{ بسم الله الرحمن الرحيم والعاديات ضبحا }
اعلم أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدت ، وهو صوت ليس بصهيل ولا حمحمة ، ولكنه صوت نفس ، ثم اختلفوا في المراد بالعاديات على قولين :
الأول : ما روى عن علي عليه السلام وابن مسعود أنها الإبل ، وهو قول إبراهيم والقرظي روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : «بينا أنا جالس في الحجر إذ أتاني رجل فسألني عن العاديات ضبحا ، ففسرتها بالخيل فذهب إلى علي عليه السلام وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت ، فقال : ادعه لي فلما وقفت على رأسه ، قال : تفتي الناس بما لا علم لك به ، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد ( والعاديات ضبحا ) الإبل من عرفة إلى مزدلفة ، ومن المزدلفة إلى منى ، يعني إبل الحاج ، قال ابن عباس : فرجعت عن قولي إلى قول علي عليه السلام » ويتأكد هذا القول بما روى أبي في فضل السورة مرفوعا : «من قرأها أعطي من الأجر بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعا » وعلى هذا القول : { فالموريات قدحا } أن الحوافر ترمى بالحجر من شدة العدو فتضرب به حجرا آخر فتورى النار أو يكون المعنى الذين يركبون الإبل وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم بالمزدلفة { فالمغيرات } الإغارة سرعة السير وهم يندفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى منى { فأثرن به نفعا } يعني غبارا بالعدو وعن محمد بن كعب النقع ما بين المزدلفة إلى منى { فوسطن به جمعا } يعني مزدلفة لأنها تسمى الجمع لاجتماع الحاج بها ، وعلى هذا التقدير ، فوجه القسم به من وجوه ( أحدها ) : ما ذكرنا من المنافع الكثيرة فيه في قوله : { أفلا ينظرون إلى الإبل } ( وثانيها ) : كأنه تعريض بالآدمي الكنود فكأنه تعالى يقول : إني سخرت مثل هذا لك وأنت متمرد عن طاعتي ( وثالثها ) : الغرض بذكر إبل الحج الترغيب في الحج ، كأنه تعالى يقول : جعلت ذلك الإبل مقسما به ، فكيف أضيع عملك ! وفيه تعريض لمن يرغب الحج ، فإن الكنود هو الكفور ، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك ، كما في قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت } إلى قوله : { ومن كفر } .
القول الثاني : قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعطاء وأكثر المحققين : أنه الخيل ، وروي ذلك مرفوعا . قال الكلبي : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى أناس من كنانة فمكث ما شاء الله أن يمكث لا يأتيه منهم خبر فتخوف عليها . فنزل جبريل عليه السلام بخبر مسيرها ، فإن جعلنا الألف واللام في : { والعاديات } للمعهود السابق كان محل القسم خيل تلك السرية ، وإن جعلناهما للجنس كان ذلك قسما بكل خيل عدت في سبيل الله .
واعلم أن ألفاظ هذه الآيات تنادي أن المراد هو الخيل ، وذلك لأن الضبح لا يكون إلا للفرس ، واستعمال هذا اللفظ في الإبل يكون على سبيل الاستعارة ، كما استعير المشافر والحافر للإنسان ، والشفتان للمهر ، والعدول من الحقيقة إلى المجاز بغير ضرورة لا يجوز ، وأيضا فالقدح يظهر بالحافر ما لا يظهر بخف الإبل ، وكذا قوله : { فالمغيرات صبحا } لأنه بالخيل أسهل منه بغيره ، وقد روينا أنه ورد في بعض السرايا ، وإذا كان كذلك فالأقرب أن السورة مدنية ، لأن الإذن بالقتال كان بالمدينة ، وهو الذي قاله الكلبي : إذا عرفت ذلك فههنا مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى إنما أقسم بالخيل لأن لها في العدو من الخصال الحميدة ما ليس لسائر الدواب ، فإنها تصلح للطلب والهرب والكر والفر ، فإذا ظننت أن النفع في الطلب عدوت إلى الخصم لتفوز بالغنيمة ، وإذا ظننت أن المصلحة في الهرب قدرت على أشد العدو ، ولا شك أن السلامة إحدى الغنيمتين ، فأقسم تعالى بفرس الغازي لما فيه من منافع الدنيا والدين ، وفيه تنبيه على أن الإنسان يجب عليه أن يمسكه لا للزينة والتفاخر ، بل لهذه المنفعة ، وقد نبه تعالى على هذا المعنى في قوله : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } فأدخل لام التعليل على الركوب وما أدخله على الزينة وإنما قال : { صبحا } لأنه أمارة يظهر به التعب وأنه يبذل كل الوسع ولا يقف عند التعب ، فكأنه تعالى يقول : إنه مع ضعفه لا يترك طاعتك ، فليكن العبد في طاعة مولاه أيضا كذلك .
المسألة الثانية : ذكروا في انتصاب { ضبحا } وجوها ( أحدها ) : قال الزجاج : والعاديات تضبح ضبحا ( وثانيها ) : أن يكون { والعاديات } في معنى والضابحات ، لأن الضبح يكون مع العدو ، وهو قول الفراء ( وثالثها ) : قال البصريون : التقدير : والعاديات ضابحة ، فقوله : { ضبحا } نصب على الحال .
