قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات فبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون }
اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال الناس ، ذكره الله تعالى ليستدل به على وجود الإله المختار الحكيم ، وليكون ذلك تنبيها على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم ، فقوله : { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } قال بعضهم : المراد أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم ، وهذا ضعيف ، لأن قوله : { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } خطاب مع الكل ، فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الدليل ، { من أنفسكم } مثل قوله : { فاقتلوا أنفسكم } وقوله : { فسلموا على أنفسكم } أي بعضكم على بعض ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا } قال الأطباء وأهل الطبيعة : التفاوت بين الذكر والأنثى إنما كان لأجل أن كل من كان أسخن مزاجا فهو الذكر ، وكل من كان أكثر بردا ورطوبة فهو المرأة . ثم قالوا : المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الذكر ، ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكرا تاما في الذكورة ، وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم ، كان الولد أنثى تاما في الأنوثة ، وإن انصب إلى الخصية اليمنى ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم ، كان الولد ذكرا في طبيعة الإناث . وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم ، كان هذا الولد أنثى في طبيعة الذكور .
واعلم أن حاصل هذا الكلام أن الذكورة علتها الحرارة واليبوسة ، والأنوثة علتها البرودة والرطوبة ، وهذه العلة في غاية الضعف ، فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان مزاجه في غاية البرودة ، ولو كان الموجب للذكورة والأنوثة ذلك لامتنع ذلك ، فثبت أن خالق الذكر والأنثى هو الإله القديم الحكيم ، وظهر بالدليل الذي ذكرنا صحة قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } .
ثم قال تعالى : { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } قال الواحدي : أصل الحفدة من الحفد وهو الخفة في الخدمة والعمل . يقال : حفد حفدا وحفودا وحفدانا إذا أسرع ، ومنه في دعاء القنوت وإليك نسعى ونحفد ، والحفدة جمع الحافد ، والحافد كل من يخف في خدمتك ويسرع في العمل بطاعتك ، يقال في جمعه الحفد بغير هاء كما يقال الرصد ، فمعنى الحفدة في اللغة الأعوان والخدام ، ثم يجب أن يكون المراد من الحفدة في هذه الآية الأعوان الذين حصلوا للرجل من قبل المرأة ، لأنه تعالى قال : { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } فالأعوان الذين لا يكونون من قبل المرأة لا يدخلون تحت هذه الآية .
إذا عرفت هذا فنقول : قيل هم الأختان ، وقيل : هم الأصهار ، وقيل : ولد الولد ، والأولى دخول الكل فيه ، لما بينا أن اللفظ محتمل لكل بحسب المعنى المشترك الذي ذكرناه .
ثم قال تعالى : { ورزقكم من الطيبات } لما ذكر تعالى إنعامه على عبيده بالمنكوح وما فيه من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة ، سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب والأشربة . أو كانت من الحيوان ، ثم قال : { أفبالباطل يؤمنون } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني بالأصنام ، وقال مقاتل : يعني بالشيطان ، وقال عطاء : يصدقون أن لي شريكا وصاحبة وولدا : { وبنعمة الله هم يكفرون } والمراد منه أنهم يحرمون على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة ويبيحون لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم : وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب ، يعني لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة ، وبإنعام الله في تحليل الطيبات ، وتحريم الخبيثات يجحدون ويكفرون ؟ والله أعلم .
واللمسة الثالثة في الأنفس والأزواج والأبناء والأحفاد وتبدأ بتقرير الصلة الحية بين الجنسين : ( جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) فهن من أنفسكم ، شطر منكم ، لا جنس أحط يتوارى من يبشر به ويحزن ! ( وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) والإنسان الفاني يحس الامتداد في الأبناء والحفدة ، ولمس هذا الجانب في النفس يثير أشد الحساسية . . ويضم إلى هبة الأبناء والأحفاد هبة الطيبات من الرزق للمشاكلة بين الرزقين ليعقب عليها بسؤال استنكاري : ( أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ؟ ) فيشركون به ويخالفون عن أمره . وهذه النعم كلها من عطائه . وهي آيات على ألوهيته وهي واقعة في حياتهم ، تلابسهم في كل آن . .
