مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (112)

أما قوله تعالى : { بلى } ففيه وجوه . ( الأول ) : أنه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة . ( الثاني ) : أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه لله برهانا . ( الثالث ) : كأنه قيل لهم : أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة ، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة ، فيكون ذلك ترغيبا لهم في الإسلام ، وبيانا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه ويعدلوا إلى هذه الطريقة ، فأما معنى : { من أسلم وجهه لله } فهو إسلام النفس لطاعة الله ، وإنما خص الوجه بالذكر لوجوه .

( أحدها ) : لأنه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس والفكر والتخيل ، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى . ( وثانيها ) : أن الوجه قد يكنى به عن النفس ، قال الله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } ( وثالثها ) : أن أعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خص الوجه بالذكر ، ولهذا قال زيد بن عمرو بن نفيل .

وأسلمت وجهي لمن أسلمت *** له الأرض تحمل صخرا ثقالا

وأسلمت وجهي لمن أسلمت *** له المزن تحمل عذبا زلالا

فيكون المرء واهبا نفسه لهذا الأمر بإذلالها ، وذكر الوجه وأراد به نفس الشيء ، وذلك لا يكون إلا بالانقياد والخضوع وإذلال النفس في طاعته وتجنب معاصيه ، ومعنى ( لله ) أي : خالصا لله لا يشوبه شرك ، فلا يكون عابدا مع الله غيره ، أو معلقا رجاءه بغيره ، وفي ذلك دلالة على أن المرء لا ينتفع بعمله إلا إذا فعله على وجه العبادة في الإخلاص والقربة .

أما قوله تعالى : { وهو محسن } أي : لابد وأن يكون تواضعه لله بفعل حسن لا بفعل قبيح ، فإن الهند يتواضعون لله لكن بأفعال قبيحة ، وموضع قوله : { وهو محسن } موضع حال كقولك : جاء فلان وهو راكب ، أي جاء فلان راكبا ، ثم بين أن من جمع بين هذين فله أجره عند ربه ، يعني به الثواب العظيم ، ثم مع هذا النعيم لا يلحقه خوف ولا حزن ، فأما الخوف فلا يكون إلا من المستقبل ، وأما الحزن فقد يكون من الواقع والماضي كما قد يكون من المستقبل فنبه تعالى بالأمرين على نهاية السعادة لأن النعيم العظيم إذا دام وكثر وخلص من الخوف والحزن فلا يحزن على أمر فاته ولا على أمر يناله ولا يخاف انقطاع ما هو فيه وتغيره فقد بلغ النهاية وفي ذلك ترغيب في هذه الطريقة وتحذير من خلافها الذي هو طريقة الكفار المذكورين من قبل ، واعلم أنه تعالى وحد أولا ثم جمع ، ومثله قوله : { وكم من ملك في السموات } ثم قال : { شفاعتهم } وقوله : { ومنهم من يستمع إليك } وقال في موضع آخر { يستمعون إليك } وقال : { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك } ولم يقل : خرج ، واعلم أنا لما فسرنا قوله : { من أسلم وجهه لله } بالإخلاص فلنذكر ههنا حقيقة الإخلاص وذلك لا يمكن بيانه إلا في مسائل :

المسألة الأولى : في فضل النية قال عليه الصلاة والسلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) وقال : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم ) وفي الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه : لو كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له : إن الله قبل صدقتك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت به .