سورة العاديات مكية وآياتها إحدى عشرة
يجري سياق هذه السورة في لمسات سريعة عنيفة مثيرة ، ينتقل من إحداها إلى الأخرى قفزا وركضا ووثبا ، في خفة وسرعة وانطلاق ، حتى ينتهي إلى آخر فقرة فيها فيستقر عندها اللفظ والظل والموضوع والإيقاع ! كما يصل الراكض إلى نهاية المطاف !
وتبدأ بمشهد الخيل العادية الضابحة ، القادحة للشرر بحوافرها ، المغيرة مع الصباح ، المثيرة للنقع وهو الغبار ، الداخلة في وسط العدو فجأة تأخذه على غرة ، وتثير في صفوفه الذعر والفرار !
يليه مشهد في النفس من الكنود والجحود والأثرة والشح الشديد !
ثم يعقبه مشهد لبعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور !
وفي الختام ينتهي النقع المثار ، وينتهي الكنود والشح ، وتنتهي البعثرة والجمع . . إلى نهايتها جميعا . إلى الله . فتستقر هناك : ( إن ربك بهم يومئذ لخبير ) . . .
والإيقاع الموسيقي فيه خشونة ودمدمة وفرقعة ، تناسب الجو الصاخب المعفر الذي تنشئه القبور المبعثرة ، والصدور المحصل ما فيها بشدة وقوة ، كما تناسب جو الجحود والكنود ، والأثرة والشح الشديد . . فلما أراد لهذا كله إطارا مناسبا ، اختاره من الجو الصاخب المعفر كذلك ، تثيره الخيل العادية في جريها ، الصاخبة بأصواتها ، القادحة بحوافرها ، المغيرة فجاءة مع الصباح ، المثيرة للنقع والغبار ، الداخلة في وسط العدو على غير انتظار . . . فكان الإطار من الصورة والصورة من الإطار .
( والعاديات ضبحا ، فالموريات قدحا ، فالمغيرات صبحا ، فأثرن به نقعا ، فوسطن به جمعا . . إن الإنسان لربه لكنود . وإنه على ذلك لشهيد . وإنه لحب الخير لشديد . . . )
يقسم الله سبحانه بخيل المعركة ، ويصف حركاتها واحدة واحدة منذ أن تبدأ عدوها وجريها ضابحة بأصواتها المعروفة حين تجري ،
قوله جل ذكره : { بسم الله الرحمان الرحيم } .
" بسم الله " كلمة غيور لا يصلح لذكرها إلا لسان مصون عن اللغو والغيبة ، ولا يصلح لمعرفتها إلا قلب محروس عن الغفلة والغيبة ، ولا يصلح لمحبتها إلا روح محفوظة عن العلاقة والحجة .
قوله جلّ ذكره : { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً } .
{ وَالْعَادِيَاتِ } : الخيلُ التي تعدو .
{ ضَبْحاً } أي إِذا ضَبحن ضبحاً ، والضبحُ : هو صوتُ أجوافها إِذا عَدَوْنَ .
ويقال : ضبحُها هو شِدةُ نَفسِها عند العَدْوِ .
سورة العاديات مكية ، وآياتها إحدى عشرة ، نزلت بعد سورة العصر .
تبدأ هذه السورة بالقسَم بالخيل التي تعدو ، ويُسمع صوت أنفاسها ، وتقدَح الشرر بحوافرها ، والتي تُغير مع الصباح على العدو ، وتثير الغبار حتى تتوسط جمع العدو ، فتأخذه على غِرة ، وتثير في صفوفه الذعر والفزع . وقد جاء هذا القسَم بالخيل وما فيها من فوائد ، وما لها من مشاهد محبّبة ، يؤكد أن الإنسان شديد الكفران لنعم ربه . وهو لا يستطيع إنكار ذلك . إنه لشديد الحب للمال يجمعه من أي طريق ، ثم يحرص عليه كل الحرص . لكنه غافل أشد الغفلة حتى إنه يجهل عاقبة أمره يوم تُبعثر القبور ، ويُخرج الناس منها ، وينشر كل امرئ ما في صدره من سر وأعمال ؛ لأنهم في ذلك اليوم يكونون عند ربهم الخبير بهم ، والذي لا تخفى عليه خافية من أمورهم .
العاديات : الخيل التي تجري ، والفعلُ عدا يعدو عَدْواً جرى . . .
ضَبحا : الضبح صوت أنفاس الخيل .
أقسَم الله تعالى بالخَيْل المسرِعة التي يُسمع لأنفاسها صوتٌ شديد .
{ 1 - 11 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ }
أقسم الله تبارك وتعالى بالخيل ، لما فيها من آيات الله الباهرة ، ونعمه الظاهرة ، ما هو معلوم للخلق .
وأقسم [ تعالى ] بها في الحال التي لا يشاركها [ فيه ] غيرها من أنواع الحيوانات ، فقال : { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } أي : العاديات عدوًا بليغًا قويًا ، يصدر عنه الضبح ، وهو صوت نفسها في صدرها ، عند اشتداد العدو{[1467]} .