أفبالباطل يؤمنون ؟ وما عدا الله باطل ، وهذه الآلهة المدعاة ، والأوهام المدعاة كلها باطل لا وجود له ، ولا حق فيه . وبنعمة الله هم يكفرون ، وهي حق يلمسونه ويحسونه ويتمتعون به ثم يجحدونه .
وحفدة : الحفدة : أولاد الأولاد ، من الحفد وهو الخفة في العمل والخدمة ، كما جاء في القنوت : وإليك نسعى ونحفد . روي عن ابن عباس أنه قال : الحفيد : ولد الابن والبنت ، ذكرا كان أو أنثى ، وقيل : المراد بهم : الأختان والأصهار ، أي : أزواج البنات وأقارب الزوجة ، وكلها أقوال متقاربة .
{ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات . . . } .
خلق الله آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وزوجه حواء ، وجعل من نسل آدم وحواء ذرية كثيرة ، وشاء الله أن تكون الزوجة من جنس الرجل ؛ ليحدث الأنس والمودة والرحمة ، وقد جعل الله هذا الأنس والمودة والرحمة ، آية من آيات الله ، وبذلك يتنعم الزوجان ويذوقان عسيلة بعضهما ، قال تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون }( الروم : 21 ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( حبّب إلي من دنياكم ثلاث : النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة )49 .
{ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } .
نلمح هنا المساواة بين الرجال والنساء ، وقد كان بعض أهل الجاهلية يكره ولادة البنات ، ويتوارى خجلا إذا رزق بالبنات ، ويعتبر البنت مولودا غير مرغوب فيه ؛ فيمسكه على هون أو يدسه في التراب ، فلما جاء الإسلام ؛ كرم إنسانية الإنسان .
{ ولقد كرمنا بني آدم }( الإسراء : 70 ) ، وكرم المرأة وليدة ، وناشئة ، وزوجة ، وأمّاً ، فالمرأة من نفس الرجل ، وهي شقيقة الرجل ، وليست المرأة مخلوقا من الدرجة الثانية ، قال تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء }( النساء : 1 ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( النساء شقائق الرجال )50 .
وقد جعل الله القوامة للرجل على زوجته ، مقابل النفقة والولاية والمسئولية عن الأسرة ، وهي ولاية مودة ورحمة وتعاطف ، لا ولاية غلظة وتجبر .
قال تعالى : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم . . . }( النساء : 34 ) .
قال الشيخ أحمد المراغى في تفسير المراغى :
{ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } . أي : والله سبحانه جعل لكم أزواجا من جنسكم ، تأنسون بهن ، وتقوم بهن جميع مصالحكم ، وعليهن تدبير معايشكم ، وجعل لكم منهن بنين وحفدة أي : أولاد ، وأولاد أولاد يكونون زهرة الحياة الدنيا وزينتها ، وبهم التفاخر والتناصر والمساعدة لدى البأساء والضراء . اه .
يمتنّ الله علينا بالأرزاق المتعددة في المأكل والمشرب والمنكح ، والهداية والملابس والمساكن ، وسائر الطيبات التي ينتفع بها الإنسان إلى أقصى الحدود وأبعد الغايات .
{ أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون } . أي : إن الله قد أنعم أهل مكة بالعديد من النعم ، التي أنعم بها على سائر البشر ، مثل : الأزواج ، والأبناء ، والأحفاد ، والطيبات من الرزق ، لكنهم يؤمنون بالأوثان والأنصاب ، والشركاء والأنداد ، التي لم تقدم لهم أي رزق ، ويكفرون ويجحدون نعم الله المتعددة عليهم ، فلا يقدمون له الشكر ، ولا يعترفون له بالألوهية والوحدانية ، وبأنه وحده الخالق الرازق ، الذي لا شريك له ، ، وقد استهل القرآن هذه الفقرة بالاستفهام الإنكاري : { أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون } . فيشركون به ويخالفون عن أمره ، وهذه النعم كلها من عطائه ، وهي آيات على ألوهيته ، وهي واقعة في حياتهم ، تلابسهم في كل آن .