المسألة الثانية : الإنسان إذا علم أو ظن أو اعتقد أن له في فعل من الأفعال جلب نفع أو دفع ضر ظهر في قلبه ميل وطلب ، وهو صفة تقتضي ترجيح وجود ذلك الشيء على عدمه ، وهي الإرادة فهذه الإرادة هي النية والباعث له على تلك النية ذلك العلم أو الاعتقاد أو الظن ، إذا عرفت هذا فنقول : الباعث على الفعل إما أن يكون أمرا واحدا ، وإما أن يكون أمرين ، وعلى التقدير الثاني فإما أن يكون كل واحد منهما مستقلا بالبعث ، أو لا يكون واحد منهما مستقلا بذلك ، أو يكون أحدهما مستقلا بذلك دون الآخر ، فهذه أقسام أربعة ( الأول ) : أن يكون الباعث واحدا وهو كما إذا هجم على الإنسان سبع فلما رآه قام من مكانه فهذا الفعل لا داعي إليه إلا اعتقاده ما في الهرب من النفع وما في ترك الهرب من الضرر ، فهذه النية تسمى خالصة ، ويسمى العمل بموجبها إخلاصا . ( الثاني ) : أن يجتمع على الفعل باعثان مستقلان ، كما إذا سأله رفيقه الفقير حاجة فيقضيها لكونه رفيقا له ، وكونه فقيرا ، مع كون كل واحد من الوصفين بحيث لو انفرد لاستقل بالاستقضاء ، واسم هذا موافقة الباعث . ( الثالث ) : أن لا يستقل واحد منهما لو انفرد ، لكن المجموع مستقل ، واسم هذا مشاركة . ( الرابع ) : أن يستقل أحدهما ويكون الآخر معاضدا مثل أن يكون للإنسان ورد من الطاعات فاتفق أن حضر في وقت أدائها جماعة من الناس فصار الفعل عليه أخف بسبب مشاهدتهم ، واسم هذا معاونة .

المسألة الثالثة : في تفسير قوله عليه السلام : ( نية المؤمن خير من عمله ) ذكروا فيه وجوها . ( أحدها ) : أن النية سر ، والعمل علن ، وطاعة السر أفضل من طاعة العلانية ، وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي أن تكون نية الصلاة خيرا من نفس الصلاة . ( وثانيها ) : النية تدوم إلى آخر العمل ، والأعمال لا تدوم ، والدائم خير من المنقطع ، وهذا ليس بشيء لأنه يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من العمل القليل ، وأيضا فنية عمل الصلاة قد لا تحصل إلا في لحظات قليلة ، والأعمال تدوم ، ( وثالثها ) : أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده ، وهو ضعيف ، إذ العمل بلا نية لا خير فيه ، وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخيرية . ( ورابعها ) : أن لا يكون المراد من الخير إثبات الأفضلية بل المراد أن النية خير من الخيرات الواقعة بعمله ، وهو ضعيف ، لأن حمل الحديث عليه لا يفيد إلا إيضاح الواضحات ، بل الوجه الجيد في التأويل أن يقال : النية ما لم تخل عن جميع أنواع الفتور لا تكون نية جازمة ، ومتى خلت عن جميع جهات الفتور وجب ترتب الفعل عليها لو لم يوجد عائق ، وإذا كان كذلك : ثبت أن النية لا تنفك البتة عن الفعل ، فيدعى أن هذه النية أفضل من ذلك العمل ، وبيانه من وجوه . ( أولها ) : أن المقصود من جميع الأعمال تنوير القلب بمعرفة الله وتطهيره عما سوى الله ، والنية صفة القلب ، والفعل ليس صفة القلب ، وتأثير صفة القلب أقوى من تأثير صفة الجوارح في القلب ، فلا جرم نية المؤمن خير من عمله . ( وثانيها ) : أنه لا معنى للنية إلا القصد إلى إيقاع تلك الأعمال طاعة للمعبود وانقيادا له ، وإنما يراد الأعمال ليستحفظ التذكر بالتكرير ، فيكون الذكر والقصد الذي في القلب بالنسبة إلى العمل كالمقصود بالنسبة إلى الوسيلة ، ولا شك أن المقصود أشرف من الوسيلة . ( وثالثها ) : أن القلب أشرف من الجسد ، ففعله أشرف من فعل الجسد ، فكانت النية أفضل من العمل .

