن-كما قال المفسرون- لم يكن يعلم أنه سيكون رسولا ، وبهذا يكون غير عالم- قبل البعثة- بكل مطالب الإيمان ، فصدق فيه ما أشار إليه القول الرباني الحكيم { . . ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان . . } ما كنت قبل نزول القرآن تعرف منهاجه ولا تعرف ما به تمام الإيمان ، وما دريت ذلك إلا بالوحي .

{ ولكن جعلناه نورا } .

وإنما أنزلنا إليك الكتاب المجيد ضياء للبصائر والقلوب : { . . قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين }{[4281]} { يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا }{[4282]} ، والضمير في { جعلناه } عائد على { روحا } .

{ نهدي به من نشاء من عبادنا } .

نشرح به صدر من نحب من عبادنا ممن أحبوا الهداية : { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى }{[4283]} ؛

{ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( 52 ) } .

وإنك يا محمد بتبليغ القرآن وتلاوته وتعليمه وتبيينه والتزكية به تدعو وتهدي إلى طريق تامة الاعتدال والاستقامة ، محققة الخير والسعادة والكرامة ، لكل من سار على نهجها دون عوج : { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه . . }{[4284]} تدعو إلى دين قويم لا اعوجاج فيه .


[4280]:سورة العنكبوت. الآية 48..
[4281]:سورة المائدة. الآية 15.
[4282]:سورة النساء. الآية 174.
[4283]:سورة مريم. من الآية 76.
[4284]:سورة المائدة. من الآية 16.