قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا } .
اعمل أنه تعالى لما هدد اليهود بقوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } فعند هذا قالوا : لسنا من المشركين ، بل نحن خواص الله تعالى كما حكى تعالى عنهم أنهم قالوا : { نحن أبناء الله وأحباؤه } وحكى عنهم أنهم قالوا : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } وحكى أيضا أنهم قالوا : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } وبعضهم كانوا يقولون : أن آباءنا كانوا أنبياء فيشفعون لنا . وعن ابن عباس رضي الله عنه أن قوما من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا محمد هل على هؤلاء ذنب ؟ فقال لا ، فقالوا : والله ما نحن إلا كهؤلاء : ما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار ، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل . وبالجملة فالقوم كانوا قد بالغوا في تزكية أنفسهم فذكر تعالى في هذه الآية أنه لا عبرة بتزكية الإنسان نفسه ، وإنما العبرة بتزكية الله له وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : التزكية في هذا الموضع عبارة عن مدح الإنسان نفسه ، ومنه تزكية المعدل للشاهد ، قال تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى ، والتقوى صفة في الباطن ، ولا يعلم حقيقتها إلا الله ، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا من الله ، فلهذا قال تعالى : { بل الله يزكى من يشاء } .
فإن قيل : أليس أنه صلى الله عليه وسلم قال : «والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض » . قلنا : إنما قال ذلك حين قال المنافقون له : اعدل في القسمة ، ولأن الله تعالى لما زكاه أولا بدلالة المعجزة جاز له ذلك بخلاف غيره .
المسألة الثانية : قوله : { بل الله يزكي من يشاء } يدل على أن الإيمان يحصل بخلق الله تعالى لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الإيمان ، فلما ذكر تعالى أنه هو الذي يزكي من يشاء دل على أن إيمان المؤمنين لم يحصل إلا بخلق الله تعالى .
المسألة الثالثة : قوله : { ولا يظلمون فتيلا } هو كقوله : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } والمعنى أن الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم ، أو يكون المعنى : أن الذين زكاهم الله فإنه يثيبهم على طاعاتهم ولا ينقص من ثوابهم شيئا ، والفتيل ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ ، فعيل بمعنى مفعول ، وعن ابن السكيت : الفتيل ما كان في شق النواة ، والنقير النقطة التي في ظهر النواة ، والقطمير القشرة الرقيقة على النواة ، وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير ، أي لا يظلمون لا قليلا ولا كثيرا .
ثم يمضي القرآن - وهو يخوض المعركة بالجماعة المسلمة مع اليهود في المدينة - يعجب من أمر هؤلاء الخلق ؛ الذين يزعمون أنهم شعب الله المختار ؛ ويثنون على أنفسهم ؛ ويزكونها ؛ بينما هم يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويتطاولون على الله ورسوله - كما سبق - وبينما هم يؤمنون بالجبت والطاغوت - كما سيجيء - كاذبين على الله في تزكيتهم لأنفسهم ، وفي زعمهم أنهم مقربون إليه مهما عملوا من السوء ! :
( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ؟ بل الله يزكي من يشاء ، ولا يظلمون فتيلا . انظر كيف يفترون على الله الكذب ! وكفى به إثما مبينًا ) . .
ودعوى اليهود أنهم شعب الله المختار هي دعواهم من قديم . وقد اختارهم الله فعلا لحمل الأمانة وأداء الرسالة ، وفضلهم على العالمين في ذلك الأوان ؛ وأهلك لهم فرعون وملأه ، وأورثهم الأرض المقدسة . . ولكنهم هم انحرفوا بعد ذلك عن منهج الله ؛ وعتوا في الأرض عتوا كبيرا ، واجترحوا السيئات التي تضج منها الأرض ، وأحل لهم أحبارهم ما حرم الله وحرموا عليهم ما أحله لهم ، واتبعوهم ؛ ولم ينكروا عليهم حق الألوهية هذا الذي ادعوه عمليا - بهذا التحريم والتحليل - وقد بدل هؤلاء الأحبار في شريعة الله ، ليرضوا ذوي السلطان والشرفاء ؛ وليملقوا كذلك رغبات الجماهير وأهواءهم . وبذلك اتخذوا أحبارهم أربابا من دون الله . وأكلوا الربا . . ووهنت علاقتهم بدين الله وكتابة الذي أنزله عليهم . . وعل الرغم من ذلك كله - وغيره كثير - فقد ظلوا يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه . وأن النار لن تمسهم إلا إياما معدودة . وأنه لا يهتدي ولا يقبل عند الله إلا من كان هودا ! كأن المسألة مسألة قرابة ونسب ومحاباة بينهم وبين الله - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - فالله لا تصل بينه وبين أحد من خلقه قرابة ولا نسب ؛ إنما تربط عباده به العقيدة المستقيمة والعمل الصالح ، والاستقامة على منهج الله . . فمن أخل بهذا فقد غضب الله عليه . ويشتد غضبه إذا كان قد آتى الضالين الهدى فانحرفوا عنه ! وما شأن هؤلاء اليهود إلا شأن من يزعمون الإسلام اليوم ، ويحسبون أنهم من أمة محمد [ ص ] وأن الله لا بد ناصرهم ، ومخرج لهم اليهود من أرضهم . . بينما هم ينسلخون انسلاخا كاملا من دين الله الذي هو منهجه للحياة ؛ فينبذونه من حياتهم ؛ ولا يتحاكمون إلى كتاب الله لا في أقضيتهم ولا في اقتصادهم ، ولا في اجتماعهم ، ولا في آدابهم ، ولا في تقاليدهم . وكل ما لهم من الإسلام أسماء المسلمين ! وأنهم ولدوا في أرض كان المسلمون يسكنونها ذات يوم ! ويقيمون فيها دين الله ، ويحكمون منهجه في الحياة !
والله يعجب رسوله [ ص ] من أمر أولئك اليهود الذين يزكون أنفسهم . وأمر " المسلمين " المعاصرين أعجب ، وأشد إثارة للتعجيب والتعجب ! !
إنه ليس الناس هم الذين يزكون أنفسهم ؛ ويشهدون لها بالصلاح والقرب من الله واختيار الله . إنما الله هو الذي يزكي من يشاء . فهو أعلم بالقلوب والأعمال . ولن يظلم الناس شيئا ، وإذا هم تركوا هذا التقدير لله - سبحانه - واتجهوا إلى العمل . لا إلى الادعاء . فلئن عملوا - وهم ساكتون متواضعون في حياء من الله ، وبدون تزكية ولا ادعاء - فلن يغبنوا عند الله ؛ ولن ينسي لهم عمل ؛ ولن يبخس لهم حق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.