المسألة الرابعة : اعلم أن الأعمال على ثلاثة أقسام : طاعات ، ومعاصي ، ومباحات ، أما المعاصي فهي لا تتغير عن موضوعاتها بالنية ، فلا يظن الجاهل أن قوله عليه الصلاة والسلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) يقتضي انقلاب المعصية طاعة بالنية كالذي يطعم فقيرا من مال غيره ، أو يبني مسجدا من مال حرام . ( الثاني ) : الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في الأصل وفي الفضيلة ، أما في الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى ، فإن نوى الرياء صارت معصية ، وأما الفضيلة فبكثرة النيات تكثر الحسنة كمن قعد في المسجد وينوي فيه نيات كثيرة . ( أولها ) : أن يعتقد أنه بيت الله ويقصد به زيارة مولاه كما قال عليه الصلاة والسلام : ( من قعد في المسجد فقد زار الله وحق على المزور إكرام زائره ) . ( وثانيها ) : أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون حال الانتظار كمن هو في الصلاة . ( وثالثها ) : إغضاء السمع والبصر وسائر الأعضاء كما لا ينبغي ، فإن الاعتكاف كف وهو في معنى الصوم ، وهو نوع ترهب ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( رهبانية أمتي القعود في المساجد ) . ( ورابعها ) : صرف القلب والسر بالكلية إلى الله تعالى . ( وخامسها ) : إزالة ما سوى الله عن القلب . ( وسادسها ) : أن يقصد إفادة علم أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر . ( وسابعها ) : أن يستفيد أخا في الله فإن ذلك غنيمة أهل الدين . ( وثامنها ) : أن يترك الذنوب حياء من الله فهذا طريق تكثير النيات ، وقس به سائر الطاعات .

القسم الثالث : سائر المباحات ولا شيء منها إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات ، فما أعظم خسران من يغفل عنها ولا يصرفها إلى القربات ، وفي الخبر : من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك ، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة فإن قلت : فاشرح لي كيفية هذه النية ، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم بلذات الدنيا أو إظهار التفاخر بكثرة المال أو رياء الخلق أو ليتودد به إلى قلوب النساء ، فكل ذلك يجعل التطيب معصية ، وإن كان القصد إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن عباد الله وتعظيم المسجد ، فهو عين الطاعة ، وإذا عرفت ذلك فقس عليه سائر المباحات ، والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق ، وكل ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب .

المسألة الخامسة : اعلم أن الجاهل إذا سمع الوجوه العقلية والنقلية في أنه لابد من النية فيقول في نفسه عند تدريسه وتجارته : نويت أن أدرس لله وأتجر لله يظن أن ذلك نية وهيهات فذاك حديث نفس أو حديث لسان والنية بمعزل عن جميع ذلك إنما النية انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلا وإما آجلا . والميل إذا لم يحصل لم يقدر الإنسان على اكتسابه وهو كقول الشبعان نويت أن أشتهي الطعام ، أو كقول الفارغ نويت أن أعشق ، بل لا طريق إلى اكتساب الميل إلى الشيء إلا باكتساب أسبابه وليست هي إلا تحصيل العلم بما فيه من المنافع ، ثم هذا العلم لا يوجب هذا الميل إلا عند خلو القلب عن سائر الشواغل ، فإذا غلبت شهوة النكاح ولم يعتقد في الولد غرضا صحيحا لا عاجلا ولا آجلا ، لا يمكنه أن يواقع على نية الولد بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد ؟ فثبت أن النية ليست عبارة عن القول باللسان أو بالقلب بل هي عبارة عن حصول هذا الميل ، وذلك أمر معلق بالغيب فقد يتيسر في بعض الأوقات ، وقد يتعذر في بعضها .

المسألة السادسة : اعلم أن نيات الناس في الطاعات أقسام : فمنهم من يكون عملهم إجابة لباعث الخوف فإنه يتقي النار ، ومنهم من يعمل لباعث الرجاء وهو الرغبة في الجنة والعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه كالأجير السوء ودرجته درجة البله ، وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله والفكر فيه حبا لجلاله وسائر الأعمال مؤكدات له وهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وثواب الناس بقدر نياتهم فلا جرم صار المقربون متنعمين بالنظر إلى وجهه الكريم ونسبة شرف الالتذاذ بنعيم الجنة إلى شرف الالتذاذ بهذا المقام كنسبة نعيم الجنة إلى وجهه الكريم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (112)

104

وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد . إنما هو الإسلام والإحسان ، لا الاسم والعنوان :

( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ، فله أجره عند ربه ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . .

ومن قبل قرر هذه القاعدة في العقاب ردا على قولهم : ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) . . فقال : ( بلى ! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . .

إنها قاعدة واحدة بطرفيها في العقوبة والمثوبة . طرفيها المتقابلين : ( من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) . . فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة ، في معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة .

و ( من أسلم وجهه لله وهو محسن ) . . فأخلص ذاته كلها لله ، ووجه مشاعره كلها إليه ، وخلص لله في مقابل خلوص الآخر للخطيئة . . ( من أسلم وجهه لله ) . . هنا تبرز سمة الإسلام الأولى : إسلام الوجه - والوجه رمز على الكل - ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم . الاستسلام المعنوي والتسليم العملي . ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على هذا الاستسلام : ( وهو محسن ) . . فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك ، بين العقيدة والعمل ، بين الإيمان القلبي والإحسان العملي . . بذلك تستحيل العقيدة منهجا للحياة كلها ؛ وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها ؛ وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله :

فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . .

الأجر المضمون لا يضيع عند ربهم . . والأمن الموفور لا يساوره خوف ، والسرور الفائض لا يمسه حزن . . وتلك هي القاعدة العامة التي يستوي عندها الناس جميعا . فلا محسوبية عند الله سبحانه ولا محاباة !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (112)

المفردات :

إسلام الوجه لله : هو الانقياد والإخلاص له في العمل بحيث لا يجعل العبد بينه وبين ربه وسطاء .

التفسير :

112- بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . أي : بلى يدخل الجنة من أخلص نفسه وذاته لله ، فآمن به ونزهه تعالى عن الولد ( وهو محسن ) في جميع أعماله التي منها الإسلام .

والإحسان أداء العمل على وجه حسن أي مطابق للصواب وهو ما جاء به الشرع الشريف .

ومقصود الآية ليس الحق فيما زعمه كل فريق منكم يا معشر اليهود والنصارى من أن الجنة لكم دون غيركم ، وإنما الحق أن كل من أخلص نفسه لله وأتى بالعمل الصالح على وجه حسن ، فإنه يدخل الجنة ، وينال أجره اللائق به ولا يخاف في الدارين من لحوق مكروه ولا يحزن على فوت مطلوب .

وقد أفادت الآية الكريمة ما يأتي :

1- إثبات ما نفوه من دخلوا غيرهم الجنة .

2- بيان أنهم ليسوا من أهل الجنة إلا إذا أسلوا وجوههم لله .

3- بيان أن العمل المقبول عند الله تعالى يجب أن يتوافر فيه أمران أولهما : أن يكون خالصا لله وحده . ثانيهما : أن يكون مطابقا الشريعة التي ارتضاها الله تعالى وهي شريعة الإسلام .

قال ابن كثير في تفسيره :

فإن للعمل المتقبل شرطين ، أحدهما : أن يكون خالصا لله وحده والآخر أن يكون صوابا موافقا للشريعة ، فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ( 276 ) رواه مسلم من حديث عائشة .

فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم يخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، المبعوث إليهم وإلى الناس كافة ، وفيهم وأمثالهم قال تعالى : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا . ( الفرقان : 23 )

وقال تعالى : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ( النور : 39 ) .

وروى عن أمير المؤمنين عمر : أنه تأولها في الرهبان ، وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله ، فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين .

كما قال تعالى : إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا . ( النساء 39 ) ، وقال تعالى : فويل للمصلين*الذين هم عن صلاتهم ساهون *الذين هم يراءون*ويمنعون الماعون . ( الماعون : 4-7 ) .

ولهذا قال تعالى : فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ( الكهف : 110 ) .